مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثشذور

متى تكون العدالة؟

قال القاضي منذر بن سعيد البلوطي القرطبي (ت355هـ):
اعلم أن العدالة من أشد الأشياء تفاوتاً وتبايناً، ومتى حَصَّلت ذلك عرفت حالة الشهود، لأن بين عدالة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وعدالة التابعين رضي الله عنهم فوتاً عظيماً، وتباينا شديداً، وبين عدالة أهل زماننا وعدالة أولئك مثلُ ما بين السماء والأرض، وعدالة أهل زماننا على ما هي عليه بعيدة التباين أيضاً.

والأصل في هذا عندي ـ والله الموفق ـ أن من كان الخير أغلبَ عليه من الشر، وكان متنزِّهاً عن الكبائر، فواجب أن تُعمَل شهادته، فإن الله تعالى قد أخبرنا بنص الكتاب أن من ثَقُلت موازينه فهو في عيشة راضية، وقال في موضع آخر: «فأولائك هم المفلحون»؛ فمن ثقلت موازين حسناته بشيء لم يدخل النار، ومن استوت حسناته وسيئاته لم يدخل الجنة في زمرة الداخلين أولاً، وهم أصحاب الأعراف، فذلك عقوبة لهم، إذ تخلفوا عن أن تزيد حسناتهم على سيئاتهم؛ فهذا حكم الله في عباده.

ونحن إنما كُلِّفنا الحكم بالظاهر؛ فمن ظهر لنا أن خيره أغلب عليه من شره حكمنا له بحكم الله في عباده، ولم نطلب له علم الباطن، ولا كُلِّفه محمد صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت عنه أنه قال: «إنَّما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليَّ، فلعلَّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأحكم له على نحوٍ مما أسمع».

فأحكام الدنيا على ما ظهر، وأحكام الآخرة على ما بطن؛ لأن الله تعالى يعلم الظاهر والباطن، ونحن لا نعلم إلاَّ الظاهر؛ ولأهل كل بلد قوم قد تراضى عليهم عامتهم، فبهم تنعقد مناكحهم وبيوعهم، وقد قدموهم في مساجدهم ولجُمَعهم وأعيادهم، فالواجب على من اسْتُقْضِيَ على موضع أن يُعْمِل شهادة أمثالهم وفقهائهم، وأصحاب صلواتهم، وإلاَّ ضاعت حقوق ضعيفهم وقويهم، وبطلت أحكامه، ويجب عليه أن يسأل إن استراب في بعضهم في الظاهر والباطن عنهم، فمن لم يثبت عنده عليه اشتهار في كبيرة، فهو على عدالة ظاهرة، حتى يثبت غير ذلك.انتهى

أزهار الرياض في أخبار عياض(2/296-297)، لشهاب الدين أحمد بن محمد المقري التلمساني (ت1041هـ)، دار النشر: صندوق إحياء التراث الإسلامي المشترك بين المملكة المغربية والإمارات العربية المتحدة

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق