مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثشذور

فوائد منتقاة من حديث: الصيام جنة

يقول القاضي أبو بكر ابن العربي المعافري تـ543هـ في باب جامع الصيام من كتابه المسالك شرح موطأ مالك:

هذا باب فيه فوائد كثيرة وأحاديث جمة:

الحديث الاول: قوله في حديث أبي هريرة: «الصيام جنة، فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل…» الحديث إلى آخره. فيه خمس فوائد:

الفائدة الأولى:

قوله: «الصيام جنة» أي يستجنّ به من النار.

قال الإمام: معناه أن يستره ويمنعه من الفواحش وما لا يليق بالذكر، ومن قال: إنه جنة من النار، فإن أخر هذا الحديث ينقض هذا التأويل.

الفائدة الثانية:

قوله: «فلا يرفث» الرفث هنا الكلام القبيح والشتم والخنا والجفاء، وأن تغضب صاحبك بما يسوء من القول والبذاء، ونحو ذلك.

الفائدة الثالثة:

قوله: «ولا يجهل» وهو قريب مما وصفنا من الشتم والسباب وقبح الكلام في القول، قال الشاعر:

ألا لا يجهلن احد علينا *** فنجهل فوق جهل الجاهلينا

واللغو هو الباطل، قال الله تعالى: ﴿وإذا مرّوا باللغو مروا كراما﴾ معناه قالوا: الباطل.

الفائدة الرابعة:

قوله تعالى: «فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم»؛ أي صومي يمنعني من مجاوبتك لأني أصون صومي عن الخنا والزور، والمعنى في المقاتلة مقاتلته بلسانه.

وروي في الصحيح، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله به حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».

ولا يعلن بقوله: إني صائم، لما فيه من الرياء واطلاع الناس عليه، لأن الصوم من العمل الذي لا يظهر، ولذلك يجزي الله الصائم أجره بغير حساب.

قال الإمام: قوله:«فمن شاتمك فلتقل: إني صائم» فيه وجهان من التأويل:

أحدهما: أن تقول ذلك في نفسك، فلا تجاوبه بشتم ولا غيره.

الثاني: أن تقولها مجاوبا له: إني صائم فلا أجاوبك.

والأول أولى لنفي الرياء.

الفائدة الخامسة:

قوله: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله به حاجة..» الحديث، معناه: الكراهية والتحذير، كما جاء: «من شرب الخمر فليشقص الخنازير» أي يذبحها، وليس هذا على الأمر بشقص الخنازير، ولكنه على تعظيم إثم شرب الخمر.

وكذلك من اغتاب أو شهد زوراً أو منكراً لم يؤمر أن يدع صيامه، ولكنه يؤمر باجتناب ذلك، ليتم له أجر صيامه.
 
كتاب المسالك في شرح موطأ مالك للقاضي أبي بكر بن العربي المعافري(ت 543هـ)، قرأه وعلق عليه: محمد بن الحسين السليماني وعائشة بنت الحسين السليماني، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى 1428هـ-2007م:(4/236-237).

إعداد: د.طارق طاطمي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق