مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثشذور

مراتب الناس في الزهد

 

   نقل الشيخ ابن الحاج العبدري(ت737هـ) في كتابه المدخل، عن الشيخ الإمام يمن بن مرزوق رحمهما الله تعالى قوله: اعلم أن الناس في الزهد على طبقات، فمنهم آخذ وهو تارك، ومنهم تارك وهوآخذ، وإنما يحمد ويصح هذا الأمر لمن ترك الدنيا وزهد فيها بعد قدرته عليها، ومن الناس من يكون مصليا نائما وآخر نائما مصليا، ومفطرا صائما وصائما مفطرا، وكاسيا عاريا وعاريا كاسيا، وإنما ذلك كله على تصرف إرادة القلب وتصحيح النية وفساد إرادة القلب وفساد النية والسلامة من الكسب الخبيث والقول الخبيث، وفي هذا كلام كثير، إلا أن من صدق أبصر وتحقق ذلك.

   وينبغي للعالم بالله وبما أمره الله تعالى به ونهاه عنه، أن يكون قد ملأت قلبه عظمة الله تعالى، فاشتغل بالقيام بحقوق الله تعالى عن كل فضول الدنيا من الأكل والشرب واللباس والبنيان والمركب والأزواج والأولاد والخدم، وإن كان فيهم من له الزوجة والولد وأشياء مما ذكر، لم يأخذ ذلك على الرغبة ولم يشغله عن فهم وعد القرآن ووعيده.

   واعلم أن القوم لما وصلوا إلى ما وصل إليه لم يغتروا بدار الغرور، ولم تكن لهم رغبة إلا خوف فوات ما شوق إليه وعد القرآن ووعيده من الخلود في دار النعيم، أو دار الهوان، ﴿إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين﴾[الأنبياء:105]، إنما دعا إلى دار الإسلام من خلقها وزينها وجلاها.

   فخض أيها المريد الغمرات شوقا إلى نعيمها، وأجب الداعي الصادق الوفي إلى ما وعد ودعاك إليه، فإنه قد حذرك نفسك وهواك وأنذرك حلول دار سخطه، والتخلص من ذلك كله والوصول إلى نعيم دار الخلود؛ رفض المحبوب من اتباع الهوى فارفضه، واجعل الموت ضجيعك والزهد قرينك والجد سلاحك والصدق مركبك والإخلاص زادك والخوف من الله على مقدمتك والشوق إلى الجنة صاحب لوائك والمعرفة على ميمنتك واليقين على ميسرتك والثقة على ساقتك، والصبر أمير جندك والرضا وزيرك والعلم مشيرك والتوكل درعك والشكر خليلك، ثم انفر إلى عدوك وصافقه بجميع ما ذكرته لك، وطب نفسا عن دار الهموم والأحزان إلى دار البقاء والسرور مع الخيرات الحسان والله المستعان والحمد لله رب العالمين.  

   المدخل لأبي عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي الشهير بابن الحاج (3/31-32)، دار التراث، دون طبعة أو تاريخ.

إنتقاء: ذ.عبد الكريم بومركود.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق