مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثشذور

معنى كون الإسلام دين فطرة

 

معنى كون الإسلام دين الفطرة
قال العلامة محمد الطاهر بن عاشور(ت1393هـ) رحمه الله في كتابه «مقاصد الشريعة الإسلامية»، وهو يتحدث عن معنى قوله تعالى﴿فِطْرَةَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾.(الروم:29):
«ومعنى وصف الإسلام بأنه «فطرة الله»، أن الأصول التي جاء بها الإسلام هي من الفطرة، ثم تَتْبَعُها أصول وفروع هي من الفضائل الذائعة المقبولة، فجاء بها الإسلام وحرّض عليها، إذ هي من العادات الصالحة المتأصلة في البشر، والناشئة عن مقاصدَ من الخير سالمةٍ من الضرر، فهي راجعة إلى أصول الفطرة، وإن كانت لو تُركت الفطرة وشأنَها لما شهدت بها ولا بضدها، فلما حصلت اختارتها الفطرة، ولذلك استقرّت عند الفطرة واستحسنتها.
مثال ذلك الحياء والوقاحة، فإنهما إذا لم يخرجا إلى حد الاستعمال في الإضرار كانا سواء في شهادة الفطرة، وقد كان بعض الحكماء معروفا بالوقاحة والسلاطة مثل الحكيم ديوجينوس اليوناني، ولكنا نجد الحياء محبوبا للناس، فصار من العادات الصالحة، وصلح لأن تنشأ عنه منافع جمة في صلاح الذات وإصلاح العموم؛ فلذلك كان من شعار الإسلام.
ففي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ برجل من الأنصار يعظ أخاه في الحياء ـ أي ينهاه عما تلبس به من الحياء ـ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«دَعهُ فإنّ الحياء من الإيمان»، فلم تسلم حكمة أصحاب الشدّة والغلظة من نفور الناس عنها وعنهم، وقد قال تعالى:(وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ). (آل عمران:159).
ويستبين لك من هذا أن الوجدان الإنسانيَّ العقليَّ لا يدخل تحت الفطرة منه إلا الحقائقُ والاعتبارات، ولا يدخل فيه الأوهام والتخيلات؛ لأنها ليست مما فُطر عليه العقل، ولكنها مما عرض للفطرة عروضا كثيرا  حتى لا زمت أصحاب الفطرة في غالب الأحوال فاشتبهت بالفطريات…ولذلك تجد العقلاء متفقين في الحقائق والاعتبارات، ولا تجدهم متفقين في الوهميات والتخيلات …ويتفرع لنا من هذا أن الشريعة الإسلامية داعية أهلها إلى تقويم الفطرة والحفاظ على أعمالها، وإحياء ما اندرس منها أو اختلط بها، فالزواج والإرضاع من الفطرة وشواهده ظاهرة في الخلقة، والتعاون وآداب المعاشرة من الفطرة لأنهما اقتضاهما التعاون على البقاء، وحفظ الأنفس والأنساب من الفطرة، والحضارة الحقُّ من الفطرة؛ لأنها من آثار حركة العقل الذي هو من الفطرة، وأنواع المعارف الصالحة من الفطرة؛ لأنها نشأت عن تلاقح العقول وتفاوضها، والمخترعات من الفطرة؛ لأنها متولدة عن التفكير، وفي الفطرة حب ظهور ما تولَّد عن الخلقة».
المصدر: مقاصد الشريعة الإسلامية(ص193-194)، تحقيق محمد الطاهر الميساوي، نشر دار الفجر بماليزيا، ودار النفائس بعمان، الطبعة الأولى 1420هـ/1999م.
إنجاز: ذ.جمال القديم

معنى كون الإسلام دين الفطرة

   قال العلامة محمد الطاهر بن عاشور(ت1393هـ) رحمه الله في كتابه «مقاصد الشريعة الإسلامية»، وهو يتحدث عن معنى قوله تعالى﴿فِطْرَةَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾.(الروم:29):

   «ومعنى وصف الإسلام بأنه «فطرة الله»، أن الأصول التي جاء بها الإسلام هي من الفطرة، ثم تَتْبَعُها أصول وفروع هي من الفضائل الذائعة المقبولة، فجاء بها الإسلام وحرّض عليها، إذ هي من العادات الصالحة المتأصلة في البشر، والناشئة عن مقاصدَ من الخير سالمةٍ من الضرر، فهي راجعة إلى أصول الفطرة، وإن كانت لو تُركت الفطرة وشأنَها لما شهدت بها ولا بضدها، فلما حصلت اختارتها الفطرة، ولذلك استقرّت عند الفطرة واستحسنتها.
  مثال ذلك الحياء والوقاحة، فإنهما إذا لم يخرجا إلى حد الاستعمال في الإضرار كانا سواء في شهادة الفطرة، وقد كان بعض الحكماء معروفا بالوقاحة والسلاطة مثل الحكيم ديوجينوس اليوناني، ولكنا نجد الحياء محبوبا للناس، فصار من العادات الصالحة، وصلح لأن تنشأ عنه منافع جمة في صلاح الذات وإصلاح العموم؛ فلذلك كان من شعار الإسلام.
   ففي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ برجل من الأنصار يعظ أخاه في الحياء ـ أي ينهاه عما تلبس به من الحياء ـ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«دَعهُ فإنّ الحياء من الإيمان»، فلم تسلم حكمة أصحاب الشدّة والغلظة من نفور الناس عنها وعنهم، وقد قال تعالى:(وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ). (آل عمران:159).
   ويستبين لك من هذا أن الوجدان الإنسانيَّ العقليَّ لا يدخل تحت الفطرة منه إلا الحقائقُ والاعتبارات، ولا يدخل فيه الأوهام والتخيلات؛ لأنها ليست مما فُطر عليه العقل، ولكنها مما عرض للفطرة عروضا كثيرا  حتى لا زمت أصحاب الفطرة في غالب الأحوال فاشتبهت بالفطريات…ولذلك تجد العقلاء متفقين في الحقائق والاعتبارات، ولا تجدهم متفقين في الوهميات والتخيلات …ويتفرع لنا من هذا أن الشريعة الإسلامية داعية أهلها إلى تقويم الفطرة والحفاظ على أعمالها، وإحياء ما اندرس منها أو اختلط بها، فالزواج والإرضاع من الفطرة وشواهده ظاهرة في الخلقة، والتعاون وآداب المعاشرة من الفطرة لأنهما اقتضاهما التعاون على البقاء، وحفظ الأنفس والأنساب من الفطرة، والحضارة الحقُّ من الفطرة؛ لأنها من آثار حركة العقل الذي هو من الفطرة، وأنواع المعارف الصالحة من الفطرة؛ لأنها نشأت عن تلاقح العقول وتفاوضها، والمخترعات من الفطرة؛ لأنها متولدة عن التفكير، وفي الفطرة حب ظهور ما تولَّد عن الخلقة».

المصدر: مقاصد الشريعة الإسلامية(ص193-194)، تحقيق محمد الطاهر الميساوي، نشر دار الفجر بماليزيا، ودار النفائس بعمان، الطبعة الأولى 1420هـ/1999م.

إنجاز: ذ.جمال القديم

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق