مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثشذور

في آداب الشاهد

في آداب الشاهد

يقول الفقيه العلامة عمر بن عبد العزيز الكرسيفي الإرغي السوسي(ت1214هـ) ذاكرا بعض ما ينبغي للمؤمن أن يستعمله في تصرفاته قولاً وعملاً من السنن النبوية وآداب الشريعة، التي رغب فيها الشارع الحكيم، ومن ذلك ما جاء في آداب الشاهد، قال:

«لا خفاء في شرف علم الوثائق أنه صَنْعَةٌ جليلة لما فيها من ضبط أمور المسلمين كما أمر الله به سبحانه، قال تعالى: (ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)، قال بعضهم: الإشارة إلى ما يدفع الله عن الناس بالشهود، في حفظ الأموال والأنفس والدماء والأعراض، وقد اشتق الله لهم اسماً من أسمائه الحسنى تكريماً لهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكرموا الشهود فإن الله يستخرج بهم الحقوق ويدفع بهم الظلم».

لكن وإن كانت كذلك ينبغي للعاقل الهروب منها طلباً للسلامة من بوائقها، فقد قال بعض الصالحين من أهل القرن الثامن: «ترك العدالة في هذا الزمان هي العدالة»، فما بالك بما بعد زمانه بكثير؛ وذلك لما فيها من الخطر بالتعرض لتعمير الذمة بحقوق الغير، بعد براءتها، لأنها عمدة الحاكم في إبراز الأحكام على الناس مع تشعب جزئيات وقائعها وكثرة الخدع في الناس، وفشوِّ الحرام، والعقود الفاسدة في معاملاتهم، فلا يكاد يَسْلمُ متعاطيها إلا من حفظ الله.

ثم إن اضطر إليها فشروطها أن يكون مسلماً حراً بالغاً عاقلاً سالم الحواس، متيقظاً غير مغفل ولا مخدوع، عدلاَ مرضياً من خيار الناس، مجتنباً للكبائر وأكثر الصغائر، حافظاً لمروءته بحسن السَّمت والتنزه على كل خُلُق ذميم، يرى أن من تخلق به لا يكون متحفظاً على دينه غالباً وإن كان جائزاً كالمداعبة ومخالطة الأراذل.
وينبغي له مع ذلك أن يكون له حظ من العربية وفقه الوثائق وعلم الفرائض والحساب وأسماء الأعضاء والنعوت وغيرها وحسن الخط والتَّرسُّل، وأن يقصد بها وجه الله تعالى ونفع عباده، وتصحيح عقودهم، لاَ مُتَّجِراً لجمع حطام الدنيا، فلا يأخذ عليه منهم شيئاً، فإن كان ولابد فما يستحقه على كَتْبِ الوثيقة لا فوقه، أو يشترط أولاً ما لا يجحف أو يَسْكُتْ، فإن أُعْطِيَ كثيراً عن طيب نفس قبله، وإن أعطي قليلاً صبر، ولا يُشَاحِحْ، وليطلب تمام حقه برفق، والصَّفْح أولى فقد أُعْطِيَ بعضُهم درهما فردّه وقال: لا، لا أستحق إلا ربعه، فقال له: ليس عندي ربعه، فقال: ائتني بأربع بيضات، ثم طلب منه الأداء وأعطاه شيئاً عليه فانتهره وقال: تعطون للناس حراماً، ومع هذا التحرز تبرأَ من العدالة فتركها واعتزل في بيته شُحّاً على دينه رحمه الله».

 

المصدر:

المؤلفات الفقهية الكاملة لعمر بن عبد العزيز الكرسيفي  (ص: 75- 76)، منشورات وزارة الأوقاف والشؤن الإسلامية بالمغرب، الطبعة الأولى (1427هـ/2006م).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق