مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثشذور

فضل العمل في أيام التشريق

يقول أبو الحسن ابن بطال في شرحه على صحيح البخاري في باب فضل العمل في أيام التشريق:

قال ابن عباس:﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات﴾ [الحج: 28]: أيام العشر، والأيام المعدودات: أيام التشريق، وكان ابن عمر، وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما، وكبر محمد بن علي خلف النافلة.

وعن ابن عباس قال عليه السلام:«ما العمل في أيام أفضل منها في هذه»، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال:«ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء».

وقال المهلب: العمل في أيام التشريق هو التكبير المسنون، وهو أفضل من صلاة النافلة؛ لأنه لو كان هذا الكلام حضّا على الصلاة والصيام في هذه الأيام لعارض قوله عليه السلام:«أيام أكل وشرب»، وقد نهى عن صيام هذه الأيام، وهذا يدل على تفريغ هذه الأيام للأكل والشرب واللذة، فلم يبق تعارض إذا عنى بالعمل التكبير.

وقوله:«يخاطر بنفسه»، يعنى يكافح العدو بنفسه وسلاحه وجواده، فيسلم من القتل أو لا يسلم منه، فهذه المخاطرة، وهذا العمل أفضل في هذه الأيام وغيرها، مع أن هذا العمل لا يمتنع صاحبه من إتيان التكبير والإعلان به.
وقوله:«فلم يرجع بشيء»، يحتمل أن لا يرجع بشيء من ماله ويرجع هو، ويحتمل أن لا يرجع هو ولا ماله فيرزقه الله الشهادة، وقد وعد الله عليها الجنة.

وقد اختلف العلماء في الأيام المعلومات فقال بقول ابن عباس: أنها أيام العشر: النخعى، وبه قال الشافعى، وقال: وفيها يوم النحر، وروى عن على، وابن عمر أن المعلومات يوم النحر ويومان بعده، وبه قال مالك، قال الطحاوى: وإليه أذهب لقوله تعالى:﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾[الحج: 28]، وهى أيام النحر.

قال المهلب: إنما سميت معلومات ؛ لأنها عند الناس كلهم معلومة للذبح، فيتوخى المساكين القصد فيها فيعطون.

وأما المعدودات فعامة العلماء على أنها أيام التشريق الثلاثة بعد يوم النحر كما قال ابن عباس، وإنما سميت معدودات، والله أعلم، لقول الله تعالى:﴿واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه﴾[البقرة: 203 ]، يعنى فمن تعجل في النَّفْرِ من منى، فنفر في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فَنَفَر في اليوم الثالث فلا إثم عليه.

وقيل: إنما سميت أيام التشريق معدودات؛ لأنه إذا زيد عليها في البقاء كان حصراً لقوله عليه السلام:«لا يبقين مهاجر بمكة بعد قضاء نسكه فوق ثلاث».

وأما خروج ابن عمر، وأبى هريرة إلى السوق وتكبير الناس بتكبيرهما، فقالت طائفة به، والفقهاء لا يرون ذلك، وإنما التكبير عندهم من وقف رمى الجمار؛ لأن الناس فيه تبع لأهل منى كما قال مالك.

وأما تكبير محمد بن على خلف النافلة، فهو قول الشافعي، وسائر الفقهاء لا يرون التكبير إلا خلف الفريضة .

شرح صحيح البخارى لابن بطال، لأبي الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال البكري القرطبي:(2/561-563)، نشر مكتبة الرشد-الرياض، 1423هـ – 2003م، ط2، تحقيق أبو تميم ياسر بن إبراهيم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق