مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكمعالم

عندما يلتقي النبوغ العلمي بجمالية السمت والهندام

           يأسرنا جامع القرويين العامر ببنائه، يأسرنا بهندسته يأسرنا بفسيفسائه، يأسرنا “بخَصَّاته”، يأسرنا بعبق التاريخ في جنباته، وسيظل يأسرنا في كل مرة نتذكر فيها أن موطيء أقدامنا كان في يوم من الأيام موطئ قدم العديد والكثير من العلماء الأفذاذ والفقهاء الأعيان والشيوخ فرسان كل ميدان من ميادين العلوم بكل الصنوف والأشكال، يقول سيدي أحمد بنشقرون:

              وجـامعٍ مــنــذ زمـانٍ سـالـفِ           فـهــريةَ بـنـتـه للــمــعــارفِ

              فــظـلَّ منذ الألـْفِ، بل ونيّـف          وزِيدَ قرنٌ بعـد ذاك الـنّـَيــفِ

              مـشـتـغلا بالدرس، والتصوف          مــتّـَزِيا بالــعــلم والــتَّعـرفِ

              والحلقـاتُ في الصَّباح، والمَسَا          معـقـودةٌ لـبَحْـرِ عـلـمٍ دُرسَـا

              وبين مغرب، ومن قَـبْلِ عـشا          يُزِيح عالمٌ عنِ الفِكْر، العَـشَا[2]

              وقـبـل فـجـر، وطـلـوعِ شمـس          يـجـود عـــالــم لـنـا بــدرس

              وربـمـــا اســـتــمــر للـــزوال         بعــون مـولانا عـلـى المـقـال

         بالـعـقـل والـنـقـل يـفـوه الـقائل         و بـهـما دوما يفـوز الـسـائـل

       وكـل عــــالــم يــجـــود أبـــدا          بـعـلـمـه لـمن يَـهِـيـم بالهـدى

             ويضيف قائلا:

             بـجـامـع جـمـع كـل خــــيــرٍ            لـيلَ نهـار: زاخـــر كالـبحـر

             فـبـعـضـهـم مـفسـر مـشـهـور           وبـعـضهـم محـدث مشـكـور

             وبـعـضـهـم مـهـنـدس[3] مـفـيد           والــفـرضـيُّ بـيـنـهـم عــمـيد

             وسـيـرة الـنـبـي فـي الـمـقــام           لـها الـتّـَرَبـعُ عــلى الــسَّـنَـامِ

             وفـقـهُ مـالكٍ هـو الـمعــتـمــد           وكـلهــم فـيـه فـقـيـهٌ مـرشــدُ[4]

         إن الحديث عن علماء القرويين وفقهائها قد لا تكفينا فيه بضع صفحات، وقد تجف أقلامنا ونحن لم نوف ولو جزءا من علمهم ناهيك عن سمتهم وحلمهم، إلا أن هناك جانبا لافتا للنظر ينم عن ذوق رفيع، هو جانب عناية علماء القرويين بهندامهم، وهذا لا يعني الحديث عنه من جهة غلاء أثمان ما كانوا يرتدونه من لباس ولا من جهة فخامتها، ولكن من جهة تناسقها وأناقتها وجماليتها، ومناسبتها لمقام حلقات العلم، أو الإفتاء، أو غير ذلك…. فقد “اعتاد العلماء في المغرب… أن يتخذوا لباسا خاصا بهم، يعتمد على الكساء (الحايك)، والبرنس أو(السلهام) كما يسمونه في المغرب”[5]، ومن المعلوم أن اللون الأبيض قد ميز لباس علماء القرويين وهو ما ميز المغرب منذ أمد بعيد بل وحتى بلاد الأندلس التي ظل شعارا لها ليس فقط “في المناسبات السارة، ولكن أيضا في المناسبات الأخرى.”[6]، ومن هنا كان العلماء الذين يتصدرون للإمامة والفتوى وخطبة الجمعة وغيرها من المناصب الدينية عبر العصور يتميزون بلباس أنيق  يليق بهم شكلاً ونظافة وجمالاً، ليكونوا محط أنظار الناس تقديراً واحتراماً واستفادة.

            لقد كان (البياض) صفة مميزة للطبقة العالمة، وشتان بين البياض والسواد، يقول سيدي أحمد بن شقرون:

            قد كـثرت به كـراسي النـور           مـن عــالــم لـعــالــم مــشـهــور

            واحـتـرمت به حـياة الـسنـد            أعــني حـياة الـعـلم مـنــذ الأبــد

            وعـرَّف الـناس بكـل عــالم            ما ابْيَّض من كسـىً ومن عمائـم[7]

          لقد “كان علماؤنا في اتخاذ شعارهم متأثرين من غير شك بتوجيه الدولة وتعليماتها، على الأقل فيما يتعلق باللون المستعمل، ولقد كان من مميزات المملكة المغربية غداة استقلالها … أن اتخذت لها شعارات خاصة كان في هذه الشعارات ما يمس المذهب والعقيدة بيد أن فيها ما كان يخص المظهر … ولما كان اللون الأسود من خصائص العباسين، اختار المغاربة اللون الأبيض، ومن المصادفات أن يتفق الذوق الأندلسي والمغربي على هذا الاختيار، وقد سارت على هذا الدولُ  المتعاقبة على الحكم بالبلاد واحترمته بدقة، وانطلاقا من هذا نرى العلماء يقبلون جميعهم على البياض. وإذا ما تتبعنا أنماط الملابس التي قدمت إلى العلماء من الأمراء عند توليتهم، أو التي خلفوها وراءهم، فإننا لابد أن تجد “البرنس الأبيض”، … ويخطئ من يدعي أن العلماء كانوا لا يعرفون التأنق في اللباس، أو بالأحرى كانوا لا يهتمون بمظهرهم الخارجي[8]، وكانت البزة والملابس تعني في صدر ما تعني البرنس و الحايك، وسنسمح لأنفسنا باقتباس عبارة رسول السلطان أبي عنان إلى الفقيه العالم أبي الحجاج الأنفاسي، وقد بعث مع الرسول إلى العالم المذكور ببرنس وحائك أبيضين عند تعيينه على منبر القرويين، هذه العبارة كانت جوابا عن اعتذار الفقيه وامتنانه، قال له الرسول: “إنما قصد مرسلها التنويه بأهل العلم مثلك، ولأجل أن يمتاز أهل الخطط من غيرهم…”[9].

          ويصح أن نذكر أن لبسة الملوك المغاربة أيام الجمع والأعياد والمناسبات تعتبر اللبسة المثالية للعلماء الأقدمين ليس في المواسم المفرحة وحدها، بل في المناسبات الأخرى كذلك، لأنهم يرون فيه تعبيرا عن البسمة بما يعكسه من صفاء وبريق، كما يرون فيه تعبيرا عن البساطة التي تقتضيها مظاهر الحداد”[10].

           ومن حسن اعتناء علماء القرويين بهندامهم اقتناؤهم لأشكال مختلفة من العطور والطيب وإلى هذا يشير الدكتور عبد الهادي التازي بقوله: “وإلى جانب اللباس نشير إلى نوع الطيب المحبب للعلماء والذي كانوا يتبارون في اقتنائه، وهو عود القماري المستعمل حتى الآن في بيوتات  المغرب جميعها، لا تفترق في ذلك شهور الإفطار عن شهر الصوم، حتى لقد ألف في جواز ذلك الملوك من العلماء الذين ينتسبون إلى القرويين والذين كانوا يجدون في التهادي به تعبيرا عن حسن القصد ولطف المعشر”.[11]

         لقد حرص علماؤنا الأجلاء على الاعتناء بهندامهم، وهو مطلب محمود يستدعيه مقام طلب العلم أو الفتوى أو غيرها، وهو تقليد تمت المحافظة عليه حتى يومنا، وينبغي أن يتميز به العلماء والدعاة وأهل الرأي، ولا غرابة في ذلك فقد كان الإمام مالك رضي الله عنه لا يجلس للحديث إلا إذا لبس الحسن وتطيب بالأحسن  تعظيما لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم ولحلقات الدرس، “قال الزبيري: كان مالك يلبس الثياب العدنية الجياد والخرسانية والمصرية المرتفعة البيض ويتطيب بالطيب الجيد المسك وغيره، ويقول ما أحب لأحد أنعم الله عليه إلا ويرى أثر نعمته عليه وخاصة أهل العلم، وكان يقول ما أحب للقارئ أن يكون أبيض الثياب”[12]، وقال أشهب: كان مالك يستعمل الطيب الجيد المسك وغيره.”[13]

       


[1] – السمت: هيئة أهل الخير، يقال: ما أحسن سمته أي هديه، وفي حديث عمر رضي الله عنه: فينظرون إلى سمته وهديه أي حسن هيئته ومنظره في الدين.لسان العرب مادة سمت، و السمت الحسن : هو حسن الهيئة والمنظر، وأصل السمت الطريق ثم استعير للزي الحسن والهيئة المثلى في الملبس وغيره من السيرة المرضية والطريقة المستحسنة.

[2]– العَشا: ظلمة البصر، واستعير لظلمة الفكر بالجهل، هامش ص 15-16  من أرجوزة من زهر الآس لأحمد بن شقرون.

[3] – “لم يكن الجامع مقتصرا على تعليم العلوم الشرعية فقط، بل كان يساهم في تدريس غيرها من الفنون الأخرى، التي يحتاج إليها المتعلم في دنياه، كالهندسة.”أنظر هامش الصفحة 18 من “أرجوزة من زهر الآس عن جامع القرويين بفاس عبر القرون”، لسيدي أحمد ابن شقرون.

[4] – أرجوزة من زهر الآس عن جامع القرويين بفاس 15.

[5] – انظر جامع القرويين للدكتور عبد الهادي التازي 2/438

[6] – انظر جامع القرويين للدكتور عبد الهادي التازي 2/438.

[7]– أرجوزة من زهر الآس عن جامع القرويين بفاس عبر القرون، ص27.

[8]– مثلا: “جبر الله بن القاسم لا يجلس لإعطاء دروسه إلا وهو يرتدي برنسه، وكان الأستاذ السلالجي حسن البزّة، وورد في ترجمة العلامة الخطيب عبد الله بن موسى أنه كان يرتدي البرنس الأبيض حين يظهر للمستمعين إليه وورد في ترجمة ابن البناء أنه كان يلبس الملابس الرفيعة حين كان يلقي دروسه أنظر الأنيس المطرب 47، زهرالآس ،58  وجذوة الاقتباس73.

[9] – جامع القرويين المسجد والجامعة بمدينة فاس موسوعة لتاريخها المعماري لعبد الهادي التازي 2/438.

[10]– جامع القرويين المسجد والجامعة بمدينة فاس موسوعة لتاريخها المعماري. عبد الهادي التازي 1/125- 126.

[11]– جامع القرويين المسجد والجامعة بمدينة فاس موسوعة لتاريخها المعماري لعبد الهادي التازي 2/439.

[12]– ترتيب المدارك 1/51.

[13]– ترتيب المدارك 1/51.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق