مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

صور تنزيلية لأصل ما جرى به العمل7

د/مولاي ادريس غازي

باحث بمركز دراس بن اسماعيل

– الوجه الرابع: أن هذه الفتوى مبنية على أصل مقصدي مقطوع باعتباره في المذهب، وهو رعي المصالح عموما، كما أن فيها إعمالا لقاعدة مقصدية خاصة وهي درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وحاصل النظر في مسألة النازلة أن مصلحة الإبقاء على الحبس وضمان استمراره تعارضها مفسدة هلاك المحبس عليهم وذهاب حياتهم، ولا شيء أدرء لهذه المفسدة العظمى من القول بجواز البيع وصرف الثمن في ما يستنقذ حياة المحبس عليهم، بل إن في هذا الدرء تحصيل لمصلحة أعظم وآكد في الاعتبار وهي حفظ النفس، وهي ولا شك مقصودة للمحبس بحبسه بالأصالة، يقول الوزاني مبينا هذا الوجه: “وبيان ذلك أن قصد المحبس هو حصول الثواب على الدوام من هذا الحبس، والثواب الذي يحصل له بشبع المساكين أكثر من الثواب الذي يحصل له إذا ماتوا وانتفع غيرهم بهذا الحبس، لأن ثواب الواجب أعظم من غيره بكثير، كما في الصحيح: ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه. وحاصله أن استمرار النفع بالحبس غايته أن يكون كالصدقة، وهي مستحبة فقط، وإحياء نفوس المساكين واجب، فكيف يعدل عن الواجب إلى المستحب وهو قول ابن محسود، وحياة أنفسهم أعظم عند الله من بقاء الأرض بعد هلاكهم، إذ معناه أن إحياء نفوس هؤلاء المساكين في المسغبة هو أنفع للمحبس وأعظم أجرا له من بقاء النفع بالحبس، بل لو كان المحبس حيا لوجب عليه مواساتهم بماله وإنقاذهم من الهلاك”[1].

ويزيد هذا التقرير إيضاحا وتأكيدا قول الشيخ سيدي عبد القادر الفاسي:

“وفيما علقه شيخنا العارف أبو زيد عبد الرحمن بن محمد الفاسي على مختصر خليل من باب الحبس مانصه: ولا أعرف مستندا لتلك الفتوى، ولعلها اجتهاد في تلك النازلة فلا تتعداها لمماثلها كما يأتي في القضاء، والله أعلم.

نعم مستندها في الجملة اعتبار المصالح المرسلة وهو أصل مذهب مالك، بل المصلحة في ذلك ضرورية فهي أولى بالاعتبار من المرسلة كما تقرر في الأصول، فتنبه لذلك، ولو لم يسلم ذلك فيها لكون الضرورة غير كلية، فلا أقل من كونها مرسلة، وهي جارية على قاعدة ارتكاب أخف الضررين”[2].

والحاصل من هذا البيان والتفصيل أن قاعدة مراعاة القصد في الأحباس دون اللفظ التي جرى بها العمل، ذات تجليات وتطبيقات مختلفة، الأمر الذي يصح القول معه أن العمل المذكور ذو طابع منهجي إجرائي، إذ يقوم مقام القاعدة الكلية التي يندرج فيها كثير من الصور والجزئيات التي تحقق مناطها وتنضبط بمقتضاها، مثلما يقوم مقام الوسيلة التي تفيد المجتهد في هذا التحقيق وذلك الضبط، كما هو واضح ولائح من النماذج التي سقت على سبيل الايضاح والتمثيل وحسب.

 

 


[1] – تحفة أكياس الناس ص 422-423.

[2] – انظر النوازل الكبرى للوزاني 8/505، وتحفة أكياس الناس، ص 424.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق