مركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصةأخبار

قراءة تعريفية لكتاب: عوارف معرفية من التصوف وأدبه في المغرب

إعداد الطالب: خالد التوزاني  

 

سياق القراءة

    نظم محترف الكتابة الذي يرأسه الكاتب و الباحث الأكاديمي المغربي الأستاذ الدكتور جمال بوطيب بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز بفاس، – ندوة تكريمية للأستاذ الباحث الدكتور عبد الوهاب الفيلالي، من خلال التعريف بكتابه  “عوارف معرفية من التصوف وأدبه في المغرب” الذي صدر حديثا عن دار الرشاد بالمغرب. وذلك يوم الاثنين 26 أبريل 2010 بقاعة شعبة اللغة العربية بالكلية ابتداء من الساعة الثالثة بعد الزوال.

    وقد حضر الندوة عدد من أساتذة الكلية؛ كان من بينهم الأستاذ الدكتور أحمد زكي كنون والدكتور محمد العمراني والدكتور عبد الوهاب الجاي…

    كما عرفت الندوة حضورا فاعلا ومكثفا من لدن طلبة الدراسات العليا وعموم المهتمين بالأدب المغربي في الشق الصوفي منه. وقد ترأس الجلسة مدير ومؤسس محترف الكتابة الأستاذ الدكتور جمال بوطيب، كما تناول الكلمة الأستاذ الدكتور محمد أوراغ مدير مختبر التواصل الثقافي وجمالية النص الذي عبر عن أهمية سياق هذا التكريم ودوره في نقل خبرة الكتابة وإشاعة روح الإبداع والتجديد، ثم تناول الكلمة الأستاذ المحتفى به الدكتور عبد الوهاب الفيلالي الذي تحدث عن مسار تجربة الكتابة وعشق الإبداع الصوفي وقضايا ذوقية في الكتابة والإبداع، ثم تشرف الطالب الباحث خالد التوزاني  بتقديم قراءة تعريفية لكتاب “عوارف معرفية من التصوف وأدبه في المغرب” لمؤلفه الدكتور عبد الوهاب الفيلالي. بعد ذلك فُتح باب المناقشة حيث تدخل الأساتذة الحاضرون ثم الطلبة، وقد أجاب الأستاذ الدكتور عبد الوهاب الفيلالي عن تساؤلات الحضور.

    وتجدر الإشارة إلى أن طلبة ماستر الإبداع الصوفي في الأدب المغربي قد قدموا هدية تكريمية لأستاذهم المحتفى به الدكتور عبد الوهاب الفيلالي، تعبيرا عن صدق محبتهم وإعجابهم بفكر وأدب الأستاذ المحتفى به وتقديرا لجهوده في سبيل تكوين علمي متميز لطلابه.

نظرة عامة حول الكتاب

    صدر عن دار الرشاد الحديثة بالدار البيضاء – المغرب كتاب جديد للأستاذ الباحث الدكتور عبد الوهاب الفيلالي، يحمل عنوان: عوارف معرفية من التصوف وأدبه في المغرب. ويقع في مائة واثنتي عشرة صفحة (112) من الحجم المتوسط، في طبعة أنيقة.

    يضم الكتاب دراسات حول الأدب الصوفي بالمغرب، سبق للمؤلف أن شارك بها في ندوات فكرية، ونشر معظمها بين سنتي 1995 و2008م، في مجلات علمية محكمة ك(دعوة الحق) و(المناهل) و(الإحياء).

    يعتبر (عوارف معرفية من التصوف وأدبه في المغرب) بحسب مؤلفه “محاولة من محاولات الاقتراب الممكن من حقيقة التصوف وأدبه في المغرب، اعتمادا على نماذج من هذا الأدب. وفيما يلي نذكر تلك النماذج مرتبة حسب ورودها في الكتاب، وهي:

1- اللغة عند الصوفية، ممثلة في الكشف عن ظاهرة اللذة الكامنة في هذه اللغة.

2- صوفية العمل الأدبي، ممثلا لها بجوانب من تجربة التوجيه التربوي في شعر التصوف المغربي.

3- العَلَم الأديب، ممثلا له في علمين اثنين، هما:

– البعد الخلقي في شعر الحسن اليوسي؛ نماذج وتجليات.

– عبد الرحمان بن محمد بن عبد الهادي السجلماسي شاعر المحبة المحمدية.

4- المؤلَّف المرتبط بالتصوف وأهله، ممثلا له بكتاب “سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أُقبر من العلماء والصلحاء بفاس”؛ بعض تجليات هويته الصوفية.

    من ثمة، تكون عدد الدراسات المتضمنة في الكتاب خمس دراسات أكاديمية، تجمعها وحدة موضوعية هي تقريب القارئ من التصوف وأدبه في المغرب. وتنوع منهجي فرضه غنى الموضوع وتشعبه.

دلالة الغلاف والعنوان:

    يعتبر الغلاف والعنوان من أهم مفاتيح الولوج إلى الكتاب (النص)، فالغلاف باعتباره عتبة تشكيلية يفسح المجال أمام القارئ لامتداد الخيال نحو آفاق لا متناهية من التأويلات للمعرفة التي يحتملها الكتاب. أما العنوان فهو عتبة نصية وخطاب رمزي يدخر مخزونا وافرا من “التأويلات التي تحمل كما من الأفكار والمعاني ذات الصلة الوثيقة بالحمولة الدلالية للنص وجمالياته”[1] أيضا.                                        

    كتب عنوان الكتاب بخط عريض بارز، وبلون أحمر واضح، أمام خلفية أنيقة تمثل صورة مركبة لمدخل منزل مغربي تقليدي مزين بالفسيفساء الملونة والجبص المنحوت بأشكال فنية بديعة ومتون بالخط العربي الجميل، هذا المدخل يؤدي إلى فناء فسيح تتوسطه نافورة ماء حولها نباتات للزينة وأشجار مثمرة مورقة، وراءها تظهر أجزاء من المنزل ذي اللون الأبيض الناصع، بابه غير موصد حيث تظهر منه فرجة يسيرة.

    لاشك أن غلاف الكتاب بهذا الجمال البديع مقصود في ذاته لدلالته على موضوع الكتاب، فليس المنزل بمحيطه سوى المغرب بتراثه الجميل، وأنه متى نظرت إلى هذا التراث وجدت التناسق والتكامل المفضي إلى الجمال والجلال؛ جمال في التركيب، وجلال في فكر من ركب الصورة (التراث). وما البياض الناصع في عمق الغلاف (على جدران المنزل) إلا الحضارة الفكرية والعمرانية للمغرب.. يؤكد هذه المعاني عنوان الكتاب البارز: عوارف معرفية من التصوف وأدبه في المغرب، حيث يصرح العنوان بأن موطن الكلام سينصب على المغرب وأن الموضوع ليس التصوف والأدب فحسب، وإنما عوارف معرفية من هذا التصوف وذلك الأدب، في إشارة لطيفة لأثر الفكر على الواقع، وكيف كان البيت جميلا عندما أحسن أهله تنظيم أركانه وجنباته بمواد أولية بسيطة مستمدة من الطبيعة (نباتات الزينة، الأشجار المورقة، الماء العذب، الطين، الجبص، الهواء..) لكن يد الفنان المتذوق أبدعت منها جمالا خلابا. هذه المعاني الأولية توحي بجمال موضوع الكتاب، وتشوق القارئ لتلمس ما في صفحاته من معرفة تكون أشبه بلوحة الغلاف من حيث جمال اللغة وجلال الفكر وشرف الموضوع في الأصل، لارتباطه بالوطن والدين ثم الأدب الذي جمع بينهما.

مقالات الكتاب

1-  لذة اللغة عند الصوفية: أصول وتجليات وبواعث: 

    قصد المؤلف بلذة اللغة عند الصوفية[2] الوقوف على أصول لذة التجربة الصوفية وبواعثها وتجلياتها على صفحة اللغة. وقد حاول الباحث تتبع ظاهرة اللذة في اللغة من خلال مظاهرها أو تجلياتها في النص، وبواعثها عند المتلقي، ولتحقيق هذه الغاية اعتمد مقاربة تحليلية تقوم على رصد مكونات النص الصوفي الداخلية (العناصر اللغوية والفنية والجمالية) والخارجية (الأصول والروافد). تلك المكونات ما هي إلا مظاهر للذة في اللغة عند الصوفية.

خلصت الدراسة إلى مجموعة من الاستنتاجات منها ما يلي:

    – اللغة عند الصوفية لذيذة وإبداعية في أصولها الذوقية الوجدانية المعتمدة على ملكة الخيال والمتفاعلة مع الروح.. كما أنها لذيذة في مكوناتها الداخلية من معجم ومصطلح، وتركيب، وإيقاع، وأساليب، إذ كلها تحمل دلالة رمزية وتشير إلى أحـوال ومقامات التجربة الصوفية السلوكية، كما تتميز بمسارها المقامي التصاعدي في التركيب والمصطلح موازاة لطبيعة  هذه التجربة.

    – اللذة الأخلاقية ملمح من ملامح ظاهرة اللذة في اللغة عند الصوفية، تتجلى في بلاغة الفكرة وقدسيتها وبعدها الجمالي الأخلاقي.

    – تأكيد ارتباط لذة اللغة عند الصوفية بالتلقي والمتلقي، فضلا عن الإرسال والمرسل، ذلك أن إسهام القارئ في بناء المعنى فعل قائم في الإنتاج الصوفي، خاصة حين تتجاوز مرحلة الفهم إلى مرحلة التفسير، أي لذة التذوق والاستهلاك إلى لذة المشاركة في الإبداع وإنتاج معنى اللغة عند الصوفية ببنائها المثير والمتميز. معنى ذلك أن التجاوب بين النص ومتلقيه خطوة لا محيد عنها لإنتاج المعنى ولذة اللغة عند الصوفية.

2-  جوانب من تجربة التوجيه التربوي في شعر التصوف المغربي:

    افتتح المؤلف هذه الدراسة[3] بتعريف التصوف باعتباره تجربة خلقية ذوقية وروحية وعملية تستهدف بناء الشخصية الخلقية. فتجربة التوجيه التربوي من صميم العمل الصوفي وبناء الشخصية الصوفية.

    نظرا لأهمية شعر التوجيه التربوي الصوفي حيث طرق جل أو كل المقامات والأحوال الصوفية وتضمن الكثير من أخلاقها وآدابها، فقد حاول المؤلف ملاحقة بعض جوانبه التوجيهية كما تضمنها شعر التصوف في المغرب ممثلا له بنماذج من القرن التاسع عشر الميلادي، ومقاربة لغته وأساليبها المعتمدة لتقريب أو تجاوز المسافة الفاصلة بين لسان الدعوة (الباث أو المرسل) وروح المتلقي المقصود (المرسل إليه المريد)، وذلك في مسار تصاعدي يمتح كيانه من المسار المقامي للتجربة الصوفية، بدءا بالدعوة إلى التصوف ممارسة وسلوكا عمليا له أخلاقه وآدابه، ومرورا بالدعوة إلى التعلق بالشيخ الصوفي وتحديد شروطه وآداب المريد تجاهه، وانتهاء إلى الدعوة إلى محبة الله والرسول. وذلك من أجل نشر التجربة الصوفية وإرشاد المريدين المبتدئين والمتصوفة إلى المسار الصحيح المؤدي إلى الصفاء والكمال.

 خلص المؤلف إلى أهم خصائص تجربة التوجيه التربوي في شعر التصوف المغربي، نذكر منها ما يلي:

    – تجمع تجربة التوجيه الخلقي في الأدب الصوفي بين الدعوة إلى التصوف ممارسة وسلوكا عمليا، والدعوة إلى اتخاذ شيخ مرب والتأدب بآدابه، والدعوة إلى التعلق بالله ورسوله ومحبتهما لذاتهما، هكذا، في مسار تصاعدي مناسب لمسار التجربة الصوفية المقامي، حيث لكل مقام أخلاقه وآدابه التي تناسبه.

    – تتميز لغة أدب التوجيه الخلقي بالبساطة، وسيادة الأسلوب الخطابي التقريري البعيد عن الإيحاء والرمز والمراعي لطبيعة المتلقي ووظيفة الإبلاغ والإقناع والتربية والتعليم. كما تهيمن عليه الوظيفة الإفهامية.

3- البعد الخلقي في شعر الحسن اليوسي: نماذج وتجليات: 

    افتتح المؤلف هذه الدراسة بتحديد مدلول البعد الخلقي باعتباره تلك المعاني النفسية الباطنة في صورة الإنسان, وبيَّن أن البعد الخلقي الواقعي في الشعر الصوفي يعد ظاهرة في فجر الدولة العلوية، حضر بقوة في إبداع اليوسي. فحاول المؤلف رصد تجليات هذا البعد الخلقي من خلال تحليل بعض النماذج الشعرية المنتقاة من شعر الحسن اليوسي، حيث ركزت الدراسة على التجلي الغرضي الموضوعي، والتجلي الفني والجمالي. مما مكن الباحث من التوصل إلى استنتاجات دقيقة، نذكر منها ما يلي:

    – تعدد تجليات البعد الخلقي في شعر اليوسي وتنوعها في المبنى والمعنى مع التواصل والتفاعل. وقد حضرت في المعجم، والصورة الشعرية الصغرى والكبرى، فكانت حينا مساعدا و مقربا للمعنى، وأحيانا هي المعنى المراد. وطبيعة هذا الحضور أنه ذو بعدين: أولهما خلقي جلالي، والثاني خلقي جمالي.

    – الأخلاق في ديوان اليوسي بواعث وأهداف؛ محفزات للقول الشعـري وغايات في الآن نفسه.

    – إن شعر اليوسي، استنادا إلى البعد الخلقي فيه، يجمع بين الرؤية النفعية والمتعة الفنية، وفي ذلك مزاوجة تفاعلية بين الخلقي والفني، وبلاغة الفكـرة، والعبارة، والإشارة. وفي هذا تفعيل لانفتاح الخلق واستمرار إبداعــه، وتعميق شعري لجلاله يحافظ معه على التوليف السليم والفعال بين الوجدان والعقيدة والإيمان.

4- عبد الرحمان بن محمد بن عبد الهادي السجلماسي: شاعر المحبة المحمدية:

    تقوم هذه الدراسة على الحفر في ذاكرة التراث المغربي عموما وبالأدب الصوفي منه بصفة خاصة، من خلال التعريف بأحد أعلامه المغمورين وإنتاجه، في فترة القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

    يتعلق الأمر بعبد الرحمن بن محمد بن عبد الهادي السجلماسي المتوفي سنة 1914، فعلى الرغم من حداثة الفترة التي عاش فيها، إلا أنه ظل مجهولا حيث لم يعثر المؤلف على ترجمة له أو إشارة إليه في ما وقف عليه من كتب التراجم والمناقب والطبقات المخطوطة والمطبوعة. ولإعداد ترجمة له اعتمد الباحث على مؤلفات الرجل، ومما كتبه عنه “محمد عبد الحي الكتاني”.

    هذا الصوفي المغمور هو عبد الرحمان بن محمد بن عبد الهادي بن محمد بن عبد الهادي بن أحمد بن محمد (بفتح الميم) ابن قاسم بن محمد (بفتح الميم) بن علي الشريف بن الحسن بن محمد بن الحسن…، أحد أبناء سجلماسة الذين نزحوا إلى فاس واستقروا بها. وافته المنية سنة 1333هـ/1914م. وقد كان درقاوي الطريقة، جمع بين التأليف والنظم وبراعة الإنشاد والقدح المعلى في فن السماع. أما شيوخه في العلم فلا يُعرف منهم إلا     الشيخ أبا العلا إدريس بن عبد الهادي بن عبد الله الحسني الشاكري السجلماسي الفاسي [4]. وقد خلف- حسب ما وقف عليه الباحث- سبعة مؤلفات جمع فيها بين المنثور والمنظوم، وكلها مخطوطة بقسم الوثائق بالخزانة العامة بالرباط[5].

    لم يقتصر عمل المؤلف في دراسته على التعريف بعبد الرحمان السجلماسي فحسب، بل سعى للاقتراب من بعض إنتاجه من خلال تحليل نماذج من منثور كلامه ومنظومه، مع التركيز على مسار بناء الصلوات النثرية في مؤلفاته وتحديد طبيعتها، وتتبع موضوعة “المحبة المحمدية” في شعره، باعتباره شاعر المحبة المحمدية.

    توصل الباحث عبر تحليل نماذج من إنتاج عبد الرحمان السجلماسي إلى أن النفس الشعري عند هذا الشاعر يتراوح بين القوة والضعف الفنيين، سواء من نص إلى آخر أو داخل النص الواحد، يقول عبد الوهاب الفيلالي: “حتى أننا نجد من نظمه ما لا يرقى إلى مقام الشعر، ويكفي أن نسميه نظما، خاصة حين يغرق في سرد الصلوات على الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أننا نصادف مرات متعددة أشعارا لها حظها من الإبداع الفني، خاصة حين يفصح عن تجربته في الحب والشوق والتشوف إلى مقام الرسول ويعبر عن معاناته في ذلك كله”[6].

    وقف الباحث في الأخير على ملحوظة هامة مفادها: إذا كان عبد الرحمان السجلماسي قد ظل مجهولا عندنا إلى هذا الحين، وهو من أبناء الأمس القريب، فهناك حتما عدد آخر من الأدباء والشعراء الذين لا نعرف عنهم شيئا أو نعرف أسماءهم أو بعض المعلومات عن حياتهم دون أن نقف على إنتاجاتهم الأدبية. مما يفرض ضرورة تعميق البحث العلمي في تراثنا الأدبي والفكري توثيقا وتحقيقا ونشرا وتحليلا وتأويلا..

5- كتاب “ سلوة الأنفاس”:  بعض من مظاهر هويته الصوفية:

    يحاول الدكتور عبد الوهاب الفيلالي في هذه الدراسة الكشف عن بعض مظاهر الهوية الصوفية لكتاب “سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس” لصاحبه “محمد بن جعفر بن إدريس الكتاني”، من خلال محاورة لنصي الكتاب “الموازي” و”الرئيس”” (Le Paratexte et le texte principale).

    إن “النص الموازي” في كتاب “السلوة” نص ذو هوية صوفية بكل مكوناته: العنوان، والمقدمات، والمؤلف، والمحقق، والناشر…، كذلك هو شأن “النص الرئيس” الذي تشكل متنه نصوص تراجم الأعلام، وتكمن صوفيته في تصوف الكثير من أعلامه، وفي لغته التي لا تخلو من الأثر الصوفي، مصطلحا وتعبيرا أو معجما وعبارة.

    شبه الدكتور عبد الوهاب الفيلالي كتاب “السلوة” ب”الضريح الحي”، كما شبه “النص الموازي” ب” باب الضريح” حيث يقول: “إن ممعن النظر في النص الموازي يجده مناسبا جدا للنص الرئيس ومتآلفا معه، إذ هو بفضل صوفيته وتآلف عناصره بمثابة باب الضريح، والأعلام المترجمون دفينه، والمتلقي زائر يسعى إلى التبرك بالمزور والدعاء إلى الله من خلال زيارته”[7]. وهو ما يرقى بمؤلف السلوة من رتبة الصوفي العالم إلى درجة المتذوق جماليا لموضوع علمه وعمله.

    عمد الباحث في هذه الدراسة إلى تحليل جمالي تذوقي لعنوان كتاب “السلوة”، بين من خلاله أهمية “الذوق” في قراءة النصوص وكشف تجليات الجمال فيها، وضرورة التلقي “الجمالي” للمتون. وهو ما لا يتاح إلا لقارئ جمع بين الذوق والعلم والخبرة.

    أشار الباحث إلى بعض مكامن الحضور الصوفي في الكتاب من وجهة أخرى، غير النص الموازي، حيث ذكر ثماني مكونات؛ صوفية الباعث، وصوفية المقصد أو الهدف، صوفية المصدر والشاهد، صوفية الموضوع، صوفية البناء والمنهج، صوفية المكان، صوفية المصطلح والعبارة، صوفية الباث مؤلفا وناقدا.

   خلص الباحث أيضا من خلال مصاحبته لهذا الكتاب إلى استنتاجات أخرى تنضاف لما توصل إليه، يمكن عدها من المظاهر الخفية الممكنة لصوفيته، من ذلك، اتصاف الكتاب بالسياحة والسفر زمانيا ومكانيا واجتماعيا، واتصافه أيضا بالشمول ثم بالسمو والعلو.

6- خاتمة: البحث في تراث الأدب الصوفي المغربي: أسس وآفاق:

    ختم الدكتور عبد الوهاب الفيلالي مؤلفه بخلاصة تركيبية منفتحة تحت عنوان: البحث في تراث الأدب الصوفي المغربي: أسس وآفاق. تمثل في الواقع خلاصة تجربة الباحث في مسار حياته العلمية والفكرية، وليس استنتاجات لما توصل إليه في هذا الكتاب فحسب. تضمنت الخاتمة مجموعة من الاستنتاجات أو الأسس والآفاق تخص تراث الأدب الصوفي في المغرب إبان العصر العلوي خاصة، وتاريخ المغرب على العموم، نذكر منها الآتي:.

    – تميز الأدب الصوفي في المغرب بتعدد أنواعه، وضخامة كمه، واتساع مجالاتـه وموضوعاته، وجمعه بين الروحي الخلقي والرمزي الإيحائي، واتحاد نصوصه وأنواعه وموضوعاته ومضامينه ووسائل أدائها وآليات تصويرها ضمن موضوعة “الحب” التي هي أساس السلوك الصوفي.

    – إسهام الصوفيين في الإبداع الأدبي مرتين بفعل التوجه الطرقي؛ مرة مبدعين، وأخرى ذواتا مرجعية وموضوعات للإبداع، مثلما في أدب الحب الولوي والتوسل إلى شيوخ التصوف وطرقه ومدحهم.

    – غلبة مفهوم الأدب القائم على الاكتراث للفكرة قبل الصياغة، والرؤية النفعية قبل المتعة الفنية، مع وجود كم مهم من النصوص الإبداعية التي نجح أصحابها في المزاوجة بين الذوق الخلقي الصوفي والذوق الفني.

    – يكرس التواصل الواضح بين أدبائنا الصوفيين والسلف الصوفي في الأفكار والتجربة والإبداع قاعدة وحدة التجربة الصوفية الإسلامية في العمق، وتجاوزها للحدود المكانية والقيود الزمانية، ويعكس رغبة الأديب الصوفي في بلوغ أسمى مدارج التكمل ومظاهره في الإنسان واللغة والتعبير.

   – وأخيرا، إن الأدب المغربي أدب دنيوي وأدب ديني، صوفي وغير صوفي، وللشق الصوفي منه أثر بارز في غيره، تلك هي حقيقة الأدب المغربي في أغلب فتراته. والأدب ذو البعد الديني هو الأدب الرسمي الحقيقي إذا ما راعينا كم الإنتاج وتنوعه، وانتشاره الواسع، والبعد الديني المهيمن في المغرب، وتضمن هذا الأدب العديد من الخصائص وأسرار الهوية الثقافية المغربية.

    بعد هذه الاستنتاجات، يعرض المؤلف الدكتور عبد الوهاب الفيلالي لجملة من الضرورات المنهجية والفكرية التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند البحث في الأدب الصوفي في المغرب؛ كضرورة المزاوجة المنهجية بين الكم والكيف في دراسة تراثنا، والالتزام بسياق الواقع العام في المغرب، وبالسياق الصوفي الطرقي خاصة، في دراسة الأدب الصوفي، وضرورة مراجعة نعوت الضعف، والتقليد، والصنعة، والتكلف، والاجترار… وغيرها مما نعت به الأدب المغربي-كله أو بعضه- في العديد من فتراته. إلى غير ذلك من الضرورات التي مكنت المؤلف من فتح آفاق جديدة للاشتغال أمام الباحثين والغيورين على الأدب المغربي الصوفي.

ثم ذيل المؤلف كتابه بفهرس مفصل للمصادر والمراجع بالعربية والفرنسية يمكن اعتباره ببليوغرافيا لا غنى عنها لكل باحث في المجال يتلمس طريق البحث العلمي في الأدب الصوفي في المغرب.

خاتمة القراءة

    يأتي كتاب عوارف معرفية من التصوف وأدبه في المغرب تتويجا لمسيرة علمية وفكرية امتدت أزيد من عقدين من الزمان، قضاهما الأستاذ الدكتور عبد الوهاب الفيلالي في البحث العلمي الأكاديمي في مجال الأدب المغربي، وما يرتبط به من ظواهر وقضايا فنية وموضوعية، وإشكالات علمية وجمالية ذوقية، كما عاشر خلال هذه الفترة الطويلة متونا مغمورة من الأدب الصوفي بالمغرب؛ دراسة وتوثيقا وتحليلا وتذوقا وتأويلا. مما مكنه من الإسهام في تنوير مسار البحث العلمي والأكاديمي المتخصص في هذا القسم الصوفي من موروثنا الأدبي المغربي، بعد أن اكتملت التجربة العلمية ونضجت عند هذا الباحث المخلص للأدب المغربي، فأثمرت رحلته العلمية الطويلة عوارف معرفية من التصوف وأدبه في المغرب ليكون لبنة أخرى من لبنات الصرح الأدبي الصوفي بالمغرب، يعزز المكتبة المغربية بنوع من المؤلفات ذات البعد الأكاديمي الدقيق.

    تجدر الإشارة إلى أن المؤلف الدكتور عبد الوهاب الفيلالي المنسق البيداغوجي لماستر الإبداع الصوفي في الأدب المغربي، لديه عدد من الكتب والدراسات الأكاديمية التي تنتظر دورها للنشر قريبا، نذكر منها على سبيل المثال: “الأدب الصوفي في المغرب إبان القرنين الثامن عشر والتاسع عشر للميلاد- ظواهر وقضايا-“، و “دراسات في الملحون”، وغيرهما.

 

الهوامش:


[1]  باسمة درمش، عتبات النص، علامات في النقد، المجلد16، الجزء61، ماي 2007. ص:40

[2]  سبق للباحث أن نشر الدراسة تحت عنوان “ظاهرة اللذة في اللغة عند الصوفية: أصول وتجليات وبواعث”  بمجلة “المناهل”  ص:269، ع82-83، ج2، شتنبر2007، منشورات وزارة الثقافة.

[3]  نشر الباحث جزءا من هذه الدراسة بمجلة “الإحياء” ص:126، ع26. نونبر2007.

[4]  ينظر عنه: إدريس بن أحمد العلوي الفضيلي، الدرر البهية والجواهر النبوية في الفروع الحسنية والحسينية، ج 1 / 261-262. ط.حجرية: 1314 هـ.

[5]  للإحاطة بأسماء هذه المؤلفات وأرقامها بقسم الوثائق بالخزانة العامة بالرباط، ينظر: عوارف معرفية من التصوف وأدبه في المغرب، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، ط1، سنة2010. صص68-70.

[6]  د عبد الوهاب الفيلالي، عوارف معرفية من التصوف وأدبه بالمغرب, ص77.

[7]  عوارف معرفية.. ص82.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق