مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

معارضة خبر الآحاد لعمل أهل المدينة وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء 3

الدكتور عبد الحق يدير

أستاذ التعليم العالي كلية الآداب و العلوم الانسانية فاس سايس.

 

1- أقسام عمل أهل المدينة وحالاته مع خبر الآحاد:

اختلف المالكية في المراد من كون عمل أهل المدينة وإجماعهم حجة شرعية:

فمنهم من قال: المراد ترجيح نقلهم على نقل غيرهم. قال الزركشي: “وقد أشار الشافعي إلى هذا في القديم، ورجح رواية أهل المدينة على غيرهم”[1]

ومنهم من قال: المراد أن يكون إجماعهم أولى، ولا تمتنع مخالفته.[2]

ومنهم من قال: المراد بذلك في زمن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين.[3]

وقال الباجي رحمه الله: “إنما أراد فيما طريقه النقل المستفيض، كالصاع والمد، والأذان، والإقامة، وعدم الزكاة في الخضروات مما تقضي العادة بأن يكون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لو تغير عما كان عليه لعُلم، فأما مسائل الاجتهاد فهم وغيرهم سواء”.[4]

وقال بعضهم: “الصحيح التعميم في هذا وفي غيره، لأن العادة تقضي بأن مثل هؤلاء لا يجتمعون إلا عن دليل راجح”.[5]

وبناء على ما سبق ذكره، يمكن القول بأن إجماع أهل المدينة ينقسم إلى قسمين:

1- قسم طريقه النقل والحكاية.

2- وقسم طريقه الاجتهاد والاستدلال.

القسم الأول: العمل الذي مصدره النقل والحكاية: وهو الذي تأثره الكافة عن الكافة، وعملت به عملا لا يخفى، ونقله الجمهور عن الجمهور عن زمن النبي صلى الله عليه وسلم.[6]

وينقسم هذا العمل بدوره إلى ثلاثة أضرب:

أحدها: نقل شرع مبتدأ من جهة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أربعة أنواع:

النوع الأول: نقل قوله: وهو كما قال ابن قيم الجوزية رحمه الله: “الأحاديث المدنية التي هي أم الأحاديث النبوية، وهي أشرف أحاديث أهل الأمصار، ومن تأمل أبواب البخاري وجده أول ما يبدأ في الباب بها ما وجدها، ثم يتبعها بأحاديث أهل الأمصار”.[7]

النوع الثاني: نقل فعله، كنقلهم أنه توضأ من بئر بضاعة، وأنه كان يخرج كل عيد إلى المصلى فيصلي به العيد هو والناس، وأنه كان يخطبهم قائما على المنبر وظهره إلى القبلة ووجهه إليهم، وأنه كان يزور قباء كل سبت ماشيا وراكبا، وأنه كان يزورهم في دورهم ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم ونحو ذلك.[8]

النوع الثالث: نقل تقريره لهم على أمر شاهدهم عليه أو أخبرهم به.

النوع الرابع: نقلهم لترك شيء قام سبب وجوده ولم يفعله، كترك الزكاة من الخضروات مع علمه صلى الله عليه وسلم بكونها موجودة عندهم بكثرة[9].

والملاحظ أن هذه الأنواع الأربعة التي ترجع إلى نقل الشرع المبتدأ هي عبارة عن رواية أهل المدينة للحديث النبوي الشريف: قولا وفعلا وتقريرا وتركا لشيء قام سبب وجوده ولم يفعله صلى الله عليه وسلم.

وفي هذا الضرب بأنواعه الأربعة قال بعض أهل الحديث: إن رواية أهل المدينة مقدمة على رواية غيرهم إذا عارضتها ولم يمكن الجمع والتوفيق.

وذهب كثير من العلماء والمحدثين إلى أنه ليس لرواية المدني من حيث إنه مدني ميزة على رواية غيره من رواة الحديث، لأن التفضيل ليس مداره على الجدران والمساكن والبقاع وإنما هو على العدالة والحفظ والضبط والإتقان[10].

 

أثر رواية الحديث في اختلاف الفقهاء، للدكتور عبد الحق يدير، سلسلة أطروحات وأعمال رقم 17، طبعة 2011م، المملكة المغربية، جامعة سيدي محمد بن عبد الله كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس-فاس. ص325 وما يليها.

 

 


[1] – البحر المحيط 6/441.

[2] – انظر الإحكام للآمدي 1/303.

[3] – انظر البحر المحيط 6/441.

[4] – انظر المصدر السابق 6/441.

[5] – انظر أصول الفقه للدكتور وهبة الزحيلي 1/506.

[6] – انظر ترتيب المدارك 1/47.

[7] – انظر إعلام الموقعين 2/278-279.

[8] – انظر المصدر السابق 2/278-279.

[9] ـ أنظر ترتيب المدارك: 1/48، وإعلام الموقعين: 2/278.

[10]  ـ نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق