مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

معارضة خبر الآحاد لعمل أهل المدينة وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء 2

الدكتور عبد الحق يدير

أستاذ التعليم العالي كلية الآداب و العلوم الانسانية فاس سايس.

 

وورد أيضا في فضل علم أهل المدينة وتقديمه على علم غيرهم واقتداء السلف بهم أقوال كثيرة منها:

أن زيد بن ثابت رضي الله عنه كان يقول: “إذا رأيت أهل المدينة على شيء فاعلم أنه السنة”[1]

وكان عبد الله بن مسعود يُسأل بالعراق عن شيء فيقول فيه، ثم يقدم المدينة فيسأل فيجد الأمر على غير ما قال. فإذا رجع لم يحط رحله، ولم يدخل بيته، حتى يرجع إلى ذلك الرجل فيخبره بذلك.[2]

وقال مالك بن أنس رحمه الله: “المدينة محفوفة بالشهداء، وعلى أنقابها ملائكة يحرسونها، لا يدخلها الدجال ولا الطاعون، وهي دار الهجرة والسنة، وبها خيار الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، واختارها الله له بعد وفاته، فجعل بها قبره، وبها روضة من رياض الجنة، ومنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس ذلك لشيء من البلاد غيرها”[3]

وفي رواية: “منها تبعث أشراف هذه الأمة يوم القيامة”[4]

قال القاضي عياض رحمه الله: “وهذا كلام لا يقوله مالك عن نفسه، إذ لا يدرك بالقياس”[5]

ومما احتج به من نصر مذهب مالك في هذا الأصل من المعقول، ما يلي:

1-       أن المدينة دار هجرة النبي عليه السلام وموضع قبره، ومهبط الوحي، ومستقر الإسلام، ومجمع الصحابة؛ فلا يجوز أن يخرج الحق عن قول أهلها.

2-       أن أهل المدينة شاهدوا التنزيل، وسمعوا التأويل، وكانوا أعرف بأحوال الرسول صلى الله عليه وسلم من غيرهم، فوجب أن لا يخرج الحق عنهم.

3-       أن رواية أهل المدينة مقدمة على رواية غيرهم، فكان إجماعهم حجة على غيرهم.[6]

تلكم بصفة عامة، بعض الأدلة النقلية والعقلية التي احتج بها إمام دار الهجرة مالك رحمه الله وأصحابه من بعده على اعتبار عمل أهل المدينة، أو إجماع أهل المدينة كما عبر به القرافي في التنقيح[7]؛ حجة وأصلا من الأصول الشرعية، وهذا ليس معناه أن مالكا وصحبه يحتجون بالعمل إذا كان مخالفا للمروي الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما فهمه بعض الخصوم، حاشا وكلا، فالصحيح والثابت عنه خلاف ذلك؛ وهو قوله: إذا صح الحديث فهو مذهبي؛ ولكنه كان يرى أن عمل أهل المدينة في عهده إذا جرى في مسألة مختلف فيها، أو تضاربت فيها الأدلة وتعارضت يرفع الخلاف عنده، ويوجب لديه اختيار القول به على غيره من المذاهب.[8]

هذا وتجدر الإشارة في هذا المقام، أن عمل أهل المدينة من حيث حجيته ليس محل وفاق بين جميع أئمة الإسلام، بل هو أقسام ومراتب: فمنه ما هو حجة باتفاق العلماء، ومنه ما هو حجة باتفاق أكثرهم، ومنه ما هو حجة عند بعضهم، ومنه ما ليس بحجة عند جمهورهم، كما حرره وحققه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالته القيمة “صحة أصول مذهب أهل المدينة”.[9]

أثر رواية الحديث في اختلاف الفقهاء، للدكتور عبد الحق يدير، سلسلة أطروحات وأعمال رقم 17، طبعة 2011م، المملكة المغربية، جامعة سيدي محمد بن عبد الله كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس-فاس. ص323 وما يليها.

 

 


[1] – نفسه.

[2] – انظر المصدر السابق 1/37-38-39.

[3] – انظر المصدر السابق 1/34-35.

[4] – نفسه

[5] – نفسه

[6] – انظر الإحكام للآمدي 1/303.

[7] – انظر الاجتهاد في الشريعة الإسلامية: نشأته وتطوره والتعريف به ص248، للوافي المهدي.

[8] – انظر نظرية الأخذ بما جرى به العمل في المغرب في إطار المذهب المالكي، ص97، لعبد السلام العسري.

[9] – انظر ص37 فما بعدها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق