مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

معارضة خبر الآحاد لعمل أهل المدينة وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء 12

الدكتور عبد الحق يدير 

أستاذ التعليم العالي كلية الآداب و العلوم الانسانية فاس سايس

 

 

  وقد أجاب المالكية عن حجج المخالفين بما لا مزيد عليه، واعتذروا عن الأحاديث التي رووها ثم عملوا بخلافها من وجهين:

  الأول: أما بشأن ما رواه الإمام مالك نفسه في الموطأ ثم لم يعمل به، فقد روى القاضي عياض عن ابن الماجشون أنه سئل: “لم رويتم الحديث ثم تركتموه؟ قال: ليعلم أناَّ على علم تركناه”[1].

ومثله قول مالك رضي الله عنه:” وقد كان رجال من أهل العلم من التابعين يحدثون بالأحاديث، وتبلغهم عن غيرهم فيقولون: ما نجهل هذا، ولكن مضى العمل على خلافه.”[2]

فللإمام مالك سند وسلف من التابعين فيما ذهب إليه، فما كان له أن يروي حديثا ثم يعمل بخلافه دون أن يكون له سند يعتمد عليه من نص أو ترجيح أو حجة واضحة.

ولهذا السبب وجدنا الحافظ ابن عبد البر رحمه الله في “جامع بيان العلم وفضله” يرد على الليث بن سعد فيما ذهب إليه من أنه أحصى على مالك بن أنس سبعين مسألة كلها مخالفة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم مما قال مالك فيها برأيه.

قال أبو عمر:” ليس لأحد من علماء الأمة يثبت حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرده دون ادعاء نسخ عليه بأثر مثله، أو بإجماع، أو بعمل يجب على أصله الانقياد إليه أو طعن في سنده، ولو فعل ذلك أحد سقطت عدالته فضلا عن أن يُتخذ إماما، ولزمه إثم الفسق”[3].

أما الوجه الثاني: فإن ما رواه غير الإمام مالك من علماء المالكية من الأحاديث في غير الموطأ مما خالفوه في العمل فقد أجاب عن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بقوله: “أما الحديث فأكثره نجد مالكا قد قال به في إحدى الروايتين، وإنما تركه طائفة من أصحابه كمسألة رفع اليدين عند الركوع والرفع منه، وأهل المدينة رووا عنه الرفع موافقا للحديث الصحيح الذي رواه لكن ابن القاسم ونحوه من المصريين هم الذين قالوا بالرواية الأولى، ومعلوم أن مدونة ابن القاسم أصلها مسائل أسد بن الفرات التي فرَّعها أهل العراق، ثم سأل عنها أسد بن القاسم، فأجابه بالنقل عن مالك، وتارة بالقياس على قوله، فلهذا يقع في كلام ابن القاسم طائفة من الميل إلى أقوال أهل العراق وإن لم يكن ذلك من أصول أهل المدينة .

ثم اتفق أنه لما انتشر مذهب مالك بالأندلس وكان يحيى بن يحيى عالم الأندلس والولاة يستشيرونه، فكانوا يأمرون القضاة أن لا يقضوا إلا بروايته عن مالك، ثم رواية غيره. فانتشرت رواية ابن القاسم عن مالك لأجل من عمل بها وقد تكون مرجوحة في المذهب وعمل أهل المدينة والسنة، حتى صاروا يتركون رواية الموطأ الذي هو متواتر عن مالك، ومازال يحدث به إلى أن مات برواية ابن القاسم، وإن كان طائفة من أئمة المالكية أنكروا ذلك، فمثل هذا وإن كان فيه عيب فإنما هو على نقل ذلك لا على مالك، ويمكن المتبع لمذهبه أن يتبع السنة في كل الأمور، إذ قل من سنة إلا وله قول يوافقها …”[4]

وحتى على فرض أن مالكا رحمه الله ترك الحديث ـ أحيانا ـ فإنه بشر يصيب ويخطئ: له أجران إن اجتهد وأصاب، وأجر واحد إن اجتهد وأخطأ. ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع آخر من كتابه “الفتاوي” فمثل هذا في قول مالك قليل جدا[5]، وما من عالم إلا وله ما يُرد عليه، وما أحسن ما قال ابن خويد بن منداد[6] في مسألة بيع كتب الرأي والإجازة عليها: لا فرق عندنا بين رأي صاحبنا مالك وغيره في هذا الحكم، لكنه أقل خطأ من غيره.[7]

 

أثر رواية الحديث في اختلاف الفقهاء، للدكتور عبد الحق يدير، سلسلة أطروحات وأعمال رقم 17، طبعة 2011م، المملكة المغربية، جامعة سيدي محمد بن عبد الله كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس-فاس. ص337 وما يليها.

 

 


[1]– أنظر المدارك: 1/45.

[2]– نفسه.

[3] – أنظر جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر:2/182.

[4] – انظر مجموع فتاوى ابن تيمية : 20/ 327

[5] – أي تركه العمل بما يرويه من أحاديث .

[6]  -المتوفى سنة 390هـ .

[7] – انظر مجموع الفتاوى . 20/ 327 .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق