مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوت العقديةمفاهيم

“مفهوم الابتداء”

الابتداء في اللغة:
قال ابن منظورفي مادة: «(بدأ) في أسماء الله عز وجل”المبدئ” هو الذي أنشأ الأشياء واخترعها ابتداء من غير سابق مثال، والبدء فعل الشيء أول بدأ به»[1]
البدء: من بدأ الشيء، أنشأه واخترعه قال الله تعالى: {أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق} [العنكبوت:18]، ثم قال: {كيف بدأ الخلق } [العنكبوت:19]، هذا فيما يتعدى بنفسه، وبدأت بالشيء، وبدأته، وابتدأت به وابتدأته: بمعنى قدمته على غيره، وجعلته أول الأشياء …
والابتداء: «أمر عقلي ومفهوم كلي لا وجود له في الخارج إلا في ضمن الأفراد كسائر الأمور الكلية، ولا أفراد له في الخارج حقيقة، كالإنسان مثلا، وإنما أفراده حصص الجنس الحاصلة بالإضافة إلى الأزمنة والأمكنة، وهكذا مفهومات المصادر كلها، فإنها لكونها أمورا اعتبارية نسبية لا وجود لها إلا في ضمن النسب المعينة، والإضافات الخارجية فالابتداء الحقيقي: هو الذي لم يتقدمه شيء أصلا؛ والإضافي: هو الذي لم يتقدمه شيء من المقصود بالذات، والعرفي: هو الابتداء الممتد من زمن الابتداء إلى زمن الشروع في المقصود، حتى يكون كل ما يصدر في ذلك الزمان يعد مبتدأ به قال بعضهم: الإضافي: يعتبر بالنسبة إلى ما بعده شيئا فشيئا إلى المقصود بالذات بخلاف العرفي: فإنه يعتبر شيئا واحدا ممتدا إلى المقصود.»[2]  
“مفهوم الابتداء عند أبي الحسن الأشعري”[3]
قال أبو الحسن الأشعري: «إن الله تعالى حكم في الشئ بحكم مثله، وجعل سبيل النظير ومجراه مجرى نظيره، وقد قال تعالى:{الله يبدأ الخلق ثم يعيده}[الروم:26] يريد وهو هين عليه، فجعل الابتداء كالإعادة» [الم،9،9].
وقال: «الابتداء خلق الشيء أو ل مرة، والإعادة خلقه مرة أخرى.»[ مقا،364،3]
-قال هشام بن عمرو الفوطي: «ابتداء الشيء مما يجوز أن يعاد غيره، وابتداؤه مما لا يجوز أن يعاد ليس بغيره، والإرادة المراد.»[مقا،364،5]إبتداء الخلق:
– «أما الباري جل ثناؤه وتقدست أسماؤه فليس خلق شيء بأهون عليه من الآخر، وقد قيل إن الهاء في عليه إنما هي كناية للخلق بقدرته أن البعث والإعادة أهون على أحدكم وأخف عليه من ابتداء خلقه، لأن ابتداء خلقه إنما يكون بالولادة والتربية وقطع السرة والقماط وخروج الأسنان وغير ذلك من الآيات الموجعة المؤلمة، وإعادته إنما تكون دفعة واحدة ليس فيها من ذلك شيء، فهي أهون عليه من ابتدائه، فهذا ما احتج به على الطائفة المقرة بالخلق، وأما الطائفة التي أنكرت الخلق الأول والثاني وقالت بقدم العالم فإنما دخلت عليهم شبهة بأن قالوا وجدنا الحياة رطبة وحارة، والموت باردا يابسا، وهو من طبع التراب، فكيف يجوز أن يجمع بين الحياة و التراب والعظام النخرة فيصير خلقا سويا؟ والضدان لا يجتمعان ! فأنكروا البعث من هذه الجهة.»[إس،6،3].
– «إن ابتداء خلقه (الله)إنما يكون بالولادة والتربية وقطع السرة  والقماط وخروج الأسنان وغير ذلك من الآيات الموجعة المؤلمة، وإعادته إنما تكون دفعة واحدة ليس فيها أهون عليه من ابتدائه، فهذا ما احتج به على الطائفة المقرة بالخلق»[ألم، 90، 17].
يقول الإمام الغزالي: في إسم الله تعالى “المبدئ”:« معناه الموجد؛ لكن الإيجاد إذا لم يكن مسبوقا بمثله سمي إبداء، وإذا كان مسبوقا بمثله سمي إعادة والله سبحانه وتعالى بدأ خلق الناس، ثم هو الذي يعيدهم؛ أي يحشرهم، والأشياء كلها منه بدأت وإليه تعود وبه بدأت وبه تعود»[4]وقال في الاقتصاد: «أما الحشر فيعنى به إعادة الخلق، وقد دلت عليه القواطع الشرعية، وهو ممكن بدليل الابتداء؛ فإن الإعادة خلق ثان، ولا فرق بينه وبين الابتداء، وإنما يسمى إعادة بالاضافة إلى الابتداء السابق، والقادر على الإنشاء والابتداء قادر على الإعادة، وهو المعني بقوله: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة}[يس:78].
 فإن قيل فماذا تقولون: أتعدم الجواهر والأعراض ثم يعادان جميعاً، أو تعدم الأعراض دون الجواهر وإنما تعاد الأعراض؟ قلنا: كل ذلك ممكن؛ وليس في الشرع دليل قاطع على تعيين أحد هذه الممكنات، وأحد الوجهين أن تنعدم الأعراض ويبقى جسم الإنسان متصوراً بصورة التراب مثلاً، فتكون قد زالت منه الحياة واللون والرطوبة والتركيب والهيئة وجملة من الأعراض، ويكون معنى إعادتها أن تعاد إليها تلك الأعراض بعينها وتعاد إليها أمثالها، فإن العرض عندنا لا يبقى، والحياة عرض والموجود عندنا في كل ساعة عرض آخر، والإنسان هو ذلك الإنسان باعتبار جسمه فإنه واحد لا باعتبار أعراضه، فإن كل عرض يتجدد هو غير الآخر، فليس من شرط الإعادة فرض إعادة الأعراض، وإنما ذكرنا هذا لمصير بعض الأصحاب إلى استحالة إعادة الأعراض، وذلك باطل، ولكن القول في إبطاله يطول ولا حاجة إليه في غرضنا هذا. والوجه الآخر أن تعدم الأجسام أيضاً ثم تعاد الأجسام بأن تخترع مرة ثانية.
 فإن قيل: فيم يتميز المعاد عن مثل الأول؟ وما معنى قولكم أن المعاد هو عين الأول، ولم يبق للمعدوم عين حتى تعاد ؟ قلنا: المعدوم منقسم في علم الله إلى ما سبق له وجود وإلى ما لم يسبق له وجود، كما أن العدم في الأزل ينقسم إلى ما سيكون له وجود، وإلى ما علم الله تعالى أنه لا يوجد؛ فهذا الانقسام في علم الله لا سبيل إلى إنكاره، والعلم شامل والقدرة واسعة، فمعنى الإعادة أن نبذل بالوجود العدم الذي سبق له الوجود، ومعنى المثل أن يخترع الوجود لعدم لم يسبق له وجود، فهذا معنى الإعادة، ومهما قدر الجسم باقياً ورد الأمر إلى تجديد أعراض تماثل الأول حصل تصديق الشرع ووقع الخلاص عن إشكال الإعادة وتمييز المعاد عن المثل، وقد أطنبنا في هذه المسألة في كتاب “التهافت”، وسلكنا في إبطال مذهبهم تقرير بقاء النفس التي هي غير متحيز عندهم وتقدير عود تدبيرها إلى البدن، سواء كان ذلك البدن هو عين جسم الإنسان أو غيره، وذلك إلزام لا يوافق ما نعتقده؛ فإن ذلك الكتاب مصنف لإبطال مذهبهم لا لإثبات المذهب الحق، ولكنهم لما قدروا أن الإنسان هو ما هو باعتبار نفسه، وأن اشتغاله بتدبير كالعارض له والبدن آلة لهم، ألزمناهم بعد اعتقادهم بقاء النفس وجوب التصديق بالإعادة، وذلك برجوع النفس إلى تدبير بدن من الأبدان، والنظر الآن في تحقيق هذا الفصل ينجر إلى البحث عن الروح والنفس والحياة وحقائقها، ولا تحتمل المعتقدات التغلغل إلى هذه الغايات في المعقولات، فما ذكرناه كاف في بيان الاقتصاد في الاعتقاد للتصديق بما جاء به الشرع.»[5]
وجاء عن الرازي في ابتداء تخليق الإنسان:
-«إن كلمة”من” أصلها لابتداء الغاية، تقول: خرجت من البصرة إلى الكوفة، فقوله تعالى:{خلقنا الإنسان من سلالة من طين}[المومنون:12] يقتضي أن يكون ابتداء التخليق للإنسان حاصلا من هذه السلالة، ونحن نقول بموجبه، لأنه تعالى سوى المزاج البدني، ثم نفخ فيه الروح، فيكون ابتداء تخليقه من السلالة.»[نفس،64، 1] [6] وقال في مفاتيح الغيب: «…{وننشئكم فيما لا تعلمون} [الواقعة: 64] يعني أنه سبحانه لما كان قادرا على إنشاء ذواتكم أولا، ثم على إنشاء أجزائكم حال حياتكم ثانيا، شيئا فشيئا من غير أن تكونوا عالمين بوقت حدوثه وبوقت نقصانه، فوجب القطع أيضا بأنه لا يمتنع عليه سبحانه إعادتكم بعد البلى في القبور لحشر يوم القيامة.
المثال الثالث: أنه تعالى لما كان قادرا على أن يخلقنا ابتداء من غير مثال سبق، فلأن يكون قادرا على إيجادنا مرة أخرى مع سبق الإيجاد الأول كان أولى، وهذا الكلام قرره تعالى في آيات كثيرة، منها في هذه الآية وهو قوله: {إنه يبدأ الخلق ثم يعيده} وثانيها: قوله تعالى في سورة يس: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة} [يس:78] وثالثها: قوله تعالى: {ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون} [الواقعة: 65] ورابعها: قوله تعالى: {أفعيينا بالخلق الأول بل هم فى لبس من خلق جديد}[ق: 15] وخامسها: قوله تعالى: { أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من منى يمنى} [القيامة: 35- 36] إلى قوله: {أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى} [القيامة: 39] وسادسها: قوله تعالى: {ياأيها الناس إن كنتم فى ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب} [الحج: 5] إلى قوله: {ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحى الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور} [الحج: 6-7] فاستشهد تعالى في هذه الآية على صحة الحشر بأمور: الأول: أنه استدل بالخلق الأول على إمكان الخلق الثاني، وهو قوله: {إن كنتم فى ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب} كأنه تعالى يقول: لما حصل الخلق الأول بانتقال هذه الأجسام من أحوال إلى أحوال أخرى، فلم لا يجوز أن يحصل الخلق الثاني بعد تغيرات كثيرة، واختلافات متعاقبة؟ والثاني: أنه تعالى شبهها بإحياء الأرض الميتة، والثالث: أنه تعالى هو الحق وإنما يكون كذلك لو كان كامل القدرة تام العلم والحكمة، فهذه هي الوجوه المستنبطة من هذه الآية على إمكان صحة الحشر والنشر.
والآية السابعة: في هذا الباب قوله تعالى: {قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر فى صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذى فطركم أول مرة} [الإسراء: 50-51] .
المثال الرابع: أنه تعالى لما قدر على تخليق ما هو أعظم من أبدان الناس فكيف يقال: إنه لا يقدر على إعادتها؟ فإن من كان الفعل الأصعب عليه سهلا، فلأن يكون الفعل السهل الحقير عليه سهلا كان أولى، وهذا المعنى مذكور في آيات كثيرة: منها: قوله تعالى: { أوليس الذى خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم } [يس: 80] وثانيها: قوله تعالى: {أولم يروا أن الله الذى خلق السموات والأرض ولم يعى بخلقهن بقادر على أن يحى الموتى }[الأحقاف:32]»[7]ولهذا يصح الاستدلال على قدرة الله على الإعادة بقدرته على الابتداء.

الهوامش:

[1] لسان العرب، مادة بدأ.
[2]  الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، لأبي البقاء الكفوي، عناية عدنان درويش ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة الطبعة الثانية، 1419هـ/1998م، (ص:30).
[3] موسوعة مصطلحات الأشعري والقاضي عبد الجبار، الدكتور سميح دغيم، سلسلة موسوعات مصطلحات أعلام الفكر العربي والإسلامي، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت لبنان، الطبعة الأولى 2002م. (ص:1).
[4] المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، محمد بن محمد الغزالي، دار السلام القاهرة الطبعة الأولى 1429هـ/2008م، (ص: 180).
[5] الاقتصاد في الاعتقاد، لأبي حامد الغزالي، دار الكتب العلمية، ط 2004م  (ص: 116-117)
[6] موسوعة مصطلحات  الإمام فخر الدين الرازي، الدكتور سميح دغيم، سلسلة موسوعات مصطلحات أعلام الفكر العربي والإسلامي، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت لبنان، الطبعة الأولى 2001م. (ص:1).
[7]مفاتيح الغيب/لفخر الدين الرازي/دار الكتب العلمية-بيروت- 1421هـ – 2000 م الطبعة: الأولى (8/ 208).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق