مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةقراءة في كتاب

قراءةٌ في كتابٍ جديدٍ من عُيون ما ألِّفَ في تَماسُك النّصّ في القرآن الكريم

(الإحالَة، وأثرُها في تَماسُك النّصّ في القَصَص القرآنيّ)

الدّكتور أنَس بن محمود فَجّال، منشورات نادي الأحساء الأدبي،(35)، المملكة العربيّة السّعوديّة، ط.1، 1434هـ/2013م، عدَد صفحات الكتاب : 724 صفحةً.


1- الكتابُ الذي بين أيدينا بحثٌ في الـمُؤلِّفِ السادس من مؤلِّفاتِ التحليل اللغوي، وهو المؤلِّف النّصّي الذي انتقَلَ من نحو الجمل إلى نحوٍ أوسَعَ مَدىً وأكبرَ امتداداً، إنّه نحو النّصّ أو لسانيات النّصّ. 

النّصُّ وحدةٌ نحويةٌ دلاليةٌ ينتظمُ عناصِرَها تَماسُكٌ نحويٌّ وانسجامٌ فكريٌّ موضوعيّ ومَقصدٌ عامٌّ وإنجازٌ كلاميٌّ أكبر (Macro-act of speech) تنتظمُ فيه أفعالُ الكلامِ الموجودةُ فيه كلُّها. ولا يقفُ عند هذه الحُدودِ؛ فقَد دخَلَت في النّظرِ إلى مَفْهومِ النّصّ مَباحثُ أعلى، تكشفُ عن بنياتِه الكبْرى، كأجناسِ الخطابِ وأنماطِه، وغيْرِها من المجالاتِ التي تتداخلُ فيها مَباحثُ لسانيّاتِ النّصّ وتَحليل الخطابِ فيما بيْنَها. وقد بَلَغَ أمرُ تعقُّد الظّاهرةِ النّصّيّةِ عندَ كثيرٍ من الباحثينَ إلى حدٍّ صَعُبَ مَعه اختزالُ النّصّ في وحدةٍ مُحدّدةِ المَعالمِ تركيباً ومَعْنىً. فكانَ مَفهومُ النّصّ فَتْحاً كبيراً خلَّصَ البحثَ اللّسانيَّ من وطأة الجملةِ، وسَمَحَ بالانفتاحِ على الخطابِ، في أجناسِه وأنماطِه المختلفة. والنّاتجُ من هذا التّطوّرِ أنّ الخطابَ يَحملُ في صُلبِه النّصَّ اللغويَّ في بنائه وتَماسكه، ويزيدُ عليْه بإدماجِ أطرافِ التّخاطُبِ ومَقاصد الخِطابِ وظُروفِ الزَّمانِ والمكانِ التي تُنجَزُ فيها أفعالُ الكلامِ. وأصبحَ من مهامِّ نَحوِ النّصّ رَصدُ بناءِ النُّصوص ونَسْج الخطابِ في مقامٍ مُعيّن، حتّى يُحقِّقَ للنّصّ أغْراضَه التّداوليّةَ ويكشفَ عن التَّناسُبِ بينَ بنية النّصّ وظروفِ إنجازها(1).

2- لا شكَّ أنَّ تَحليلَ الخطابِ لا يقومُ و لا يتحصَّلُ إلاّ بشَرطِ المرورِ على طريقِ لسانياتِ النّصّ؛ لأنّ هذه اللسانياتِ مرحلةٌ في بناءِ الجسمِ اللُّغويّ الذي للنّصّ، فإنْ لم يَتحقَّقْ شَرطُ البناءِ اللّغويّ المتماسكِ الذي يؤلّفُ بين أجزاءِ النّصِّ المنجَزِ ومُؤلِّفاتِه، فلا يُتصوّرُ قيامُ خطابٍ يَستحقُّ التّحليلَ. فبناءُ النّصّ أكبرُ رافدٍ لقيامِ الخِطابِ. ويَجدُ تحليلُ الخِطابِ أيضاً جُذورَه في لسانيّاتِ النّصّ؛ فلَقَد كانَ للسانياتِ النّصّ أثرٌ مَشهودٌ، منذُ أواخرِ القرنِ الماضي، في إخراجِ الدّرسِ اللّسانيّ من ضيقِ الجملةِ إلى سعةِ النّصّ. ولا شكّ في أنّ مفهومَ الجملة ولسانيات الجُملَة، الذي تُجووزَ إلى مَفْهوم النّصّ ولسانياتِ النّصّ، مفهومٌ وصفيّ بَحتٌ لأنّه يصفُ جزءاً من بنيةِ الكَلامِ بالاقتطاعِ منه وبافتراضِ التّجزيء في جسمِ الظّاهرةِ اللّغويّةِ، وما مِن مُستوى لسانيٍّ أو وَحدةٍ من وَحداتِ البَحث اللّسانيّ التي تَقلُل عن وَحدةِ النّصّ، كالفونيم أو الحَرف، والمورفيم أو الوحْدَةِ الصّرفيّة، واللّيكسيم أو الوَحْدَة المعجميّةِ، والتَّرْكيب أو الوحْدَة الجُمليّة،إلاّ وتُعدُّ وحدةً افتراضيّةً صَنَعَتها النّظريّةُ اللّسانيّةُ لتسهيلِ الوصْفِ والتَّفْسيرِ ولتعْيين مَفاصلَ افتراضّيةٍ لبنيةِ النّصّ/الخِطاب الطّبيعيّةِ الواقعيّةِ. أمّا النّصّ فهو بنيةٌ لغويّةٌ طبيعيّةٌ عُلْيا، تختلفُ عن البنى الافتراضيّة الدّنيا المشارِ إليها، لأنّه إنجازٌ مترابطٌ، يختصُّ بصفَتَي التَّماسُك والانسجامِ، وليسَ رصفاً للكلماتِ والجُمَل التي انتظمَت بشكل عفويّ اعتباطيّ.

 3- وفي هذا السياق يأتي بحثُ الدّكتور أنَس بن محمود فَجّال، فَتحاً جديداً في مَجال النّصّ العربيّ؛ غيرَ مُغفِلٍ عنايةَ العُلماءِ العَرَب قديماً بمباحثَ لها صلةٌ مباشرةٌ بوَحدةِ النّصّ وشروطِ قيامه وتَماسُكه، وإن لم ينصّوا على انفصالِه عن وحداتٍ لغويّةٍ أصغرَ منه، لقَد وُجدَت لهم نظراتٌ مبثوثةٌ في مصنّفاتهِم تدلُّ على إحساسهم بقضيّةِ النّصّ؛ فلَم يفُته أن يُفيدَ من العلوم والمعارِف والنظراتِ الذّكيّةِ المبثوثة في كتبِ التّفسيرِ وعلوم القرآنِ والإعجاز وأصول الفقه والبلاغةِ والمنطقِ والدّلالة وغيرها من المباحث التي تــــتّخذُ النصَّ موضوعاً للدّرس والتّحليل.

ولَقَد تتبّعَ الباحثُ تطوّرَ الاهتمام بنحو النّصّ في الدّرس اللّساني المعاصر العربيّ والغربيّ؛ ليتوصّلَ بعدَ ذلك إلى إثبات قيمة عملِه هذا، وأنّه يستمدّ من علمٍ كانَت له جذورٌ وبداياتٌ ثمّ تَطوَّرَ حتّى استوى، وذلِك لإعادةِ قراءَةِ النّصوص العربيّة في ضوءِ هذا المنهجِ الجديد. 

ويُعدُّ منهجُ التّحليلِ بالتّماسُك النّصّيّ عمودَ البحثِ وأساسَه، وقد أدّى العملُ به في تحليلِ النّصوصِ إلى استكشافِ علاقاتِها المنطقيّةِ والبلوغِ إلى نتائجَ لم يكنْ نحوُ الجملِ ليبلُغها؛ لأنه نحوٌ يعزلُ اللغةَ وشواهدَها عن سياقها الدّلاليّ الشّاملِ وإطارِها الاجتماعيّ التّداوليّ الذي نُتِجَت فيه.

لَقَد كشف منهجُ لسانياتِ النّصّ الغطاءَ عن عَواملَ متفاعلةٍ داخليّةٍ (تماسكيّة) وخارجيّة (تَفاعليّة) تؤثّرُ في بناءِ الكلامِ، وآن للباحثينَ المحلّلينَ أن يَستدعوا هذه العواملَ ويستنطقوها لرفعِ الحُجُبِ عن مَعاني النّصّ ومقاصدِه.

  قُلتُ: في هذا السياقِ يأتي بحثُ « الإحالَة، وأثرُها في تَماسُك النّصّ في القَصَص القرآنيّ» وقد توجّه مُعظمُ البحثِ إلى شروطِ البناءِ الدّاخليّ؛ لأنّ صياغةَ النّصّ اللغويّةَ والدّلاليةَ تحتاجُ إلى شروطِ النّسْجِ والنّظمِ والتأليفِ، حتّى يستويَ النّصُّ المنسوجُ المنظومُ المؤلَّفُ، ويَنْمازَ عن باقي الوحداتِ اللغويّةِ الصّغرى، ليسَ النّصّ صوتاً ولا مقطعاً ولا كلمةً ولا جملةً، ولكنّه هذه المؤلِّفاتُ مجتمعةً وزيادة. والعلمُ به منهجٌ شاملٌ متكاملٌ لا يقفُ عندَ العلاقاتِ بين المعاني النحويّة، أو عندَ مجرّد المفاهيم العَلاقيّةِ النّظريّة، ولكنّه يَرمي إلى ربطِ الدّراسات التّطبيقيّة النّصيّةِ بغاياتِ تنميةِ مهاراتِ التعليمِ والكتابة والتعبير، وغايات تتعلّقُ بنظرياتِ لسانياتِ النّصّ والدّلالة والتّداوُل…

  4- أعلنَ الباحثُ في مدخلِ دراسته المفيدَة اختيارَه للاتّجاه المنهجيّ الذي ارتضاه من بين اتّجاهاتٍ أخرى، وهو اتّجاه البحثِ في إطارِ مشروع لسانيّاتٍ نصّيّةٍ ذاتِ طابعٍ عربيّ، تُراعي «ظروفَ البيئة العربيّة والسّياق والثّقافَة والمجتمَع والهُوية». ولَقَد أصابَ الباحثُ أولاً باختيارِه الوجهةَ التي ينبغي أن تولّيَها الدّراساتُ النّصّيّة؛ فجاء بحثُه إبداعاً في جسمِ المشروعِ العربيّ الكبير، وألزَمَه اختيارُ الوجهة العربيّة الخالصةِ أن يَنتقي من الظّواهرِ الإحاليّةِ ما يُناسبُ النّصّ العربيَّ الفصيحَ؛ لأنّ الأدبياتِ التي تَراكَمَت في الميدانِ النّصّي حول الإحالَة إنّما نَبَتَت في إطارِ الدّرسِ اللساني الغَربيّ، فكانَ لزاماً تهذيبُ الموضوعِ ممّا يتّصلُ بخَصائصِ اللغة الغربية الموصوفَة، وخَصائصِ الأحوالِ المحليّةِ التي نما العلمُ في ظلِّها، حتّى يُؤهَّلَ لوصفِ الإحالةِ في لغاتٍ أخرى غير لغةِ الـمَنبتِ.

5-أصابَ الباحثُ الكريمُ ثانيةً إذ خصّصَ البحثَ في النّصّ فجعلَ موضوعَ الإحالَة بؤرةَ البحثِ في بنية النّصّ. موضوعُ الإحالَة في هذا الكتابِ بؤرَةُ البحث في بنية النّصّ، وللإحالَة شبكةٌ تنتظمُ فيها حركةُ الضّمائرِ وأدوات الإشارة والتعريف والموصول والتكرار والاسم الواصِف وغيرها، ولقَد بيّن الباحثُ بمهارة عاليةٍ طرُقَ تنظيم الإحالات وهندسَةَ بنائها في النّصّ القرآنيّ، إذ وقَفَ عند كلّ لفظٍ نحويّ يؤدّي وظيفةَ الإحالَة من قريبٍ أو بعيدٍ ويُسهمُ في ربط أجزاء النّصّ بعضِها ببعضٍ ربطاً جزئياً أو كلّياً.

 6-  أمّا مجالُ التّطبيق فهو القَصَصُ القرآنيُّ؛ لأنّ القصَصَ مجالٌ يُساعدُ على استخراجِ مَعالم البنيةِ الإحاليّةِ في النسيجِ النّصيّ للقرآن الكريم، وقد أحسنَ الباحثُ انتقاءَ ميدان تطبيقِه؛ لأنّ نتائجَ التّطبيقِ على نصوصِ القرآن الكريم يُساعدُ في الحصولِ على نتائجَ أدقَّ وأوضحَ وقَواعدَ أضبطَ ومَقاييسَ أقوَمَ يُمكنُ أن تُقاسَ بها جودةُ النصوصِ. وقد اجتهدَ الباحثُ في استصفاءِ مادّة القَصَص وانتقاءِ ما له صلة بالقصص القُرآني ممّا كُتبَ في التّراث ويحتاجُ إلى تمحيصٍ وتوثيقٍ. 

7- ومن أهمّ إشكالات التي واجهَت البحثَ قضيةُ المصطلَحات، التي تَدورُ في فلَك لسانيات النص والخطاب، وذلِكَ لما يكتنفُها من اضطرابٍ وغُموضٍ في الدّلالة وعدمِ إجماعٍ وعدم دقّةٍ في ترجمة المصطلح الواحد، كالنّصّ والخطاب والتماسُك والانسجام والسّبكِ والحَبك والإحالة والسياق… ولكنّ الباحثَ نهجَ نهجاً واضحاً في اختيارِ المُصطَلحاتِ حتّى يستقيمُ بحثُه على استخدامٍ اصطلاحيّ متجانسٍ غيرِ مضطرِبٍ.

وقَد عقَدَ لكل مصطلح مبحثاً مستقلاً: النصُّ، ونحوُه، والتَّماسُكُ، وأدواتُه، الإحالةُ، ووظيفتُها، وأنواعُها، وأثرُ السياقِ فيها في القصّةِ القرآنية، وأدواتُها.

8-  كلُّ طالبِ فائدةٍ نصّيةٍ يجدُ طلبتَه في هذا الكتابِ وكلُّ مُلتمسِ علمٍ في الإحالة في القصص القرآنيّ يتحققُ له الغرضُ بما كان ينتظرُ وبما لم يكنْ يتظرُ، فالإحالةُ ذاتُ موضع إما أن تكونَ داخليةً نصيةً أو خارجيةً مقاميةً، وذاتُ اتّجاهٍ معيّنٍ إمّا قبلية أو بعدية، وذاتُ مدىً معيّن إمّا قريبة المدى أو بَعيدتُه، وذاتُ وجودٍ ذهنيّ إمّا إحالَة بناء أو إحالة تَعْيين…

ويعني ذلِكَ أنّ البحثَ قد نضجَ واستوى في ذهنِ صاحبِه مَشروعاً ومنهجاً وعناصرَ وتَفاصيلَ ومادّةً ومقاصدَ ومصادرَ، قبلَ أن يتحوّلَ إلى إنجاز فعليّ، فيصير شبيهاً بالموسوعةِ النّصيّة والبحث الإحاليّ الـمُسْتقصي أطرافَ موضوعه، ويشهدُ الجهدُ العلميّ الكبيرُ الذي بذلَه الباحثُ الكريمُ في إخراج عملِه هذا، أنّ الكتابَ لبنةٌ كبيرةٌ في بناء لسانياتِ النّصّ ومفهوم الإحالة، في اللسانياتِ العربيّة الحَديثَة، لا ينبغي لباحثٍ في بابِه وتخصّصِه أن يغفلَ عنه؛ لأنّ الكتابَ اختصرَ الـمُنجَزَ وأوردَ الجَديدَ ولم يُكرّرْ، وفصَّل في الجديد وبيّنَ، واجتهدَ في رسم الحلقة الـمُضافَة بعد الحلقاتِ السابقةِ، في سلسلة لسانيات النّصّ وتحليل الإحالَة نظراً وتطبيقاً .

وبعدُ، فهذا وصفٌ مٌقتضبٌ للكتابِ الجَميلِ الذي بين أيدينا، ولكنّ الوَصفَ لا يُغني عن قراءَة الأصلِ الموصوف، والاطّلاعِ على تَفاصيلِ فُصولِه ومَباحثِه وأقسامه وفقراتِه، وما اشتملَت عليه المادّةُ المعروضَةُ من حرصِ صاحبه على الإحاطةِ بالأمثلة والشّواهِدِ والجَداولِ البيانيّةِ. 

ــــــــــــــــ

(1) الخطاب: يتَحَرَّكُ المعْنى المعجميّ لمصطلحِ “خِطاب” من الفكرِ إلى الكلامِ، بمعانيه ومستوياته وأشكاله المُختلفَة، ومن الكَلام إلى النّصّ، مع اتّجاه نحو مقاصد الإفادَة أو التّلقين أو البَرهَنَة والإقناع… أمّا في الاستعمالِ المعاصرِ فنُميّزُ بين الخِطابِ بمَعْنى النّصّ الموحَّد المتماسِك، من حيثُ المَوضوع أو المَوقف، والخطاب بمَعْنى النّظام اللغويّ بوصفه شبَكَةً من علاقات المعرفَة الاجتماعيّة. وقد أصبح بعدَ ثنائيّة دوسوسير [اللغة/الكَلام] وثنائيّة شومسكي [الكفايَة/الإنجاز]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق