مركز الدراسات القرآنيةقراءة في كتاب

«كيف نتعامل مع القرآن العظيم»

 

       إنجاز: ذ. طه الراضي   
   باحث بمركز الدراسات القرآنية

يعد كتاب «كيف نتعامل مع القرآن الكريم» لمؤلفه الشيخ الفقيه الحنفي علامة عصره وإمام زمانه الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله تعالى من ألمع كتب التبصرة والتبيين في التعامل مع كتاب الختم كتاب ربّ البرية خالق الخلق ومدبر الأمر سبحانه جل وعز.

فالكتاب في حجمه الكبير يحوي بين تلابيبه رؤية تأصيلية علمية لخصائص هذا الكتاب المعجز معنى ومبنى؛ لفظا ومرمى؛ رؤية تستشف مقاصدية هذا الكتاب، فاحصة متفحصة غائرة غواصة في عوالم كنوزه، متبحرة في أسرار مكنونه..، رؤية تقريرية إقرارية لتعاليمه السامية..، رؤية هدائية استرشادية للتعاطي معه ـ القرآن الكريم ـ بمستوايات عدة بدءا، تلاوة وترتيلا، وتعلما وتعليما، وتدبرا وتفسيرا، وبلاغا ودعوة، رؤية منضبطة، متمثلةً منهجا قويما وسبيلا رشيدا، محكمة التأمم الأمثل، متجافية المزلق المهلك، آخذة بالحذر اللازم الموصل لشط مراد المتكلم به العليم الشارع الحكيم، فهما عنه واسترضاء له، ورضا به ربا جليلا خالقا مدبرا.

تلكم رؤى عامة لفضيلة الشيخ في كتابه هذا، مبلغها النجاة ولا غيره مبتغى ومنال، وكيف لا والرجل فقيه لوذعي عالم بحق، راسخ في علوم أصول دينه، متمرس خبير بملابسات عصره وأحوال زمانه، نوازلي بامتياز لا يشق له غبار.

إذن فالكتاب مجزأ إلى أربعة أبواب لكل باب فصول تعالج ما ضمنه ذلك الباب من مباحث علمية، مستهلا بمقدمتين موضحا التجلية العامة من تصنيفه هذا وغرض سبكه قائلا: «من حق هذا القرآن أن نحسن التعامل معه حفظا واستظهارا وتلاوة واستماعا، وتدبرا وتأملا.

وأن نحسن التعامل معه فهما وتفسيرا، فليس هناك أفضل من أن نفهم عن الله مراده منا. وما أنزل كتابه إلا لنتدبره، ونفقه أسراره، ونستخرج لآلئه، كل بقدر ما يتسع واديه.

ومما يؤسف له أن هذا المجال قد وقع فيه خلل خطير، في الفهم والتفسير. ولهذا كان لا بد من وضع معالم مضيئة على الطريق، وضوابط عاصمة من كل قاصمة، ومن التحذير من المزالق التي توقع في الهاوية وما أدراك ماهية؟.» إلى أن قال: «ولا سبيل إلى إنقاذ الأمة من ضياعها وتخلفها وتمزقها إلا بالرجوع إلى هذا القرآن، تتخذ منه الدليل الذي يهدي، والإمام الذي يتبع، وكفى بالقرآن دليلا: (ومن أصدق من الله قيلا).

جاء في الباب الأول حديثه عن خصائص القرآن ومقاصده من حيث كونه كتابا إلهيا محفوظا معجزا مبينا ميسرا، كتاب الدين كله والزمن كله كتاب الإنسانية جمعاء، كتاب كوني، وهذا ما تضمنه فصله الأول. والفصل الثاني ضمنه الحديث عن مقاصد القرآن تصحيحا للعقائد بإرساء دعائم التوحيد وأركانه، وتقرير كرامة الإنسان وحقوقه، وتزكية النفس البشرية وبناء الأمة الشهيدة على الأمم، وتقرير قيم الإسلام السمحة من قبيل الربانية والوسطية والدعوة والوحدة وتحرير الإنسان من عبودية الإنسان وإقامة العدل والمساواة والسلام والتسامح.

في الباب الثاني حفه بلب موضوع التصنيف؛ أي كيف نتعامل مع القرآن العظيم حفظا وتلاوة واستماعا، شمل فصليه جملة من الآداب الفاضلة المشترط في المسلم التخلق بها في تعامله مع كتاب بارئه وكيف تعاطيه معه وأخذه به.

الباب الثالث ضمّنه أهم جوانب كيفية تعاملنا مع كتاب ربنا، وهو الجانب الذي اعتراه وجها من الزيغ وشابه لونا من الانحراف والمنزلق، عنونه بالعنوان الآتي: “كيف نتعامل مع القرآن العظيم فهما وتفسيرا”. ولأهمية هذا الموضوع فقد حجز حيزا كبيرا ضمن أوراق الكتاب، أتى به في أربعة فصول حملت في طياتها كل ما له علاقة بمبحث الموضوع، فشملت التفسير تعريفا ومعنى، والحاجة إليه، وأوجهه الأربعة، ومنزلة علمه وفضله وأهميته، وأنواعه وفروقه. كما أثْرَت الحديث بالمنهج الأمثل في التفسير معالما وضوابطا، اعتبارا لمراعاة السياق وملاحظة أسباب النزول، مع التحذير من مزالق الشبه المنهجية المخلة، والحيْد عن المضامين العلمية المجمعة عليها، والأسس المُحْكَمَة المرتكز المعتمدة عليها، وهو ما أغنى به فصله هذا بالتطرق بالحديث عن اتباع الشبه وترك المحكمات وسوء التأويل الغير المنضبط، وتحريف الكلم عن مقصوده ومعهوده، ودعوى النسخ بلا برهان، والشرود عن إجماع الأمة، وضعف التكوين العلمي في علوم اللغة والشريعة، والتقليد بلا بصيرة… كلها مباحث عليمة رصينة لزم العزم على الإتيان بها وأخذ الحذر من مزالقها ومحضورها. ليعم الباب كذلك فصلا رابعا وأخيرا ضمن فصوله، خصه بالتفسير العلمي للقرآن بين المعارضين والمؤيدين من المعاصرين، وبين الغزالي والشاطبي، والموقف الذي اختاره هو، مع شروط محسومة من قِبله، وبين التفسير العلمي والإعجاز العلمي.

الباب الرابع والأخير ومنتهى الكتاب القيم المفيد أطنبه بالملامح العملية التطبيقية؛ والقسمات الإجرائية الفعلية، وهو تتويج في محله وتلخيص في مناسبه؛ مواتي لمنطقية التصنيف ومنسجم لخاتمية التأليف وتهديف الغرض من التسطير، جاء فيه قضايا عملية توجيهية قرآنية في تعامل الأمة وتعاطيها مع كنوز كتاب ربها وأسراره ودرره في سبيل تثويره، تحت مسمى “كيف نتعامل مع القرآن العظيم اتباعا وعملا ودعوة”  أخذا بالقرآن منهج حياة، ودستور حكم، ومنهج دعوة، وصلب إيمان، وحسن استدلال، وأقوم اهتداء…. وخطاب عالم، وتفنيد شبهة، ودحض زيغ، ودمغ باطل.

 هذا ما شمله هذا الكتاب بمباحثه نأمل أن نكون قد وفينا بالمراد من هذا العرض الموجز والتعريف المقتضب سائلين الله العلي القدير المثوبة لصاحبه وأن يجزيه عنا خير الجزاء وأن ينفع به كل من تصفحه وقلب أوراقه.

الكتــاب:      كيف نتعامل مع القرآن العظيم؟

المؤلف:     الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي

دار النشر:  دار الشروق – القاهرة، الطبعة السابعة 2009م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق