مركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصةدراسات عامة

في الحاجة إلى الفصل بين الصوفية وأدعياء التصوف

لقد عانَ التصوف على مرّ الزمان من أدعياء مغرضون تزيّوا بزيه، وانتسبوا إليه، فأساءوا له بأقوالهم وأفعالهم وسلوكهم، والتصوف منهم براء، ولذلك كان لا بد من التفريق بين أدعياء التصوف المنحرفين، وبين الصوفية الصادقين، أصحاب السلوك، ممن لهم درجات عليا في الإيمان والتقوى والورع، وآثار كبرى في نشر الأخلاق والدين، والدعوة إلى الله تعالى في سائر العصور والبلدان.

ومتى كان في شريعة الحق والدين أن يؤاخذ الجار بظلم الجار؟ وأن يتحمل الإسلام في جوهره النقي أخطاء المسلمين المنحرفين؟ وأن تنسب إلى هذه الفئة النقية أخطاء المتصوفة الشاذين من أعداء التصوف؟ وإنكار بعض العلماء على أفعالٍ شاذَّة منسوبة إلى التصوف وأهله، إنما يستهدف هؤلاء الغلاة المنحرفين من أدعياء التصوف. ولطالما حذّر الصوفية أنفسهم من هؤلاء الأدعياء.

قال الشيخ أحمد زروق في ذلك: “فغلاة المتصوفة كأهل الأهواء من الأصوليين، وكالمطعون عليهم من المتفقهين، يُردُّ قولهم، ويُجتنب فعلهم، ولا يُترك المذهب الحق الثابت بنسبتهم له، وظهورهم فيه”.[1]

وقيل: “إن الخير والشر في كل طائفة من الناس إلى يوم القيامة، فليس كل الصوفية سواء، كما أنه ليس كل العلماء والفقهاء والمدرسين والقضاة والتجار والأمراء سواء؛ إذ فيهم الصالح وفيهم الأصلح، وفيهم الفاسد وفيهم الأفسد، هذا أمر ظاهر لا شبهة فيه عند الجمهور، اعرف الحق تعرف أهله، ويعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال…، ونحن ننكر ما أنكره العلماء على هؤلاء الأدعياء من المتصوفة المنحرفين، الشاذين عن دين الله تعالى، وأما المتمسكون بالكتاب والسنة، المستقيمون على شرع الله تعالى فهم الذين نعنيهم، ونقتفي أثرهم…”.[2]

 

ونأخذ كنموذج لهؤلاء الأدعياء الذين يدعون التصوف والانتساب إلى أهله، ما قاله الشيخ أحمد زروق أيضا في كتابه: “عدة المريد الصادق”، متحدثا عن طائفة نسبت نفسها إلى التصوف وهي لا تمت إليه بأدنى صلة، قال: “هناك قوم غلب عليهم الكسل والبطالة، وجمحت نفوسهم للانتساب للقوم، فعدلوا لرخص المذهب من السماع والاجتماع، وإيثار التزيي من المرقعات المزينة، والسبحات المزخرفة، والسجادات المزوقة، والعكاكيز الملفقة، وتباهوا في ذلك مباهات النسوان في الثياب، وتضاهوا فيه تضاهي أبناء الدنيا في الأسباب، فإذا عوتبوا في ذلك قالوا: يكفينا من اتباع القوم التشبه بهم، فإن من تشبه بقوم فهو منهم، فإن قيل: هذا منكم قلة همة، قالوا: أنتم في بركة الحال، ونحن في بركة الزِّي، وقد قنعنا بالتزي، وما هو إلا الركون للبطالة وحب الشهوة بالباطل،[3] ويرحم الله القائل:

إن تكن ناسكا فكن كأويس
من تحلى بحليــة ليست فيه
  أو تكن فاتكا فكن كابن هاني
فضحته شواهــد الامتحان

وقال الغزالي في الإحياء في باب الغرور وبيان أصناف المغترين، الصنف الثالث: المتصوفة وما أغلب الغرور عليهم والمغترون منهم فرق كثيرة:

–    “ففرقة منهم متصوفة أهل الزمان إلا من عصمه الله، اغتروا بالزي والهيئة والمنطق، فشاركوا الصادقين من الصوفية زيهم وهيئتهم، وتشبهوا بهم في ألفاظهم وفي آدابهم، وقراءتهم واصطلاحاتهم، وفي أحوالهم الظاهرة في السماع، والرقص، والطهارة، والصلاة، والجلوس على السجادات، مع إطراق الرأس وإدخاله في الجيب كالمتفكر، وفي تنفس الصعداء، وفي خفض الصوت في الحديث، إلى غير ذلك من الشمائل والهيئات، فلما تكلفوا هذه الأمور وتشبهوا بهم فيها ظنوا أنهم صوفية، ولم يُتعبوا أنفسهم قط في المجاهدة والرياضة ومراقبة القلب وتطهير الباطن والظاهر من الآثام الخفية والجلية، وكل ذلك من أوائل منازل التصوف ولو فرغوا عن جميعها لما جاز لهم أن يعدوا أنفسهم من الصوفية، كيف ولم يحوموا حولها ولم يسوموا أنفسهم شيئا منها، بل تكالبوا على الحرام والشبهات وأموال السلاطين…

–      وفرقة أخرى زادت على هؤلاء في الغرور إذ شقّ عليهم الاقتداء بهم في بذاذة الثياب والرضى بالدون، وأرادت أن تتظاهر بالتصوف، ولم يجدوا بدّا من التزين بزيهم، فتركوا الحرير وطلبوا المرقعات النفيسة، والفوط الرقيقة، والسجادات المصبوغة، ولبسوا من الثياب ما هو أرفع قيمة من الحرير، وظن أحدهم مع ذلك أنه متصوف بمجرد لون الثوب وكونه مرقعا، ونسي أنهم إنما لوّنوا الثياب لئلاّ يطول عليهم غسلها كل ساعة لإزالة الوسخ، وإنما لبسوا المرقعات إذ كانت ثيابهم مخرقة فكانوا يرقعونها ولا يلبسون الجديد…

–      وفرقة أخرى ادّعت علم المعرفة، ومشاهدة الحق، ومجاوزة المقامات والأحوال الملازمة في عين الشهود والوصول إلى القرب، ولا تعرف هذه المعاني إلا بالأسامي والألفاظ… ومنهم ومنهم…[4]

وقال الإمام سيدي عبد القادر الجيلاني قدّس الله سره: “الناس أربعة رجال، وذكر منهم رجل له لسان بلا قلب، فينطق بالحكمة ولا يعمل بها، يدعو الناس إلى الله، وهو يفر منه عز وجل، يستقبح عيب غيره ويدوم هو على مثله، يظهر للناس تنسكا، ويبارز الله عز وجل بالعظائم من المعاصي…”.[5]

وبالتالي فإن هؤلاء الذين طعنوا في التصوف الإسلامي، وتشبّهوا بأهله،  وتهجموا عليه واتهموه بشتىّ أنواع الأكاذيب والافتراءات، ورموه بالانحراف والزيغ، إما أن يكون باعثهم على ذلك الحقد والعداوة المتأصلة للإسلام، وإما أن يكون سبب وقوعهم في هذا الإثم جهلهم المطبق بحقيقة التصوف.

وليس هؤلاء إلا أعداء الإسلام من بعض المستشرقين، الذين عكفوا على دراسة الإسلام دراسة دقيقة مستفيضة للوصول إلى أهدافهم الماكرة ومآربهم الخبيثة للطعن فيه، ودكّ حصونه، وتشويه معالمه، وبثّ سموم الفرقة والخصام، بين صفوف أبنائه…، فتارة يدسون السم في الدسم، ويمدحون الإسلام في بعض كتبهم كي ينالوا ثقة القارئ، فإذا اطمأن عليهم، وركن إلى أقوالهم شكّكوه في عقائده، وحشوا قلبه بأباطيل ألصقوها بالإسلام زورا وبهتانا.

وتارة ينتحلون صفة الباحث العلمي المتجرد، أو يلبسون ثوب الغيور على الدين، المتباكي على تراثه، فيشنون حملة شعواء على التصوف، وقد عرفوا أنه روح الإسلام وقلبه النابض، فيدّعون أن له أصل من اليهودية أو النصرانية أو البوذية، ويتّهمون رجاله بعقائد مكفرة وأفكار منحرفة ضالة…

فهم في الأصل يجهلون حقيقة التصوف الإسلامي، ورجاله الصادقين وعلماءه المخلصين، نظرتهم للإسلام هي فقط نظرة سطحية بعيدة عن التمحيص والتبين…، هم دخلاء على التصوف وعلى أهله، تشبهوا بهم وليسوا منهم، والتصوف بريء منهم ومن أمثالهم من المفترين المبطلين…

فالتصوف في نفسه- كما أشار إلى ذلك علماء أجلاء منهم: العالم الجليل الإمام السيوطي-: علم شريف رفيع قدره سني أمره، لم تزل أئمة الإسلام وهداة الأنام قديما وحديثا يرفعون مناره ويجلون مقداره ويعظمون أصحابه، ويعتقدون أربابه، فإنهم أولياء الله وخاصته من خلقه بعد أنبيائه ورسله، غير أنه دخل فيهم قديما وحديثا دخلاء تشبهوا بهم وليسوا منهم، وتكلموا بغير علم وتحقيق فزلوا وضلوا  وأضلوا، فمنهم من اقتصر على الاسم وتوسل بذلك إلى حطام الدنيا، ومنهم من لم يتحقق فقال بالحول وما شابهه، فأدّى ذلك إلى إساءة الظن بالجميع، وقد نبّه المعتبرون منهم على هذا الخطب الجليل ونصوا على أن هذه الأمور السيئة من ذلك الدخيل…”.[6]

وقد أفاض الإمام أبو القاسم القشيري في مقدمة رسالته المشهورة الحديثَ عن الصوفية، فقال: “لقد جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه، وفضّلهم على كافة عباده، بعد رسله وأنبيائه، صلوات الله وسلامه عليهم، وجعل قلوبهم معادن أسراره، واختصهم من بين الأمة بطوالع أنواره، فهم الغياث للخلق، والدائرون في عموم أحوالهم مع الحق بالحق، صفّاهم من أكدار البشرية، ورقّاهم إلى محالِّ المشاهدات بما تجلى لهم من حقائق الأحدية، ووفقهم للقيام بآداب العبودية، وأشهدهم مجاري أحكام الربوبية، فقاموا بأداء ما عليهم من واجبات التكليف، وتحققوا بما منّه سبحانه عليهم من التقليب والتصريف، ثم رجعوا إلى الله تعالى بصدق الافتقار ونعت الانكسار، ولم يتّكلوا على ما حصل منهم من الأعمال، أو صفا لهم من الأحوال، علما منهم بأنه جل وعلا يفعل ما يريد، ويختار من يشاء من العبيد، لا يحكم عليه خلق، ولا يتوجب عليه لمخلوق حق، ثوابه ابتداء فضل، وعذابه حكم بعدل، وأمره قضاء فصل”.[7]

وهذا الإمام الغزالي يتحدث في كتابه المنقذ من الضلال عن الصوفية وعن سلوكهم وطريقتهم الحقة الموصلة إلى الله تعالى فيقول: “ولقد علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى، خاصة وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق. بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئا من سيرهم، وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلا، فإن جميع حركاتهم وسكناتهم، في ظاهرهم وباطنهم، مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يُستضاء به”.[8]

ثم قال ردا على من أنكر على الصوفية وتهجم عليهم: “وبالجملة فماذا يقول القائلون في طريقة طهارتها- وهي أول شروطها- تطهير القلب بالكلية عما سوى الله تعالى، ومفتاحها- الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة- استغراق القلب بالكلية في ذكر الله”.[9]

وقد وصف الإمام الشاطبي الصوفية بأوصاف حميدة، فقال: “الصوفية الذين نسبت إليهم الطريقة؛ مجمعون على تعظيم الشريعة، مقيمون على متابعة السنة، غير مخلين بشيء من آدابها، أبعد الناس عن البدع وأهلها، ولذلك لا نجد منهم من ينسب إلى فرقة من الفرق الضالة، ولا من يميل إلى خلاف السنة. وأكثر من ذكر منهم علماء وفقهاء ومحدثون، وممن يؤخذ عنه الدين أصولا لا فروعا، ومن لم يكن كذلك؛ فلا بد من أن يكون فقيها في دينه بمقدار كفايته”.[10] 

وأثنى عليهم بوصفهم: “أهل الحقائق والمواجد والأذواق والأحوال والأسرار التوحيدية، فهم الحجة لنا على كل من ينتسب إلى طريقهم ولا يجري على مناهجهم…”.[11]

وقد كان في نيته أن يخصص مؤلفا للإشادة بطريق التصوف، وتحصينه من أهل البدع والأهواء، حيث قال: “وفي غرضي- إن فسح الله في المدة، وأعانني بفضله، ويسّر لي الأسباب- أن ألخص في طريقة القوم أنموذجا، يُستدل به على صحتها، وجريانها على الطريقة المثلى، وأنه إنما دخلتها المفاسد وتطرقت إليها البدع: من جهة قوم تأخرت أزمانهم عن عهد ذلك السلف الصالح، وادّعوا الدخول فيها من غير سلوك شرعي، ولا فهم لمقاصد أهلها، وتقوّلوا عليهم ما لم يقولوا به، حتى صارت في هذا الزمان الآخر كأنها شريعة أخرى غير ما أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم…، وطريقة القوم بريئة من هذا الخُباط بحمد الله”.[12]

وتحدث الإمام ابن تيمية عن تمسك الصوفية بالكتاب والسنة، فقال: “فأما المستقيمون من السالكين كجمهور مشايخ السلف مثل الفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الدّاراني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد ابن محمد، وغيرهم من المتقدمين، ومثل الشيخ عبد القادر [الجيلاني]، والشيخ حماد، وغيرهم من المتأخرين، فهم لا يسوغون للسالك ولو طار في الهواء، أو مشى على الماء، أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين، بل عليه أن يفعل المأمور ويدع المحظور إلى أن يموت، وهذا هو الحق الذي دلّ عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف، وهذا كثير في كلامهم”.[13]

وخلاصة القول، فهذه نتف عن التصوف وأهله، من غير المبتدعين المفترين، دعت إليها الضرورة لتصحيح معتقدات بعض الأفراد الذين قد عميت بصائرهم عن رؤية النور، وتجاهلت حقائق الإسلام، وحكمت على التصوف والصوفية من خلال أعمال بعض المنحرفين والمبتدعين من أدعياء التصوف دون تبين ولا تمحيص، وذلك حتى يدركوا أثر التصوف وضرورته لإحياء القلوب، وتهذيب النفوس، وكي يطّلعوا على ثمرات التصوف ونتائجه في انتشار الإسلام في مختلف الديار وشتى الأمصار.

 


[1]– قواعد التصوف، أحمد زروق، تحقيق: عثمان الحويمدي، دار وحي القلم، بيروت، لبنان، ط1، 1425ھ-2004م، قاعدة: 58، ص: 47.

[2]– حقائق عن التصوف، عبد القادر عيسى، ص:356-357.

[3] – عدة المريد الصادق، أحمد زروق، تحقيق: الصادق بن عبد الرحمن الغرياني، دار ابن حزم، ط1، 1427ھ-2006م، ص: 65.

[4] – إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، تحقيق: سيد عمران، دار الحديث، القاهرة، د.ط، 1425ھ-2004م، 3/513-514.  

[5] – فتوح الغيب، عبد القادر الجيلاني، تحقيق: أحمد عبد الرحيم السايح، و توفيق علي وهبة، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط1، 1425ھ-2005م، ص: 94.

[6] – تأييد الحقيقة العلية وتشييد الطريقة الشاذلية، جلال الدين السيوطي (ت911ھ)، تحقيق: عبد الله بن الصديق الغماري، مكتبة القاهرة، ط3، 2008م، ص: 4.

[7] – الرسالة القشيرية في علم التصوف، أبو القاسم القشيري (ت465)، تحقيق: معروف مصطفى زريق، المكتبة العصرية، بيروت، ط: 1426ھ-2005م، ص: 36.

[8]– قضية التصوف المنقذ من الضلال، أبو حامد الغزالي، دار المعارف، القاهرة، ط6، 2008م، ص: 377-378.

[9]–  المصدر السابق.

[10]– الاعتصام، الشاطبي (790)، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سليمان، الدار الأثرية، عمان، الأردن، ط2، 1428ھ-2007م، 1/165-166.

[11]– المصدر السابق، 1/165-166.

[12]– نفسه، 1/148-149.

[13]– مجموعة الفتاوي، ابن تيمية (ت728ھ)، تحقيق: فريد عبد العزيز الجندي، وأشرف جلال الشرقاوي، دار الحديث، القاهرة، د.ط، 1427ھ – 2006م، 10/500.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق