وحدة المملكة المغربية علم وعمرانأعلام

سيدي أحمد البدوي

د. جمال بامي

مدير وحدة العلم والعمران بالمغرب

      في مدينة طنطا في دلتا مصر، يوجد مسجد عظيم يدعى مسجد سيدي البدوي نسبة إلى الشيخ الجليل سيدي أحمد البدوي الفاسي، الذي اختار مصر دارا ومستقرا، وأسس بها مدرسة صوفية ذاع صيتها مشرقا ومغربا، فمن هو هذا المغربي الذي ربط بين مصر والمغرب عبر مسلك التربية والصلاح.

      هو سيدي أحمد بن علي بن إبراهيم، وينتهي نسبه إلى الإمام الحسين رضي الله عنه حسب كثير من علماء التراجم، عرف بالبدوي لكثرة تلثمه، وبالشيخ أبى الفتيان الشريف العلوي السيد أحمد، ولد سنة 596هـ بمحروسة فاس، وعاش حوالي 79 سنة.

      قيل في مناقب السيد البدوي أنه لما بلغ سبع سنوات، سمع أبوه مناديا في منامه يقول له : “يا علي انتقل من هذه البلاد إلى مكة المشرفة؛ فإن لنا في ذلك شأنا”، فسافرت العائلة  إلى مكة وأقاموا بها مدة واشتهر أحمد البدوي فيها بالشجاعة وسمي بالعطاب، أقرأه أخوه القرآن وهو في الحادية عشرة من عمره، وأجاد فن التجويد، وأتقن علم القراءات، واشتغل بالفقه على مذهب الإمام الشافعي، ثم انتابته أحوال، واعتزل الناس، ولزم الصمت، وكان لا يتكلم إلا بالإشارة، وكان كثير الصيام والتبتل، ويذكر الشعراني في طبقاته أن البدوي رأى رؤية قيل له فيها: “أَن سِر إلى طنطا؛ فإنك تقيم بها وتربي رجالا وأبطالا، عبد العالي وعبد المحسن وعبد المجيد وعبد الرحمن”، كان ذلك سنة 633هـ.

       عاصر سيدي أحمد البدوي من الحكام بمصر الملك الكامل والملك العادل والملك الصالح أيوب، وشجرة الدر، والمعز أيبك والمنصور، والسلطان قطز، والظاهر بيبرس، وكان الظاهر بيبرس يجله ويزوره.

      سافر أحمد البدوي  صحبة أخيه حسن من مكة باتجاه العراق وجالا في البلاد، ثم عاد حسن إلى مكة وبقي أحمد البدوي بالعراق، ثم لحق بأخيه بمكة المكرمة ولزم الصيام والقيام، وفى أكثر أوقاته يكون شاخصا ببصره إلى السماء، ثم سار من مكة سنة 634هـ قاصدا مصر، وأقام بطنطا منذ شهر ربيع الأول سنة 637هـ، ونزل في دار شيخ يدعى ابن شخيط، فصعد إلى سطح غرفته، وكان طول نهاره وليله شاخصا بصره إلى السماء، ولا يأكل أو يشرب أو ينام، ولم ينزل من السطح مدة اثنتا عشرة سنة ولذلك لقب بالسطوحي حسب معظم كتب المناقب خصوصا المتأخرة منها.

      من أتباع سيدي أحمد البدوي المشاهير الذين لازموه منذ الصغر سيدي عبد العال وسيدي عبد المجيد، وكان سيدي عبد العال يأتي إليه بالرجل أو الطفل فيطل سيدي أحمد البدوي برأسه من مجلسه فينظر إليه نظرة واحدة فيملؤه مددا، ويحدث في نفسه تأثيرا، وكان أتباع الشيخ أحمد البدوي يسمون أصحاب السطح. وممن تبع الشيخ البدوي من الأشياخ العلماء قاضي القضاة الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، وما أدراك ما دقيق العيد، وكان هذا الأخير ينكر حال السيد البدوي في أول أمره، وذات مرة أرسل ابن دقيق العيد إلى الإمام عبد العزيز الدريني، وقال له: امتحن هذا البدوي الذي اشتغل الناس بأمره في هذه المسائل؛ فإن أجابك عنها فإنه ولي من أولياء الله تعالى، فمضى إليه الشيخ عبد العزيز الدرينى وسأله عن مسائل علمية، فأجاب السيد البدوي أجوبة حسنة دقيقة، ولم يكتف بذلك بل دلهم بدقة شديدة على المصادر التي استقى منها أجوبته، وهذه الرواية مخالفة لما أوردته الأستاذة رحمة بورقية في مقالها: “رحلة التصوف سيدي أحمد البدوي من فاس إلى طنطا”، ضمن التواصل الصوفي بين مصر والمغرب، منشورات كلية الآداب، المحمدية 2000 من أن الكتب التي دونت سيرة أحمد البدوي “لا تعترف له بمقدرات علمية كبيرة، كما أنه لم يترك تراثا فكريا يذكر، في هذه الحال كان يعترف له بعلم عملي، لكنه استحق القطبية؛ لأنه كما يقول سعيد عاشور في كتابه “سيدي أحمد البدوي”، ص: 117: “كان رجلا عظيما حقا، وأنه ترك تراثا روحيا ضخما، ولكن هذا التراث في نظرنا لا يكمن في مؤلفات ألفها أو كتب دونها بقدر ما يكمن في مثاليته الخلقية والروحية وأسلوبه في الحياة”.

      أحب سيدي أحمد البدوي الطبيعة والفروسية والخيل والمنازلة، وسماه فرسان مكة في وقتها، “أبو الفتيان”، وينسجم كل هذا في نظري مع اعتزاله وخلوته بجبل أبي قبيس بإيعاز من الشيخ بري أحد تلاميذ الشيخ أبي النعيم من أصحاب سيدي أحمد الرفاعي.

      تعتبر رحلة أحمد البدوي إلى العراق سنة 633هـ ذات دلالة كبرى، نفهم ذلك إذا عرفنا لقاءه التاريخي مع قطبي العراق الإمامين الرفاعي والجيلاني، وتجمع كتب المناقب على حوار رمزي دار بين البدوي وقطبي العراق بحيث عرضوا عليه “مفاتيح الأقطار” فقال قولته الشهيرة: “لا آخذ المفتاح إلا من حضرة الفتّاح” ثم عاد إلي مكة سنة 635هـ قبل أن يسافر إلى طنطا.

      استقبل أهل طنطا أحمد البدوي استقبالا كبيرا، وقد قضى وقتا طويلا فوق السطوح كما مر معنا حتى لا يحجبه شيء عن السماء، لذلك سمي السطوحى، وكان يربي المريدين حتى يستقيموا فيرسلهم للدعوة في مناطق مصر والشام واليمن، ومعلوم أن الشيخ أحمد البدوي حضر إلى المنصورة ومريديه إبان الحروب الصليبية، وراج اعتقاد عند الناس أنهم عندما كانوا يجدون أسرى الصليبين مكبلين بالسلاسل على المآذن ويقولون في ذلك الله الله يا بدوي جاب الأسرى، وقد اثبت هذه القصة الإمام الشعراني في “طبقاته”.

      من أقوال السيد البدوي: “من لم يكن عنده علم لم تكن له قيمة، ومن لم يكن عنده حلم لم ينفعه علم”، وكان يقول: “أنا زيت من لا زيت له”، وقوله: “عليك بكثرة الذكر، وإياك أن تكون من الغافلين، وإياك وحب الدنيا؛ فإنه يفسد العمل كما يفسد الخل العسل”، ونقرأ في “دائرة المعارف الإسلامية” جزء: 1، ص: 467: “يعتبر السيد أحمد البدوي منذ أجيال قطبا، ودرجة القطبانبة تعتبر في عرف الصوفية أكبر الدرجات الروحية، وكان البدوي يعتبر التصوف الطريقة التطبيقية لعلوم الشريعة التي بلغ درجة أمامية فيها، ويعتبره المستشرقون زعيم صوفية مصر، ومن أعظم أساتذة التصوف الإسلامي.

      ومن أذكار الشيخ البدوي: “اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد شجرة الأصل النورانية ولمعة القبضة الرحمانية وأفضل الخليقة الإنسانية، وأشرف الصورة الجسمانية، ومعدن الأسرار الربانية، وخزائن العلوم الاصطفائية، صاحب القبضة الأصلية، والبهجة السنية، والرتبة العلية من اندرجت النبيين تحت لوائه فهمْ منه وإليه وعلى آله وصحبه عدد ما خلقت ورزقت وأمتَّ وأحييت إلي يوم تبعث من أفنيت وسلم تسليما كثيرا”.

      ومن أقوال الإمام الجليل السيد أحمد البدوي: “أشفق على اليتيم واكس العريان وأطعم الجوعان وأكرم الغرباء والضيفان عسى أن تكون عند الله من المقبولين، ولا تشمت بمصيبة أحد، ولا تنطق بغيبة ولا نميمة، ولا تؤذ من يؤذيك، واعف عمن ظلمك، وأعط من حرمك، وأحسن إلى من أساء إليك”، وقال رحمه الله: “علامات الولي اثنا عشر علامة: أن يكون عارفا بالله، ومراعيا لله، متمسكا بسنة نبيه، وأن يكون دائم الطهارة، راضيا عن الله، موقنا بما وعده الله، يائسا مما في أيدي الناس، وأن يتحمل أذى الناس، ومبادرا لأوامر الله، وأن يكون شفوقا على خلق الله، ومتواضعا للناس.. “.

      تفرعت من مدرسة أحمد البدوي في التربية أكثر من ستة عشرة طريقة صوفية، في أنحاء مصر والعالم منها البيومية الأحمدية، والزاهدية الأحمدية، والأحمدية الشناوية، والجوهرية الأحمدية، ويعتبر مولده ظاهرة اجتماعية هامة لأتباع التصوف، وقد رصدها الكثير من علماء الاجتماع الشرقيين والغربيين ومسجده تحفة فنية رائعة توحي بالسفينة والبحر.

      وقد تناولت الأستاذة رحمة بورقية في مقالها: “رحلة التصوف سيدي أحمد البدوي من فاس إلى طنطا” ضمن التواصل الصوفي بين مصر والمغرب، منشورات كلية الآداب المحمدية 2000، سيرة سيدي أحمد البدوي مركزة بالأساس على الاقتران الموجود بين الصوفية والتنقل والسفر، وذلك بإبراز التجربة الصوفية كرحلة في اتجاهات ثلاث، رحلة في أعماق الذات، ورحلة في المجال، ورحلة في المخيال الجماعي للمجتمع، ويمكن تتبع هذه الرحلات انطلاقا من حياة متصوف ازداد في فاس، وانتقل إلى مصر ليستقر بها في طنطا وليؤسس بها طريقة، وفي سن الثلاثين دخل في تجربة صوفية حولت مجرى حياته بحيث اعتكف وزهد واستولى عليه الخشوع، فدأب على الرحلة إلى ضريح قطبين من الأولياء هما أحمد الرفاعي وعبد القادر الجيلاني اللذان عرفا بإشعاعهما الروحي في مختلف بقاع الإسلامي، ليستقر في نهاية المطاف بطنطا في مصر، فمن خلال تجربته وحياته كمتن، نستشف ملامح واتجاهات رحلة التصوف حسب استنتاج رحمة بورقية.

      إن الرحلة في الذات التي تلازم الصوفية حسب الأستاذة بورقية هي رحلة الولاية والصلاح، وفي هذا السياق يمكن طرح السؤال الذي طرحه إرنست جلنير Ernest Gellner في كتابه Saints of Atlas (University of Chicago Press, 1969) وهو كيف يصبح الولي وليا؟

      تقول رحمة بورقية في قراءة تأويلية لسيرة أحمد البدوي في المقال سابق الذكر: “تبين سيرة أحمد البدوي أنه كان في طنطا ينزوي فوق السطوح لمدة أيام وعيناه جاحظتان في الشمس بدون أكل أو شرب، وهذا السلوك يجسم الزهد والتخلي عن ملذات الحياة والترفع عن الماديات؛ أي الخروج عن المألوف والانفراد بالتمييز الضروري لوضع ذلك الحد الفاصل بين الزاهد وعامة الناس، يلازم الصمتُ بدايةَ التجربة الصوفية، وليس من الصدفة أن يلقب أحمد البدوي بالصامت، ففي بداية التجربة الصوفية هناك الصمت والتجرد والهجرة والقطيعة مع ما يصاحب الحياة من بحث عن المتعة الدنيوية، وهذا أمر ضروري في السيرورة التي تؤدي إلى تراكم الولاية، إن المفهوم الصوفي للسلوك يعبر عن تلك الرحلة وذلك السفر، إنها رحلة الأحوال والمقامات مرورا بالفناء بالله للسعي نحو الاستقرار بالله، ولا يمكن الوصول إلى أحد المقامات إلا بعد المرور من عدد من الأحوال، والأحوال هي حالات عابرة يعيشها المتصوف في لحظة المكاشفة، إنه سفر للعودة إلى الذات مطهرة، فالزمن الصوفي هو زمن دائري ينطلق من الذات ليعود إليها بعد ما أخضعها العمل الصوفي لفعله، وبعد عبور مراحل تعرف بعدها الذات تحولا أنطولوجيا”.

      تضيف رحمة بورقية: “لقد لقب أحمد البدوي بالصامت وبالغضبان، والجمع بين الصمت والانزواء فوق السطوح والغضب والانفعال المفرط هو جمع بين الأضداد، كما عرف السيد البدوي بمقاومة الإغراء عندما رفض الزواج بفاطمة بنت بري ليخرج عن المألوف والمعتاد، بالإضافة إلى هذه الرحلة في أعماق الذات يمكن أن نعتبر تأسيس التجربة الصوفية أيضا رحلة في تاريخ الذات، بحيث لا يكتمل التأسيس بدون إثبات النسب الشريف، بحيث يعتبر النسب الشريف لأحمد البدوي من ركائز تأسيس صلاحه. وإثبات النسب رحلة استعادية أو رحلة بالخلف للبحث عن النسب العربي الشريف الذي يعد مهما في مواصفات الشيخ.

      من الذين أثبتوا النسب الشريف للسيد البدوي، الإمام الشعراني في القرن العاشر الهجري، أي بعد ثلاثة قرون من وفاة البدوي، نجده  ينسبه إلى آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول أن أجداده هاجروا إلى المغرب؛ لأن الحَجَاج أكثر من قتل الشرفاء، والشيخ المنياوي المتوفى سنة (1031هـ) في كتابه “الكواكب الدرية” يقول عن أحمد البدوي: “أحمد بن علي بن إبراهيم بن محمد بن أبي بكر البدوي، الشريف الحسيب النسيب، أصله من بني بري، قبيلة من عرب الشام ، ثم سكن والده المغرب فولد له صاحب الترجمة بفاس” ج: 2، ص: 62.

      أما ابن العماد المتوفى سنة (1089هـ)، فيقول في كتابه: “شذرات الذهب” وفيها السيد الجليل الشيخ أحمد بن علي بن إبراهيم بن محمد بن أبي بكر البدوي الشريف الحسيب النسيب ثم ذكر قول عبد الرؤوف المنياوي المذكور، ج: 7 ، ص: 602.

      وكما يقول سعيد عاشور في كتابه: “سيدي أحمد البدوي” ص: 5 “عندما نكتب عن السيد أحمد البدوي نجد أنفسنا في غنى عن هذا التخريج، فالرجل عربي أصيل، انحدر من أشرف البيوت العربية، وتنتهي شجرة نسبه إلى علي بن أبي طالب”، يحكى عن سيدي أحمد البدوي أنه عندما غادر مكة متوجها إلى مصر في صباح ما: “بحث الشريف حسن عن أخيه أحمد فلم يجده، ولم يجد أيضا كتاب النسب الذي يثبت نسب الأسرة، فعرف أن السيد أحمد قد رحل إلى طنطا، وأخذ معه كتاب النسب ليكون بمثابة تعريف ذاتي يثبت به للملأ حسبه ونسبه وصلته بالبيت النبوي الكريم”، سعيد عاشور مرجع سابق، ص: 81.

وتستمر رحمة بورقية في استعادة مراحل حياة أحمد البدوي، بحثا عن المعنى الثاوي وراء الطقوس والرموز والإشارات، تقول في مقالها عن البدوي: “وإذا تتبعنا تنقل سيدي أحمد البدوي وجدناه يبدأ مع رحلة عائلته من فاس الموطن الأصلي إلى الشرق، وهو صبي، تلك الرحلة التي دامت أربع سنين، وبعدها يرحل إلى العراق ثم إلى مصر ليستقر بطنطا، كانت رحلة أحمد البدوي إلى العراق بدافع البحث عن مراكز التصوف؛ لأن العراق غدا منذ أمد بعيد مركزا من مراكز التصوف في المشرق الإسلامي، واشتهر به من زعماء المتصوفة في القرن السادس الهجري أحمد الرفاعي وعبد القادر الجيلاني اللذان شغف بهما وبسيرتهما السيد أحمد البدوي”.

      لم يمر حلول سيدي أحمد البدوي بمصر دون أن يحدث معارضة من طرف الذين جاء لينافسهم، ولكنه ربح معركة الصراع الرمزي لاحتكار المكان، وتغلب على حسن الصايغ، وسالم المغربي، ووجه القمر وغيرهم، وحول استقرار أحمد البدوي بطنطا تستدل رحمة بورقية بنص سعيد عبد الفتاح عاشور في كتابه “السيد أحمد البدوي” يقول فيه: “وهكذا تمت الأمور للسيد أحمد البدوي في طنطا، وضمن لنفسه مملكة صغيرة توافرت له فيها كافة إمكانيات النمو والاتساع على مر الأيام، ولم يصطدم في مقره الجديد بنوع من العقبات التي صادفها في العراق، فلا أولياء كبار مشهورون كالرفاعي والجيلاني، ولا أهالي متشددون يتصفون بالعناد والصلابة وكرههم للغريب، وإنما هي بيئة سهلة في طبيعتها وطبيعة أهلها، وفي هذه البيئة الجديدة أخذ صيت أحمد البدوي ينتشر تدريجيا من طنطا إلى الغربية، ومن الغربية إلى أنحاء مصر ومن مصر إلى البلاد الإسلامية القريبة” ص: 105- 106.

      قال الشعراني: في الطبقات الكبرى المسماة بـ “لواقح الأنوار في طبقات الأخيار، طبعة دار الجيل، بيروت الطبعة الأولى: 1408هـ واعتزل عن الناس ولازم الصمت فكان لا يكلم الناس إلا بالإشارة وكان بعض العارفين يقول: أن أحمد البدوي “حصلت له جمعية على الحق تعالى فاستغرقته إلى الأبد”، 1-1183.

      ممن ترجم للبدوي ابن الملقن المتوفى سنة (804هـ)، قال: في “طبقات الأولياء”، ص: 289- 290. “الشيخ أحمد البدوي، المعروف بالسطوحي، أصله من بني بري، قبيلة من عرب الشام، تسلك بالشيخ بري، أحد تلامذة الشيخ أبي نعيم أحد مشايخ العراق، وأحد أصحاب سيدي أحمد بن الرفاعي”، ونلاحظ أن على الرغم من قرب عصر ابن الملقن لعصر البدوي إلا أنه لم يذكر في ترجمته شيئا من الخوارق التي بالغ في الحديث عنها بعض من ترجم للرفاعي مثل الشعراني في “طبقاته”.

      وترجم لأحمد البدوي جلال الدين الأتابكي المتوفى سنة (874هـ) في كتابه “النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة” فقال: “وفيها توفي الشيخ المعتقد الصالح أبو الفتيان أحمد بن علي بن إبراهيم  بن محمد بن أبي بكر المقدسي الأصل البدوي المعروف بأبي اللثامين السطوحي، مولده سنة ست وتسعين وخمسمائة، وتوفي في سنة خمس وسبعين في شهر ربيع الأول، ودفن بطنطا وقبره يقصد للزيارة هناك، وكان من الأولياء المشهورين، وسمي بأبي اللثامين لملازمته اللثامين صيفاً وشتاء، وكان له كرامات ومناقب جمة، رحمه الله تعالى” ص: 252 – 253، ج: 7، فنلاحظ أيضا في الترجمة التي ذكرها الأتابكي أنه لا يوجد فيها شيء مميز غير الزيادة التي ذكرها أنه قبره يزار ويقصد، فنستنتج من ذلك أن نهاية القرن التاسع الهجري عرفت غلوا في تناول شخصية أحمد البدوي، وهذه مسألة جديرة بالبحث والاهتمام في مجال تاريخ التصوف.

      أما أبو علي الكوهن الفاسي المغربي المتوفى سنة (1347هـ) فقال في كتابه “طبقات الشاذلية الكبرى عن البدوي:” أبو العباس سيدي أحمد البدوي، فارس الأولياء بالديار المصرية والجزائر القبرصية، المعروف بالأستاذ أبي الفتيان الحسيني النسب الطاهر الحسب، العلوي الملثم، المعتقد المعروف المشهور بالبدوي لكثرة ما كان يتلثم” ص: 66.

      لقد حضي سيدي أحمد البدوي بإجلال كبير بعد موته، وأضحى محل زيارة وبركة، تقام له ثلاثة احتفالات في طنطا واحد منها في وقت الحصاد، وتنظم احتفالات حول الطريقة البدوية يتداخل فيها ما هو اقتصادي وديني وقيمي وثقافي، وعبر الاحتفال بسيدي أحمد البدوي تتحقق لحظة تواصل اجتماعي، ويتوحد القاموس الثقافي للمجتمع حسب تعبير رحمة بورقية.

       بقيت مسألة تستحق الذكر وهي أن بعض المؤرخين قريبي العهد من أحمد البدوي لم يذكروه ولم يشيروا إليه، كالإمام الذهبي المتوفى سنة (748هـ) الذي لم يذكره في كتبه مثل “تاريخ الإسلام”، و”العبر”، وكذلك ابن الوردي المتوفى سنة (749هـ) الذي لم يذكره في تاريخه، والإمام ابن كثير المتوفى سنة (774هـ) لم يذكره في تاريخ “البداية والنهاية”، والملك المؤيد أبو الفداء المتوفى سنة (732هـ) لم يذكره في تاريخه المسمى “المختصر في أخبار البشر”.

      وهذا يدل على أحد أمرين: إما أن أحمد البدوي لم يكن مشهورا في عصره بما فيه الكفاية، أو أنه كان أحد الصالحين الأخفياء، ولم يشتهر إلا بعد وفاته، وهذا يذكرنا بما حدث مع القطب عبد السلام بن مشيش الذي لم يذكره معاصروه مثل ابن الزيات في “التشوف”، والبادسي في “المقصد الشريف”، والتميمي في “المستفاد”، وهو من هو علما وصلاحا، ولولا تلميذه الشاذلي لما عرف على حقيقته، وهذا سر آخر من أسرار الأولياء والصلحاء.

      توفي سيدي أحمد البدوي بطنطا يوم الثلاثاء الثاني عشر من ربيع الأول عام (675هـ)، ودفن في مسجده العظيم، والتحفة الفنية بطنطا، والذي يؤمه الناس من سائر البقاع للزيارة، واستخلف بعده على الفقراء سيدي عبد العال، ويقام في طنطا كل عام سوق عظيمة يرد إليها الناس من جميع أنحاء مصر احتفاء بمولده، وسيبقى السيد البدوي رمزا للتواصل بين المغرب ومصر، مثله مثل الشاذلي من بعده رحمهم الله، والله الموفق للخير والمعين عليه.

د. جمال بامي

  • رئيس مركز ابن البنا المراكشي للبحوث والدراسات في تاريخ العلوم في الحضارة الإسلامية، ووحدة علم وعمران بالرابطة المحمدية للعلماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق