مركز الدراسات القرآنيةدراسات عامة

عربية القرآن الكريم

تدرس اللسانيات الحديثة التغير الدلالي أو التطور الدلالي فيما يسمى بعلم الدلالة التاريخي. وهو محاولة لتقعيد التغيرات التي تحدث للمعنى مع مرور الزمن، وقد لاحظ علماء اللغة أن التغير الدلالي يحدث تدريجيا في أغلب الأحوال[1]، ذلك أن نفس الكلمات بسبب تطور اللغة خلال الزمن تكتسب معنى آخر وتشرح فكرة أخرى، وعلى هذا فإن تغير المعنى هو تغيير الكلمات لمعانيها[2].

ولكن الملاحظ في القرآن الكريم أنه حينما أنزله الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم حمل الألفاظ العربية معاني لم تكن معهودة عند الإنسان العربي القديم. نعم، إنه نزل ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين﴾ [سورة الشعراء/ الآية: 195] ولكن عربيته كانت جديدة في كل شيء قام ببيانه.

 إن الذي أبهر العربي وهو يسمع القرآن الكريم ـ إضافة إلى أسلوبه الرائع ـ هو المعاني الجديدة التي استعمل فيها القرآن الكريم الألفاظ التي يعرفها العربي، ولكن حين استعملت في سياق القرآن الكريم أعطت دلالات لم يعهدها العربي في كلامه. إنها معاني قال عنها القرآن الكريم: ﴿مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ﴾[هود:49] وهي معان نزلت من السماء لإصلاح حال أهل الأرض.

فهل يمكن الاعتماد على المعجم العربي لتفسير ألفاظ القرآن الكريم؟

قلنا سابقا إن القرآن قد أحدث قفزة كبيرة في استعمال الألفاظ العربية، وذلك بتحويل دلالة ألفاظ اللغة العربية من الاستعمال العربي البسيط إلى نسق مخالف لاستعمال الشاعر الجاهلي والأديب الجاهلي، ولهذا فإن الدعاوى التي تدعو إلى تفسير ألفاظ القرآن الكريم بالرجوع إلى اللغة والشعر الجاهلي وحدهما دعاوي ضعيفة تحتاج إلى حجة، ويستدلون على ذلك بأن القرآن عربي، وأن الإنسان العربي قد فهم القرآن دون حاجة إلى ضوابط تفسيرية.

ويستدلون أيضا بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «أيها الناس تمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم، فإن فيه تفسير كتابكم»[3].

إنني لا أنفي قيمة هذا الشعر وأثره في فهم ألفاظ القرآن الكريم بل أقول إنه مستوى واحد فقط من مستويات تحليل الخطاب القرآني. فلا يمكن الاعتماد عليه وحده دون وضع النص الذي نريد تفسيره في السياق العام للشريعة الإسلامية بما في ذلك القرآن والحديث النبوي الشريف.

إن اللغويين الذين حاولوا تفسير القرآن الكريم بمعزل عن مراعاة السياق الذي استعمل فيه القرآن الكلمة وقعوا في أخطاء جسيمة.

إن المفسر لابد أن يستحضر دائما في ذهنه أن المخاطِب بالقرآن الكريم هو الله سبحانه وتعالى، فاللفظ إنما هو وسيلة لتحصيل المعنى ولهذا فدلالات الألفاظ تختلف حسب السقف المعرفي للمتكلم، والمتكلم بالقرآن هو الله تعالى فعلمه علم مطلق، ولذلك فالفرق بين الدلالات التي يحملها اللفظ حين يستعمل في القرآن وحين يستعمل في الشعر الجاهلي كالفرق بين المطلق والنسبي، فالنسبي لا يمكن أن يحيط بالمطلق أبداً، ولهذا فالاعتماد عليه وحده يحجم المعاني العظيمة التي يحملها القرآن المجيد.

قال الإمام الشاطبي رحمه الله: «ومنها أن يكون الاعتناء بالمعاني المبثوثة في الخطاب هو المقصود الأعظم، بناء على أن العرب إنما كانت عنايتها بالمعاني، وإنما أصلحت الألفاظ من أجلها، وهذا الأصل معلوم عند أهل العربية، فاللفظ إنما هو وسيلة إلى تحصيل المعنى المراد، والمعنى المقصود، ولا أيضا كل المعاني، فإن المعنى الإفرادي قد لا يعبأ به، إذا كان المعنى التركيبي مفهوما دونه»[4].

إن اللفظ قد يكون موضوعا في اللغة لمعنى معين أو يدل عليه لغة وإن لم يوضع له، لكن مراد الله تعالى قد يكون غير ذلك والأمثلة على ذلك كثيرة نذكر منها:

قال أبو عبيد معمر بن المثنى في كتابه «مجاز القرآن» عندما أراد تفسير قول الله تعالى: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [سورة الواقعة/الآية: 29]، قال: زعم المفسرون أنه الموز، وأما العرب الطلح عندهم شجر عظيم كثير الشوك. وقال الحادي:

بشرها دليلها وقالا…. غدا ترين الطلح والحبالا [5]

إن صاحب مجاز القرآن فسر اللفظة تفسيرا لغويا بحتا، ولم يراع الاستعمال القرآني للكلمة ولا السياق الذي وردت فيه. ولو أنه استعمل المنهج السياقي في التفسير ونظر إلى السابق واللاحق لعلم أن الآية مسوقة مساق الامتنان؛ فالله تعالى ذكر مننه العظيمة على عباده المؤمنين في الجنة، فكيف يمتن عليهم بشجر كثير الشوك، فالشوك لا يعد من النعم في شيء.

وسياق الآية هو: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ اليَمِينِ، فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ، وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ، وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ، وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ، لاَ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ، وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ، اِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً، فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا، عُرُبًا اََتْرَابًا، لأَصْحَابِ اليَمِينِ﴾ [سورة الواقعة/الآيات: من29 إلى40] فسياق الآية يبين أن الله تعالى قد امتن على أصحاب اليمين بـهذه النعم الكثيرة.

محورية السياق في تفسير ألفاظ القرآن:

إن المنهج القويم في التعامل مع القرآن الكريم هو وضع اللفظ المراد تفسيره في السياق العام كما قلنا آنفا. وهذا السياق العام تحتل فيه الرواية عن الصحابة رضوان الله عليهم مكانها، ولهذا حين فسر شيخ المفسرين الإمام الطبري رحمه الله، هذه اللفظة (الطلح) قال: «وأما الطلح فإن معمر بن المثنى كان يقول: هو عند العرب شجر عظام كثير الشوك وأنشد لبعض الحداة:

بَشَّرها دليلُها وقَالاَ … غَداً تَريْنَ الطَّلْحَ والحِبَالا

وأما أهل التأويل من الصحابة والتابعين فإنهم يقولون إنه هو الموز».. ثم ذكر ما روي عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب ومجاهد وعطاء رضي الله عنهم جميعا[6].

ونلاحظ هنا أن التفسير اللغوي قاصر عن فهم المعنى القرآني للفظة (طلح) وأنه لا ينسجم مع سياق النص القرآني، بيد أننا نجد أن الرواية منسجمة تماما مع السياق العام.

ومن الأمثلة التي اعتمد فيها معمر بن المثنى أيضا على مجرد اللغة دون مراعاة لأقوال السلف وللسياق قوله في تفسير قول الله تعالى في سورة يوسف: ﴿ثُمَّ يَاتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [سورة يوسف/الآية: 49] فعند تفسيره لكلمة (يعصرون) قال[7]: «أي: به ينجون وهو من العصر وهي العصرة أيضا، وهي المنجاة، قال:

………………..    …    وَلَقَدْ كَانَ عُصْرَةَ المَنْجُودِ

أي: المقهور المغلوب. وقال لبيد[8]:

فَبَاتَ وَأَسْرَى الْقَوْمُ آخِرَ لَيْلِهِمْ … وَمَا كَانَ وقافًا بِغَيْرِ مُعَصَّرِ

وقد اعتمد أبو عبيدة على اللغة في تفسيره لهذه الآية، لأن أصحاب اللغة يذكرون أن العَصَر ـ بالتحريك ـ هو الملجأ والمنجاة وكذلك العصرة[9].

أما صاحب المفردات فقد فسرها تفسيرا ملائما لسياقها حين قال: «وفيه يعصرون أي يستنبطون منه الخير»[10].

الملاحظ هنا أن التفسير اللغوي لم يصب في بيان معنى الآية ولم ينسجم مع سياق النص الذي يفيد أن هذا العام هو عام خيرات وبركات حتى إن الناس يعصرون الفواكه لكثرتها ووفرتها[11].

ولقد اشتد نكير الطبري على من فسر الآية هذا التفسير فقال: «وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل ممن يفسر القرآن برأيه على مذهب كلام العرب يوجه معنى قوله تعالى: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ إلى وفيه ينجون من الجدب والقحط بالغيث، ويزعم أنه من العصر، والعصر التي بمعنى المنجاة من قول زبيد الطائي:

صَادِيًا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغَاثٍ … وَلَقَدْ كَانَ عُصْرَةَ المَنْجُودِ

أي المقهور ومن قول لبيد:

فَبَاتَ وَأَسْرَى الْقَوْمُ آخِرَ لَيْلِهِمْ … وَمَا كَانَ وقافًا بِغَيْرِ مُعَصَّرِ

وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين»[12].

نستخلص مما سبق أن المعنى اللغوي لا يكفي لتفسير القرآن الكريم بل لابد من ملاحظة التحول الذي طرأ على الألفاظ العربية في سياق القرآن الكريم.

1 2الصفحة التالية
اظهر المزيد

د. إبراهيم أصبان

• دكتوراه الدولة في الدراسات الإسلامية.
في موضوع: “أثر السياق في تفسير القرآن الكريم”.

• أستاذ التعليم العالي بجامعة الحسن الثاني عين الشق، الدار البيضاء.

• خريج جامعة الإسكندرية قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق