مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوت العقديةدراسات عامة

دور العامل السياسي في انتشار المذهب الأشعري في المشرق الإسلامي ومغربه

(من منتصف القرن الخامس إلى بداية القرن الثامن الهجري)
قراءة في رسالة ماجستير بعنوان:

«لا يـُمكن للأمم أن تنهض بغير تاريخ أو أن تقوم بغير ذاكرة، و إن كان الأمر كذلك فإن التاريخ الإسلامي أكثر أهمية وأشد خطورة في حياة المسلمين من التاريخ في حياة أية أمة أخـرى، وتشويهـُه وطمسـه أو وتمزيقـه بالنسبة للمسلمين أسوأ وأفظع منه بالنسبة لأية أمـة أخرى، ذلك لأن التاريخ الإسلامي هو الإسلام مطبقـًا منفــَّــذاً على أرض الواقع في حياة الناس اليومية، فهو في حقيقة الأمر حركـة الأمة التي ربّاها محمد صلى الله عليه وسلم بالإسلام، وحركـة الإسـلام بالأمـة.
 فقد كان تشويه التاريخ الإسلامي بابـًا – من أخطر الأبواب – سلكه أعداء الملـة و أعداء السنة لضرب الشريعة الإسلامية والجناية عليها بتزييف التاريخ الإسلامي وتمييعه بما  يتماشى و أهدافهم و أهوائهم. وأخطـر ما يـمكن أن يُــستهدف في تاريخ الأمة الإسلاميــة ما يتعلق بعقيدتها و دينها مصدر عـزها، فكان من واجب الأمة الإسلامية العناية بتاريخها عامة وما يتعلق بتاريخ حركتها العقدية والمذهبية بشكل أخـص، بحـثا وتحقيقا ونشرا.. ومن خلال مطالعاتي– في الحركة المذهبية في التاريخ الإسلامي- كثيرا ما وجدتُ الجزم        والتأكيد بأن المذهب الأشعري هو مذهب الجماهيـر بـل ومذهب أهل السنة والجماعة، وعليه جمهور الأمة سلفا وخلفا، فكان التساؤل عن سبب هذا الانتشار الواسع، بل وحقيقـة هذا الانتشار أيضا- بعد فترةٍ اُضطهد فيها المذهب الأشعـري- وعن سيادته في فترة زمنية معينة دون أخرى، بالإضافة إلى مواقف العامة والخاصة من انتشار المذهب، والعلاقة بين ذلك الانتشار والدول الإسلامية التي قامت في تلك الفترة، فما حقيقة الانتشار الواسع للمذهب الأشعري في الفترة ما بين القـرن 5هـ / 11 م و مطلع القرن 8هـ / 14م؟ ولماذا تأخر انتشارهُ حتى هذه الفترة المذكورة؟ وما موقف السلطة والعلماء والعامة من المذهب؟ وهل كان انتشار المذهب واستقراره على المستوى الرسمي(السلطة) أم على المستوى الجماهيري(العامة)؟ وهل كانت سيادة المذهب الأشعري في العالـم الإسلامي– شرقـا وغـربا- في تلك الفترة بقوة ذاتـية من أصولـه وقواعده، أم بقوة خارجة عنه؟        وأيـهما كان أشد تأثيرا وإسهاما في ترسيخ المذهب الأشعري: قوة السلطان، أم قوة البرهان؟ ثم هل كان العامل السياسي عاملا ثانوي أم عامل حسم في انتشار وسيادة المعتقد الأشعري في العالم الإسلامي ؟».
 بهذه الكلمات قدم الباحث مصطفى مغزاوي لرسالته لنيل درجة الماجستير، من كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية بجامعة الجزائر خلال الموسم الدراسي:1428-1429 هـ /2007-2008م، تحت إشراف: الدكتور خالد كبير علال، والتي عنونها بـ”دور العامل السياسي في انتشار المذهب الأشعري في المشرق الإسلامي ومغربه(من منتصف القرن الخامس إلى بداية القرن الثامن الهجري)”.
وقد اشتملت هذه الرسالة على أربعة فصول، عرضها الباحث كما يلي:
 – الفـصل الأول: ظهور المذهب الأشعري وانتشاره في المشـرق الإسـلامـي ومغربه (300هـ – 505 هـ / 913م – 1112 م )
الفصل الـثانـي: الدعم السياسي للمذهب الأشعري في الحياة السياسية في المشرق الإسلامي ومغربه (465هـ- 589 هـ/ 1073 م – 1310 م )
– الفصل الثالـث: مظــاهر الـــدعم السياسي للمذهــب الأشعري في الحــياة العــلمية في المشـــرق الإسلامي ومغــربه (457 هـ – 660 هـ / 1065 م – 1262 م  )
– الفصل الـرابــع: مظاهر الدعم السياسي للمذهب الأشعــري في الحيـاة المذهـبـيـة والاجتماعية في المشرق الإسلامي ومغربه (465 هـ – 595هـ / 1073 م – 1102 م ).
والذي يهمنا من هذا البحث هو تتبع استنتاجات الباحث حول تطور المذهب الأشعري بالغرب الإسلامي، ومظاهر الدعم السياسي له عبر هذه الحقبة التاريخية من تاريخ المذهب. وهذا ما نتلمسه فيما بسطه الباحث في المبحث الثاني من الفصل الثاني تحت عنوان: (مظاهر الدعم السياسي الموحدي للمذهب الأشعري في الحياة السياسية بالمغرب الإسلامي(505هـ-524هـ/1112م-1130م))، حيث جاء فيه قول الباحث: « يجمع أكثر من أرَّخ للوجود الأشعري بالمغرب الإسلامي على التمييز بين مرحلتين، مرحلة الحضور الفردي البطيء للمذهب، وتبدأ بظهوره في المشرق خلال القرن4هـ/10م إلى مطلع القرن6هـ/12، لتبدأ بعدها المرحلة الثانية وهي مرحلة التغلغل والترسيم، والفاصل بين هذه المرحلة وتلك، هو ظهور شخصية سياسية دينية مغربية، هي شخصية محمد بن تومرت..» وقد ميَّز الباحث في جهود ابن تومرت السياسية لإقرار المـذهب الأشـعري بين جانبين أو أسلوبين:
 أحدهـما: أسلوبٌ غير مباشر وهو أسلوب الخداع والمراوغة وانتحال الكرامات واستمالة العامة والأتباع.
 وثانيهما: الأسلوب المباشر المـُـتمثل في أسلوب القوة والعنف الذي اعتمده ابن تومرت لإبادة الدولة المرابطية بصفتها العائـق الأكبر الذي يحـول دون استقرار المذهب الأشعري. وقد خلص الباحث إلى أن انتشار المذهب الأشعري بالمغرب اتخذ طابعا سياسيا حين ارتبط بالدور السياسي للموحدين، فقد وجد ابن تومرت أهل المغرب على معتقد أهل الحديث، فنقم عليهم، وحمـّـل السلطة المرابطية مسؤولية ذلك، فأعلن حربا دامية عليهم بدعوى أنهم مجسمون، وأردف العمل العسكري الحربي بسياسية تلفيقية تـُـؤيّـد دعوى مهدويته التي وظفها خدمة لدعوته الأشعرية مـُـستغلا سذاجة أهالي المغرب.  
و مع أن عقيدة بن تومرت  لم  تكن أشعرية خالصة و لم تندمج في تيار الأشعرية العام إلا لاحقا، فإنه مع ذلك قد تحقق- بهذه القوة السياسية الجديدة- التمكين رسميا للاعتقاد على رأي الأشاعرة في المغرب، والعدول بأهالي المغرب الإسلامي من اعتقاد السلف إلى مذهب التأويل بعد أن حملهم على ذلك ابن تومرت رغبة و رهبة.  ولا شك أن أي سلطة سياسية تتوفر لها من وسائل النشر المادية والمعنوية ما يُساعد على تبليغ العقائد والمذاهب في أسرع وقت وأوسع رقعة حتى يتم لها الظهـور والرسوخ .
ثم ذكر الباحث في المبحث الثاني من الفصل الثالث، والذي عنونه بـ(مظاهر دعم الموحدين للمذهب الأشعري سياسيا في الحياة العلمية بالمغرب الإسلامي(505هـ-554هـ/1133م-1163م)، أن ابن تومرت لم يكتف لإنجاح مشروعه- بالمغرب الإسلامي- على الثورة السياسية التي سبق الحديث عنها من قبل، بل كان يُولِـي الجانب العلمي التربوي أهميـة ً بالغـة في دعوته، فقد كان يهدف– كما مرَّ بنا – إلى أن يصنع مجتمعا جديدا انطلاقا من الجماعة التي أحاطت به والْتزمت دعوته، وكان يُدرك أنه لن يتأتّى له ذلك إلا بنسـق ٍ علمي تربوي دؤوب، فعمل على ذلك منذ أن نزل على قومه سنة 515هـ / 1121 م، حيث ذكر ابن خلدون أنه– أي ابن تومرت – لما نزل على قومه في السنة المذكورة « بنى رابطة للعبادة فاجتمعت إليه الطلبة والقبائل يُــعلمهم المرشدة في التوحيد باللسان البربري». ويعكس لنا هذا النص حرص ابن تومرت الشديد على تبليغ أفكـاره تدريسـاً وتصنيفاً، من خلال بنائه للرباط واجتماع الطلبة عليه من جهة، واستعماله- من جهة أخرى- للسان البربري نزولاً عند حاجة من لا يحذق (لا يعرف) اللسان العربي منهم، كما يفيد قول ابن خلدون أن ابن تومرت اعتنى بالتصنيف، من خلال ذكره لرسالة “المرشدة” في التوحيد .
واستكمالا لهذا الجانب، ذكر الباحث أنه وبالإطلاع على المواضيع التي خاض فيها ابن تومرت و ما حوته “المرشدة” من أفكار يُـمكن أن نسجل أمورًا منـها :
  –  حرص ابن تومرت على تبليـغ المضمون العقدي الأشعري لدعوته علميًا وعمليـًا عن طريـق التدريس والتصنيف.
  – حظيت آثار ابن تومرت بشيء من الاهتمام والتوقير من طرف المؤرخين والمحقيقين، ويدلّ على ذلك أن معظمها بلغنا عيانا أو سماعا.
  – تنوعها بين الأصول والفروع والحديث والمواعظ .
  – أنها كانت باللسانين العربي والبربري ( المصمودي المغربي).
– أنها عكست أفكار ابن تومرت العقدية التي غذّتها أفكار الفرق الإسلامية التي عاصرها في المشرق، وغلبت عليها النزعة الأشعرية.
– توجيهه تلك المصنفات لخدمة مشروعه ودعوته الأشعرية في المغرب، فتعمّـد البساطة     واستهداف الجماهير وعدم إثقالها بالأدلة.
– نتلمّـس فيها اللهجة الثائرة، والدعوة الجهادية، والتشنيع على المرابطين.
وللا ستدلال على ذلك-ومن خلال عناوين فرعية حول مؤلفات ابن تومرت العقدية- بسط الباحث الكلام على عقيدة المرشدة ومدى تأثيرها في نفوس المتلقين في تلك الفترة من تاريخ الغرب الإسلامي، فتحدث عن انتشارها وشروحها، ذاكرا ما حظيت به هذه المؤلفات من عناية سياسية كبيرة لاسيما “المرشدة” في العقيدة الأشعرية؛ نظرا لبساطتهـا وبـلاغتها وسلامتها من القول بالمهدوية والعصمة، وكان لأمر عبد المؤمن عامة الناس بحفظ المرشدة و فهمها دور فعال في انتشارها وذيوعها، مما جعلها سببا في نشوء مدرسة في أصول الدين ببلاد المغرب الإسلامي ذات صبغة أشعرية، فنشط تدريس هذا العلم، والتأليف فيه، بعدما كان مهجـورا مقبحا معدودا من البدع، مأمورا في عهد المرابطين بتجافيه، مشددا على من وقع الشك في الميل إليه، -كما يقول الدكتور عبد المجيد النجار-.
ثم أشار الباحث في الختام إلى أن جهود ابن تومرت العلمية لنشر المذهب الأشعري في المغرب واكبتها جهود فقيهيْن أشعريين، أحدهما هو أبو الحجاج يوسف بن موسى الكلبي السرقسطي المراكشي الضرير(تـ 520 هـ / 1126 م) والمشهور بمنظومته العقيدية الأشعرية المسماة بـ”الإرشاد و التنبيه في علم الاعتقاد”، والرجل الثاني الذي كان له إسهام كبير في انتشار المذهب الأشعري علميا في المغرب الإسلامي هو القاضي أبو بكر بن العربي الإشبيلي ( تـ 520 هـ / 1126 م ) ليخلص أخيرا إلى القول: « ويصح القول إن الأشعرية شقّت طريقها إلى المغرب بالسيف والقلم، السيف الذي مثَّله ابن تومرت، والقلم الذي مثَّله ابن العربي، إلا أن الذي يبدو لنا أن حدّ السيف كان أقوى وأمضـى من مداد القلم..»
وهذا ما أكده الباحث في الخاتمة حين قال:« والـواقع أن العامل السياسي كان عاملا رئيسيـًا وحاسمـًا في استقرار المذهب الأشعري وانتشاره في العالم الإسلامي شرقه وغربه من منتصف القرن 5هـ /10م إلى بداية القرن 8هـ /13م، فـأصبح الأشاعرة قوة سياسية  وعقيدية لها وزنها في العالم الإسلامي؛ إذ كان العامل السياسي أقوى من الحق الذي يحملونـه في قلوبهم، وأمضى من الحماس الذي يجري في صدورهم. ومـا يـُـمكن أن نخلص إليـه أيـضـًا  هو أن العامل السياسي إذا تحالف مع العامل الديني فإنـه يلـعب الدور الأكبـر في تقدم المذاهب وتراجعها، فالناس على ديـن ملوكهـم و علمائهـم».
المراجع المعتمدة:
– ابن خلدون عبد الرحمن بن محمد الحضرمي ، المقدمة – الطبعة -5 / الكويت- دار القلم -1405 هـ / 1984 م .
– تاريخ ابن خلدون –بيروت- دار الفكر للطباعة و النشرو التوزيع-1401هـ/1981م    
– ابن فرحون اليعمري المالكي، الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب- بيروت- دار الكتب العلمية- بدون ت.ط  .
– البيدق أبي بكر الصنهاجي، أخبار المهدي بن تومرت- تحقيق عبد الحميد حاجيات- الشركة الوطنية للنشر و التوزيع- 1975/1396 هـ .  
– السلاوي أبو العباس خالد الناصري ، الإستقصا لأخبار دول المغرب الأقصا – تحقيق : جعفر الناصري و محمد الناصري الطبعة  1 – الدار البيضاء ،  دار الكتاب 1418هـ / 1997 م  .  
– المراكشي عبد الواحد، المعجب في تلخيص أخبار المغرب من لدن فتح الأندلس إلى آخر عصر الموحدين –  تحقيق:  محمد سعيد العريان , محمد العربي العلمي ، الطبعة-1 / القاهرة – مطبعة الاستقامة – 1368 هـ / 1949 م  .
– احنانا يوسف ، تطور المذهب الأشعري في المغرب الإسلامي ، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية – المملكة المغربية – 1424 هـ/ 2003 م  .  
– التهامي إبراهيم ، الأشعرية في المغرب دخولها، رجالها، تطورها، و موقف الناس منها، الطبعة 1 – دار قرطبة –  1427هـ / 2006 م .      
– عز الدين عمر موسى، الموحدون في المغرب الإسلامي، تنظيماتهم و نظمهم، الطبعة 1 – بيروت/دار الغرب الإسلامي-1411 هـ/1991م.  
-علام عبد الله علي، الدعوة الموحدية بالمغرب -الطبعـة 1 -القاهـرة / دار المعرفة – 1964م
– عنان محمد عبد الله، عصـر المرابطين والموحدين في المغرب والأندلس- القاهرة/ مكتبة الخانجي- 1411هـ/ 1990م   .  
– النجار عبد المجيد ،  المهدي بن تومرت: حياته آراؤه و ثورته الفكرية والاجتماعية وأثره بالمغرب – دار الغرب الإسلامي / 1403هـ/ 1983م  .  
– تجربة الإصلاح في حركة بن تومرت – الطبعة 2 – المعهد العالمي للفكر الإسلامي/   1415هـ/1995م  .   
– عبد المجيد النجار ، فصول في الفكر الإسلامي بالمغرب – الطبعة / بيروت- دار الغرب الإسلامي-1413هـ / 1992 م

    
        

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. رسالة ماجستبر فيها الكثير من المغالطات فالمذهب الاشعري متواجد قبل ابن تومرت ولا علاقة بالسيف في انتشار هذه العقيدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق