مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

معارضة خبر الآحاد لعمل أهل المدينة وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء 7

الدكتور عبد الحق يدير

أستاذ التعليم العالي كلية الآداب و العلوم الانسانية فاس سايس 

 

2 عمل أهل المدينة عند غير المالكية ومراتبه

إذا كان الإمام مالك رحمه الله يرى أن ما جرى عليه عمل أهل المدينة باستمرار أحق في نظره بالمراعاة والاعتبار، فقد خالفه في وجهة نظره هذه جماعة من أهل العلم من أبرزهم : الإمام الشافعي المطلبي، وابن حزم الظاهري والسرخسي، والغزالي ، والآمدي، وابن قيم الجوزية وغيرهم. وفيما يلي عرض لآرائهم ومواقفهم على الترتيب :

أ‌- الإمام الشافعي وعمل أهل المدينة: يرى الإمام الشافعي -رضي الله عنه- أن الإجماع لا يكون إجماعا إلا في الأمر المعلوم من الدين بالضرورة ، وأن الاتفاق الصحيح هو الذي لا يختلف فيه أهل العلم في المدينة وخارجها، ولا يكون كذلك إلا إذا  كان قائما على أصل شرعي تنقله الكافة عن الكافة  حتى ينتهي إلى الرسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمور المقطوع بها، كالصلاة والصيام والزكاة والحج، وسائر الفرائض المقطوع بفرضها، وجميع المحرمات المقطوع بتحريمها.

أما الذي اختل فيه هذا الوصف، ولا يستند إلى أصل شرعي، وإنما أساسه ومصدره الاجتهاد والرأي والاستدلال فلا يعتبره إجماعا، ويرده على من قال به من أهل مدينة كان أو من غيرهم [1].

وفي هذا يقول موجها خطابه للمالكية : “اعلموا أنه لا يجوز أن تقولوا أجمع الناس بالمدينة حتى لا يكون بالمدينة مخالف من أهل العلم ، ولكن قولوا فيما اختلفوا فيه اخترنا كذا ، ولا تدعوا إلى الإجماع فتدعوا ما يوجد على ألسنتكم خلافه، فما أعلمه يؤخذ على أحد نسب إلى علم أقبح من هذا… ولا تدعوا الإجماع أبدا إلا فيما لا يوجد بالمدينة فيه اختلاف، وهو لا يوجد بالمدينة إلا وجد بجميع البلدان عند أهل العلم متفقين فيه، لم يخالف أهل البلدان أهل المدينة إلا ما اختلف أهل المدينة بينهم”[2].

 ويقول في موضع آ خر من كتابه (الأم) ردا على من قال له :” إنما ذهبنا إلى أن نثبت ما اجتمع عليه أهل المدينة دون البلدان كلها”: “هذه طريق الذين أبطلوا الأحاديث كلها وقالوا : نأخذ بالإجماع إلا أنهم ادعوا إجماع وادعيتم أنتم إجماع بلد، وهم يختلفون على لسانكم، والذي يدخل عليهم يدخل عليكم، للصمت كان أولى بكم من هذا القول، قلت: ولم؟ قال : لأنه كلام ترسلونه، فإذا سئلتم لم تقفوا عنه على شيء ينبغي لأحد أن يقوله، أرأيتم إذا سئلتم: من الذين اجتمعوا بالمدينة ؟ أهم الذين ثبت لهم الحديث وثبت لهم ما اجتمعوا عليه. وإن لم يكن فيه حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فإن قلتم نعم، قلت: يدخل عليكم في هذا أمران: أحدهما:  أنه لو كان لهم إجماع لم تكونوا وصلتم إلى الخبر عنهم إلا من جهة خبر الإنفراد الذي رددتم مثله عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم، فإن ثبت خبر الإنفراد فما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحق أن يؤخذ به، والآخر : أنكم لا تحفظون في قول واحد غيركم شيئا متفقا، فكيف تسمون إجماعا لا تجدون فيه عن غيركم قولا واحدا؟ [3] .

يستخلص مما سبق أن الإمام الشافعي يرد عمل أهل المدينة لأمرين:

أحدهما: “أن الأمر المجتمع عليه ” عنده ليس هو إجماع بلد بل إجماع العلماء في كل البلاد الإسلامية. وقد نص على ذلك صراحة في الرسالة حيث قال: ” لست أقول ولا أحد من أهل العلم: ” هذا مجتمع عليه”: إلا لما تلقى عالما أبدا إلا قاله لك وحكاه عن من قبله، كالظهر أربع، وكتحريم الخمر، وما أشبه هذا …”[4]

      والثاني: أن المسألة التي ادعي فيها إجماع أهل المدينة كان منهم من يرى خلافها، ومن عامة البلدان من يخالفها أيضا … وفي ذلك قوله: “وقد أجده يقول “المجمع عليه” وأجد من المدينة من أهل العلم كثيرا يقولون بخلافه، وأجد عامة أهل البلدان على خلاف  ما يقول “المجتمع عليه” [5] .

وينبغي أن يعلم أن انتقاد الشافعي لهذا الأصل متوجه لأهل المدينة المستند إلى الاجتهاد والاستدلال، أما موقفه من العمل القديم بالمدينة قبل مقتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه فهو حجة عنده. فقد حكى عنه يونس بن عبد الأعلى بن ميسرة الصدفي أنه قال فيه: إذا وجدت متقدمي أهل المدينة على شيء فلا يدخل قلبك شك أنه الحق، وكلما جاءك شيء غير ذلك فلا تلتفت إليه، ولا تعبأ به، فقد وقعت في البحار ووقعت في اللجج [6].

وفي لفظ له: أرأيت أوائل أهل المدينة على شيء فلا تشكن أنه الحق، والله إني لك ناصح، والقرآن لك ناصح، وإذا رأيت قول سعيد بن المسيب في حكم أو سنة، فلا تعدل عنه إلى غيره” [7] .

وكذا ظاهر مذهب الإمام أحمد: أن ما سنه الخلفاء الراشدون فهو حجة يجب اتباعها[8].

أثر رواية الحديث في اختلاف الفقهاء، للدكتور عبد الحق يدير، سلسلة أطروحات وأعمال رقم 17، طبعة 2011م، المملكة المغربية، جامعة سيدي محمد بن عبد الله كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس-فاس. ص331 وما يليها.

 

 


[1] – انظر خبر الواحد في التشريع الإسلامي وحجيته ص: 503 .

[2] – انظر الأم للشافعي : 7/188

[3] – انظر المصدر السابق  : 7/ 276

[4] – انظر الرسالة : ص: 534-535

[5] – انظر المصدر السابق  : ص: 534-535

[6] – انظر البحر المحيط : 6/442

[7] – نفسه

[8] – انظر صحة أصول مذهب أهل المدينة لابن تيمية ص: 42

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق