مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

معارضة خبر الآحاد لعمل أهل المدينة وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء 9

 

الدكتور عبد الحق يدير

أستاذ التعليم العالي كلية الآداب و العلوم الانسانية فاس سايس

4- الغزالي وعمل أهل المدينة: يعد الإمام الغزالي من المنكرين لحجية عمل أهل المدينة، بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك فزعم أن مالكا رحمه الله يقول: “الحجة في إجماع أهل المدينة فقط”[1]، وأردف ذلك بقوله:” فإن أراد مالك أن المدينة هي الجامعة لهم فمسلم له ذلك لو جمعت، وعند ذلك لا يكون للمكان فيه تأثير، وليس ذلك بمسلم، بل لم تجمع المدينة جميع العلماء لا قبل الهجرة ولا بعدها، بل ما زالوا متفرقين في الأسفار والغزوات والأمصار، فلا وجه لكلام مالك إلا أن يقول: يدل اتفاقهم في قول أو عمل أنهم استندوا إلى سماع قاطع، فإن الوحي الناسخ نزل فيهم، فلا تشذّ عنهم مدارك الشريعة وهذا تحكم، إذ لا يستحيل أن يسمع غيرهم حديثا من رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر أو في المدينة لكن يخرج منها قبل نقله، فالحجة في الإجماع ولا إجماع … وربما احتجوا بثناء رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة وعلى أهلها، وذلك يدل على فضيلتهم وكثرة ثوابهم لسكناهم المدينة ولا يدل على تخصيص الإجماع بهم …”[2].

إلا أن الغزالي وإن كان لا يحتج بعمل أهل المدينة ولا يعتبره إجماعا، فهو عنده من القرائن القوية  التي يترجح بها الخبر على غيره. فقد ذكر في باب ما ترجح به الأخبار على أن الخبر إذا كان: “على وفق عمل أهل المدينة فهو أقوى، لأن ما رآه مالك رحمه الله حجة وإجماعا إن لم يصلح حجة فيصلح للترجيح، لأن المدينة دار الهجرة ومهبط الوحي الناسخ، فيبعد أن ينطوي عليهم”[3].

5- المحقق السيف الآمدي وعمل أهل المدينة: نقل الآمدي عن الأكثرين من أهل العلم أن (إجماع أهل المدينة وحدهم لا يكون حجة على من خالفهم في حالة انعقاد إجماعهم، خلافا لمالك فإنه قال: يكون حجة.

ومن أصحابه من قال: إنما أراد بذلك ترجيح روايتهم على رواية غيرهم.

ومنهم من قال: أراد به أن يكون إجماعهم أولى، ولا تمتنع مخالفته.

ومنهم من قال: أراد بذلك أصحاب رسول الله  صلى الله عليه وسلم.

والمختار مذهب الأكثرين. وذلك أن الأدلة الدالة على كون الإجماع حجة، متناولة لأهل المدينة والخارج عن أهلها، وبدونه لا يكونون كل الأمة ولا كل المؤمنين فلا يكون إجماعهم حجة على ما عرف في المسائل المتقدمة)[4].

 

أثر رواية الحديث في اختلاف الفقهاء، للدكتور عبد الحق يدير، سلسلة أطروحات وأعمال رقم 17، طبعة 2011م، المملكة المغربية، جامعة سيدي محمد بن عبد الله كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس-فاس. ص334 وما يليها.

 

 


[1] – أنظر المستصفى ص 147.

[2] – أنظر المصدر السابق ص 148.

[3]  – انظر المصدر السابق ص 377.

[4]  – انظر الإحكام للآمدي: 1/302- 303.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق