مركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصةدراسات عامة

ذم البدع عند الصوفية

ذم البدع عند الصوفية[1]

 الوجه الرابع من النقل: ما جاء في ذم البدع وأهلها عن الصوفية المشهورين عند الناس:

   وإنما خصصنا هذا الموضع بالذكر، وإن كان فيما تقدم من النقل كفاية، لأن كثيرا من الجهال يعتقدون فيهم أنهم متساهلون في الإتباع وأن اختراع العبادات والتزام ما لم يأت في الشرع التزامه مما يقولون به ويعملون عليه، وحاشاهم من ذلك أن يعتقدوه أو يقولوا به.

   فأول شيء بنوا عليه طريقتهم: اتباع السنة، واجتناب ما خالفها، حتى زعم مذكرهم وحافظ مأخذهم، وعمود نحلتهم، أبو القاسم القشيري أنهم إنما اختصوا باسم التصوف انفرادا به عن أهل البدع.

   فذكر أن المسلمين بعد رسول الله ﷺ، لم يتسم أفاضلهم في عصرهم باسم علم سوى الصحبة، إذ لا فضيلة فوقها، ثم سمي من يليهم التابعين، ورأوا هذا الاسم أشرف الأسماء، ثم قيل لمن بعدهم أتباع التابعين ثم اختلف الناس وتباينت المراتب، فقيل لخواص الناس ممن له شدة عناية بأمر الدين الزهاد والعباد.

   قال: ثم ظهرت البدع، وادعى كل فريق أن فيهم زهادا وعبادا، فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفاسهم مع الله، الحافظون قلوبهم عن الغفلة باسم التصوف.

هذا معنى كلامه، فقد عدَّ هذا اللقب لهم مخصوصا بإتباع السنة ومباينة البدعة، وفي ذلك ما يدل على خلاف ما يعتقده الجهال ومن لا عبرة به من المدعين للعلم.

   وفي غرضي إن فسح الله في المدة، وأعانني بفضله، ويسر لي الأسباب أن ألخص في طريقة القوم أنموذجا يستدل به على صحتها وجريانها على الطريقة المثلى، وأنه إنما دخلتها المفاسد وتطرقت إليها البدع من جهة قوم تأخرت أزمانهم عن عهد ذلك السلف الصالح، وادعوا الدخول فيها من غير سلوك شرعي، ولا فهم لمقاصد أهلها، وتقولوا عليهم ما لم يقولوا به، حتى صارت في هذا الزمان الآخر كأنها شريعة أخرى غير ما أتى بها محمد ﷺ.

   وأعظم من ذلك، أنهم يتساهلون في اتباع السنة، ويرون اختراع العبادات طريقا للتعبد صحيحا، وطريقة القوم بريئة من هذا الخُباطِ بحمد الله.

فقد قال الفضيل بن عياض: من جلس مع صاحب بدعة، لم يعط الحكمة.

وقال أبو القاسم الجنيد: الطرق كلها مسدودة على الخلق، إلا من اقتفى أثر الرسولﷺ.

   وكلامهم في هذا الباب يطول، وقد نقلنا عن جملة ممن اشتهر منهم، نيفت على الأربعين شيخا، جميعهم يشير أو يصرح بأن الابتداع ضلال، والسلوك عليه تيه، واستعماله رمي في عماية، وأنه مناف لطلب النجاة، وصاحبه غير محفوظ، وموكول إلى نفسه، ومطرود عن نيل الحكمة، وأن الصوفية الذين نسبت إليهم الطريقة، مجمعون على تعظيم الشريعة، مقيمون على متابعة السنة، غير مخلين بشيء من آدابها، أبعد الناس عن البدع وأهلها.

   ولذالك لا نجد منهم من ينتسب إلى فرقة من الفرق الضالة، ولا من يميل إلى خلاف السنة.

   وأكثر من ذكر منهم وفقهاء ومحدثون، وممن يؤخذ عنه الدين أصولا وفروعا، ومن لم يكن كذلك، فلا بد له من أن يكون فقيها في دينه بمقدار كفايته.

   وهم كانوا أهل الحقائق والمواجد والأذواق والأحوال والأسرار التوحيد، فهم الحجة لنا على كل من ينتسب إلى طريقهم، ولا يجري على منهاجهم، بل يأتي ببدع محدثات وأهواء متبعات، وينسبها إليهم، تأويلا عليهم من قول محتمل، أو فعل من قضايا الأحوال، أو استمساكا بمصلحة شهد الشرع بإلغائها، أو ما أشبه ذلك.

   فكثيرا ما ترى المتأخرين –ممن يتشبه بهم- يرتكب من الأعمال ما أجمع الناس على فساده شرعا، ويحتج بحكايات هي قضايا أحوال، إن صحت لم يكن فيها حجة لوجوه عدة، ويترك من كلامهم وأحوالهم ما هو أوضح في الحق الصريح، والإتباع الصحيح، شأن من اتبع من الأدلة الشرعية ما تشابه منها.

   ولما كان أهل التصوف في طريقهم –بالنسبة إلى إجماعهم على أمر- كسائر أهل العلوم في علومهم، أتيت من كلامهم بما يقوم منه دليل على مدح السنة وذم البدعة في طريقتهم، حتى يكون دليلا لنا من جهتهم على أهل البدع عموما، وعلى المدعين في طريقهم خصوصا.

وبالله التوفيق.

هوامش

[1] الاعتصام: أبو إسحاق الشاطبي، ضبط النص وقدم له وعلق عليه وخرج أحاديثه: أبو عبيدة حسن آل سلمان، الدار الأثرية، ط. الثانية: 1428ﻫ/2007م، (1/147-166).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق