مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكمعالم

– ديناميـة علمـاء القـرويـيـن -البعثات الدراسية

 

          “لم تزل مدينة فاس كلأها الله تعالى من حين أسست دار فقه وعلم[1] وصلاح ودين، وهي قاعدة بلاد المغرب وقطرها ومركزها وقطبها”[2]، فهي”حاضرة المغرب، وموضع العلم منه، اجتمع فيها علم القيروان وعلم قرطبة، عندما كانت قرطبة حاضرة الأندلس، والقيروان حاضرة المغرب”[3]، يقول العلامة المختار السوسي، “فاس الماجدة العظيمة التي هي فاسنا كلنا لا فاس سكانها وحدهم، لأن فاس، فاس العلم والفكر والحضارة(…)، وأن تاريخ المغرب الثقافي العام ليكاد كله يكون كجوانب الرحى حول قطب فاس”[4]، فمنذ بناء جامع القرويين الجامعة، تحولت فاس إلى مركز إشعاع علمي مهم، فجمعت بذلك بين الدور العلمي الريادي لجامعة القرويين وبين الإشعاع المعرفي لمدينة فاس. وقد “استمرت جامعة القرويين عامرة تواصل سيرها الحثيث، متخطية كل الصعاب ومتحدية كل العقبات تؤدي رسالتها العلمية والحضارية من جيل إلى جيل، محافظة بذلك على التراث الإسلامي وأصالة الأمة المغربية، فأنجبت العلماء الأفذاذ والشيوخ الكبار الذين علـّموا وكتبوا ودرسوا وألفوا، ممن تزخر بهم كتب تاريخ المغرب وتراجم رجاله، وتذكرهم الأجيال الماضية والحاضرة وتخلد مؤلفاتهم القيمة التي كانت وما تزال أهم المصادر والمراجع في البحوث والدراسات العلمية”[5]. وعلماء القرويين بوصفهم جزءا من ذلك الوسط المعرفي لمدينة فاس، كانوا متفاعلين مع الظروف الاجتماعية والسياسية التي عايشوها، إذ اقتضت الحاجة أن يتم الاستعانة بهذه النخبة من أجل مسايرة الدول الأجنبية التي أصبح من اللازم الانفتاح عليها، فكان من الضروري إرسال بعثات دراسية للخارج بهدف الأخذ من العلوم التي تدرس في الطرف الآخر بما في ذلك اللغات الأجنبية التي تعتبر الوسيلة الأساسية للتواصل والحوار، يقول صفي الدين الحلي في نفس السياق:

   بقدر لـغات المـرء يكـثر نـفعه        وتلك له عند الشدائد أعـوان

    فــبادر إلى حفظ اللغات مسارعا          فكل لسان في الحقيقة إنسان[6]

 و”المراد بالبعثات الدراسية، هو انطلاق مجموعة من العلماء، وغالبا يكون بأمر من السلطان للتعلم أو التعليم، وكانت هذه البعثات موجودة في بداية العصر الإسلامي بكثرة حيث كانت الحاجة لتعليم الناس كبيرة، ولم تزل تظهر هذه البعثات حسب الحاجة في العصور والأزمنة المتأخرة”[7]، إن طبيعة البعثة الدراسية تقتضي أن نبحث عن الأسباب في وجودها، وقد كانت “في العهود الأولى لحاجة البلاد إلى من يعلمهم فتنظم بعثة من عدد من العلماء، كما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم العدد من الصحابة للآفاق ثم الخلفاء بعده”[8]. واليوم – يقول العلامة عبد الهادي التازي- “ازداد المغرب اتصالا بالعالم الخارجي مع فرنسا، مع اسبانيا، مع أنكلترا، مع ألمانيا، مع البرتغال، مع أمريكا، مع بلجيكة، مع البابا، … ولئن كان اتصال المغرب بالأمس مع هذه الدول اتصال الند بالند والنظير بنظيره، إنه أمسى هذه الأيام مشوبا بنوع من الخطر الذي يهدد البلاد، فإن أطماع الدول تتزايد، ولابد من التفكير جيدا في تطوير حالة التعليم في بلادنا، وهذا ما كان يحاول الملك الحسن الأول، وهو ما كان يريده من إيفاد الطلاب وتحريك العلماء في القرويين لمواجهة المسؤوليات التي تنتظر البلاد…. نريد أن نقول أنه بمقدار ما كان السلطان المولى الحسن يولي اهتمامه للأحداث الدولية التي تتطور بسرعة وبخاصة فيما يمس المغرب، وبمقدار ما كان مشغولا بأمر استقرار البلاد جنوبا وشمالا حتى قيل إن عرشه كان على صهوة جواده، كان مشغولا بأمر الحياة الفكرية في البلاد، والسير بالقرويين نحو مدارج الرقي، ولكن مع الحفاظ على التراث، كان يقترح على بعض العلماء أن يؤلفوا في الاستدلال على صحة الكيمياء، في الوقت الذي يشجع فيه على استظهار متن الشيخ خليل.”[9]

          لم تكن البعثات الدراسية إلا وجها من وجوه كثيرة أبانت عن حركية علماء القرويين وقدرتهم على معايشة الظروف التي يعيشها المجتمع في أبعاد مختلفة، فكانت البعثات سبيلا لخلق التواصل مع الآخر والانفتاح على الدول الأجنبية، فكانت العناية بالترجمة، وبعلوم كثيرة أسهمت في تكوين علماء موسوعيين.


[1]– “اللهم اجعلها دار علم وفقه يتلى بها كتابك وتقام بها حدودك، واجعل أهلها متمسكين بالسنة والجماعة ما أبقيتها”، انظرالأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، لعلي ابن أبي زرع الفاسي، دار المنصور للطباعة والوراقة بالرباط، 1972. ص 36.

[2]– كتاب تاريخ مدينة فاس المعروف بزهرة الآس في بناء مدينة فاس للجزنائي، تحقيق مديحة الشرقاني، الطبعة الأولى 1422هـ- 2001هـ، مكتبة الثقافة الدينية ص75

[3]– كتاب تاريخ مدينة فاس المعروف بزهرة الآس في بناء مدينة فاس ص16.

[4]– سوس العالمة لمحمد المختار السوسي،(1380هـ- 1960م)، مطبعة فضالة المغرب: انظر الصفحة (هـ) من المقدمة.

[5] – كتاب تاريخ مدينة فاس المعروف بزهرة الآس في بناء مدينة فاس للجزنائي ص22.

[6]  – انظر” رحلتي الأولى إلى فرنسا” للدكتور: عبد الهادي التازي، الطبعة الأولى:2008، دار الحرف للنشر والتوزيع. ص: 67.

[7] – العلاقات العلمية بين الأندلس ومدينة فاس منذ بداية القرن الثالث الهجري حتى سقوط غرناطة للدكتورة إيمان بنت دخيل الله العصيمي، رسالة لنيل الماحستير في تاريخ الحضارة، 1430هـ/ 2009م، جامعة أم القرى، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية،  3/255.

[8] – العلاقات العلمية بين فاس والأندلس 3/255.

[9] – جامع القرويين المسجد والجامعة3/734.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق