مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثشذور

صَوْم شَعْبَان

يقول أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال البكري القرطبي (ت449هـ) في شرحه على صحيح البخاري، في شرح الحديثين الواردين في باب صوم شعبان من كتاب الصوم، قال:

فيه عن عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ:(كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لا يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ النبى اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِى شَعْبَانَ)، وَقَالَتْ أيضًا:(لَمْ يَكُنِ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، وَكَانَ يَقُولُ:«خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وأحب الصلاة إلى النبي  صلى الله عليه وسلم ما دووم عليه وإن قلت، وكان إذا صلى صلاة داوم عليه».

قال المهلب : فيه من الفقه أن أعمال التطوع ليست منوطة بأوقات معلومة، وإنما هى على قدر الإرادة لها والنشاط فيها.

وقد روى فى بعض الحديث أن هذا الصيام الذى كان يصوم فى شعبان كان لأنه عليه السلام يلتزم صوم ثلاثة أيام من كل شهر، كما قال لعبد الله بن عمرو؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، فذلك صيام الدهر، فكان يلتزم ذلك، فربما شغل عن الصيام أشهرًا فيجمع ذلك كله فى شعبان ليدركه قبل صيام الفرض.

وفيه وجه آخر، ذكر الطحاوى، وابن أبى شيبة من حديث يزيد بن هارون، عن صدقة بن موسى، عن ثابت، عن أنس، قال : سئل رسول الله أى الصوم أفضل ؟ قال:«صوم شعبان تعظيمًا لرمضان».

وفيه وجه آخر، ذكر الطحاوى من حديث ابن مهدى، قال : حدثنا ثابت بن قيس أبو الغصن، عن أبى سعيد المقبرى، عن أسامة بن زيد، قال : كان رسول الله يصوم يومين من كل جمعة لا يدعهما : يوم الاثنين والخميس، فقال عليه السلام:«هذان يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، فأحب أن يعرض عملى وأنا صائم»، قال : وما رأيت رسول الله يصوم من شهر ما يصوم من شعبان، فسألته عن ذلك، فقال:«هو شهر ترفع فيه الأعمال لرب العالمين، فأحب أن يرفع عملى وأنا صائم».

وقول عائشة فى حديث يحيى، عن أبى سلمة، بأنه كان يصوم شعبان كله، فليس على ظاهره وعمومه، والمراد أكثره لا جميعه، وقد جاء ذلك عنها مفسرًا.

روى ابن وهب عن أسامة بن زيد، قال : حدثنى محمد بن إبراهيم، عن أبى سلمة، قال:«سَأَلت عائشة عن صيام رسول الله، فقالت:(كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وكان يصوم شعبان، أو عامة شعبان).

وروى عبد الرزاق عن ابن عيينة، عن ابن أبى لبيد، عن أبى سلمة، قال: سألت عائشة عن صيام رسول الله…) فذكرت الحديث، وقالت:(ما رأيت رسول الله أكثر صيامًا منه فى شعبان، فإنه كان يصومه كله إلا قليلاً).
وهذه الآثار تشهد لصحتها رواية أبى النضر عن أبى سلمة، عن عائشة:(أنه ما استكمل صيام شهر قط إلا رمضان)، ومنها حديث ابن عباس الذى فى الباب بعد هذا، فهى أولى من رواية يحيى عن أبى سلمة، وقوله:(فإن الله لا يمل حتى تملوا).

فإن الله تعالى لا يجوزعليه الملل، ولا هو من صفاته، وإنما سمى المجازاة باسم الفعل، وهذا هو أعلى طبقات الكلام، وقد تقدم بيان هذا بزيادة فيه فى كتاب الإيمان فى باب : أحب الدين إلى الله أدومه، وفى آخر كتاب الصلاة فى باب : ما يكره من التشديد فى العبادة.

شرح صحيح البخاري لأبي الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال البكري القرطبي:(4/115-117)، تحقيق أبو تميم ياسر بن إبراهيم، ط2، مكتبة الرشد- السعودية-الرياض- 1423هـ/2003م.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق