مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوت العقديةدراسات عامة

دور أبي بكر بن العربي في نشر الأشعرية بالغرب الإسلامي

يقول عبد المجيد النجار: «تشاء الأقدار أن يكون الإسهام المغربي الحقيقي في إنماء الأشعرية وإثرائها ونشرها نهائيا بالمغرب كاملا، أن يكون ذلك صادرا من المغرب الأقصى والأندلس على يد رجلين من أفذاذ علماء العقيدة الأشعرية هما:”أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي”(ت543هـ)، و”محمد بن عبد الله بن تومرت”(ت524هـ).فقد ارتحل كل منهما إلى المشرق ودرس العقيدة الأشعرية على أبي حامد الغزالي(ت505هـ) وتشبع بمنهجية هذه العقيدة وبحصيلة آرائها في المسائل الكلامية. ثم إن ابن العربي رجع إلى قرطبة، وشرع في تدريس الفقه على المذهب المالكي والعقيدة في الأندلس والمغرب خاصة، وقد ألَّف في بسطها وتفصيلها والإقناع بها كتبا كثيرة من أهمها كتابه الذائع الصيت”العواصم من القواصم”، إلى جانب ما جلب وروَّج من كتبها من مؤلفات الباقلاني والجويني إمام الحرمين والغزالي، وقد ظهرت في مؤلفات ابن العربي روح الابتكار والتطوير في الأشعرية، فلم يكن بذلك متلقيا فحسب، بل كان منتجا مسهما في الإثراء..»[1]نسبه ومولده ونشأته[2]:
وابن العربي هو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد المعافري الإشبيلي، من مواليد إشبيلية سنة468هـ، تربَّى في أحضان أسرة كانت لها حظوة لدى المعتمد بن عباد في عصر دول الطوائف، ويذكر ابن فرحون أنه كانت لأبيه عبد الله بن العربي عند العبادية أصحاب إشبيلية مكانة مرموقة ورئاسة..وقد تولى أبوه وخاله تعليمه وتكوينه، حيث أخذ عنهما أصول الثقافة الإسلامية في ذلك العصر، فحذق القرآن الكريم وضبط قراءاته، وألمَّ بالقراءات، وأخذ إلى جانب ذلك حظا وافرا من العربية وآدابها شعرا ونثرا، وارتحل إلى المشرق ومكث به زمنا يتردد فيه على العلماء، مما أفاض فيه ابن خلدون في مقدمته وعبره، وما بثه ابن العربي بنفسه في كتابه عن هذه الرحلة الماتعة “ترتيب الرحلة”.
 يقول عمار الطالبي عن رحلاته: «يمتاز أبو بكر بن العربي بأنه يترجم لنفسه، ويتحدث عن حياته وأسفاره، ويلذُّ له أن يسجل ما رآه وما وقع له. فأرخ لرحلته في كتاب سماه”ترتيب الرحلة للترغيب في الملة” ولم يقتصر على ذلك؛ بل كان يتحدث في جميع مصنفاته عن رحلته، ويشير إلى أشياء كثيرة حدثت له، ويبدو أنه كان يفخر بذلك ويعتز بلقائه للعلماء والفقهاء من كل مذهب ومن كل فرقة وبدخوله الأمصار وبتجواله في مختلف الأقطار..» [3].
وفي تحليته يقول ابن فرحون: «الإمام العلامة، الحافظ المتبحر، ختام علماء الأندلس، وآخر أئمتها وحفاظها، وأبوه أبو محمد من فقهاء بلده إشبيلية ورؤسائها..»[4].
وذكره ابن بشكوال في الصلة وقال فيه: «هو الإمام العالم الحافظ المستبحر، ختام علماء الأندلس وآخر أئمتها وحفاظها..رحل إلى المشرق مع أبيه.. دخل الشام ولقي بها أبا بكر محمد بن الوليد الطرطوشي..ودخل بغداد وسمع بها من أبي الحسين المبارك..ثم رحل إلى الحجاز فحج..وسمع بمكة من أبي علي الحسين بن علي الطبري وغيره..ثم عاد إلى بغداد ثانية..ثم عاد إلى الأندلس سنة ثلاث وتسعين، وقدم بلده إشبيلية بعلم كثير لم يدخله أحد قبله ممن كانت له رحلة إلى المشرق.. وكان من أهل التفنن في العلوم والاستبحار فيها والجمع لها، متقدما في المعارف كلها، متكلما في أنواعها، نافذا في جميعها، حريصا على أدائها ونشرها، ثاقب الذهن في تمييز الصواب منها، ويجمع إلى ذلك كله؛ آداب الأخلاق مع حسن المعاشرة ولين الكنف وكثرة الاحتمال وكرم النفس وحسن العهد وثبات الوعد..»[5].
وقال ابن عساكر: «وخرج من دمشق سنة إحدى وتسعين راجعاً إلى بلده، ولما عاد إلى بلده  صنف كتابا في شرح جامع أبي عيسى سماه”عارضة الأحوذي في شرح كتاب الترمذي”، ولقي بمصر والإسكندرية جملة من العلماء، ثم عاد إلى الأندلس سنة ثلاث وتسعين، وقدم إشبيلية بعلم كثير، وكان موصوفاً بالفضل والكمال، وولي القضاء بإشبيلية، ثم صرف عنه، ومولده ليلة يوم الخميس لثمان بقين من شعبان سنة ثمان وستين وأربعمائة، وتوفي بمغيلة بمقربة من مدينة فاس، ودفن بفاس في ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة..»[6].
وتوفي ابن العربي تاركا مؤلفات عدة في مختلف العلوم والحكم. يقول ابن فرحون: «وصنف في غير فن تصانيف مليحة كثيرة حسنة مفيدة منها: “أحكام القرآن” كتاب حسن، وكتاب “المسالك في شرح موطأ مالك”، وكتاب “القبس على موطأ مالك بن أنس”، و”عارضة الأحوذي على كتاب الترمذي”، و”العواصم من القواصم”، و”المحصول في أصول الفقه”، و”سراج المريدين” و”سراج المهتدين” و”كتاب المتوسط” وكتاب “المتكلمين”، وله تآليف في حديث أم زرع، وكتاب “الناسخ والمنسوخ” و”تلخيص التلخيص” وكتاب “القانون في تفسير القرآن العزيز”، وله غير ذلك من التآليف..»[7].
دور أبي بكر بن العربي في نشر الأشعرية بالغرب الإسلامي:
يقول عبد الله غاني: «يعد [ابن العربي] من العلماء الذين قال عنهم الغزالي أنهم كانوا يقصدون بعلمهم وجه الله لا وجه الدنيا، وتعد جهوده من أجل الدفاع عن العقيدة الصحيحة وفي الرد على أفكار الخوارج والشيعة وغيرهم ودحض التهم التي وجهها هؤلاء إلى الصحابة رضوان الله عليهم أو إلى بعضهم جهادا في سبيل تركيز العقيدة الأشعرية في المغرب.. ونثبت هنا ما يرويه ابن فرحون عن الإمام السهيلي لإيضاح التزامه بالعقيدة الأشعرية وإيضاح دوره كحلقة في سلسلة السند الذي نفذت عبره الأشعرية إلى المغرب، يقول صاحب الديباج المذهب: «قال الإمام السهيلي: أخبرنا أبو بكر بن العربي في مشيخته عن أبي المعالي أنه سأله في مجلسه رجل من العوام فقال أيها الفقيه الإمام: أريد أن تذكر لي دليلا شرعيا على أن الله تعالى لا يوصف بالجهة ولا يحدد بها؟ فقال نعم؛ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تفضلوني على يونس بن متى). فقال الرجل: إني لا أعرف وجه الدليل من هذا الدليل؟ وقال كل من حضر المجلس مثل قول الرجل. فقال أبو المعالي: أضافني الليلة ضيف له عليَّ ألف دينار، وقد شغلت بالي، فلو قُضيت عني قلتها. فقام رجلان من التجار فقالا: هي في ذمتنا. فقال أبو المعالي: لو كان رجلا واحدا يضمنها كان أحب إليَّ، فقال أحد الرجلين-أو غيرهما-: هي في ذمتي. فقال أبو المعالي:  نعم؛ إن الله تعالى أسرى بعبده فوق سبع سموات حتى سمع صرير الأقلام، والتقم يونس الحوت فهوى به إلى جهة التحت من الظلمات ما شاء الله. فلم يكن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم -في علو مكانه- بأقرب إلى الله تعالى من يونس -في بعد مكانه- فالله تعالى لا يُتقرب إليه بالأجرام والأجسام، وإنما يُتقرب إليه بصالح الأعمال».[8]ويقول إبراهيم التهامي في معرض حديثه عن العلماء الذين ساهموا في انتشار الأشعرية بالغرب الإسلامي: «ولكن الرجل الذي كان له الدور الأكبر في نشر طريقة الجويني بالمغرب هو أبو بكر بن العربي، الذي رحل إلى المشرق ولقي أعظم تلاميذ الجويني: أبا حامد الغزالي(ت505هـ) حيث أخذ عنه طريقة أبي المعالي الجويني في الإرشاد، كما أن أبا الوليد الباجي جلب بدوره إلى المغرب طريقة أبي جعفر السمناني(ت444)..»[9]
وعن تأثر القاضي ابن العربي بآراء أستاذه أبي حامد الغزالي، يقول عبد المجيد النجار: «فقد التقى بالغزالي في رحلته العلمية إلى المشرق، وتتلمذ عليه ولازمه مدة، ودرس عليه بعض كتبه، وذكر هو نفسه ذلك إذ قال: (قرأت عليه جملة من كتبه وسمعت كتابه الذي سماه بالإحياء لعلوم الدين)، ومن المؤكد أن يكون من بين تلك الكتب بعض كتب الغزالي المنطقية؛ ذلك لأننا نجده يتكلم فيها كلام من خبرها وعرف محتواها إذ يقول: (وأبدع[أي الغزالي] في استخراج الأدلة من القرآن على رسم الترتيب في الوزن الذي شرطوه على قوانين خمسة بديعة في كتاب سماه “القسطاس” ما شاء، وأخذ في معيار العلم عليهم طريق المنطق، فرتَّبه بالأمثلة الفقهية والكلامية، حتى محا فيه رسم الفلاسفة ولم يترك لهم مثالا ولا ممثلا، وأخرجه خالصا من دسائسهم..)، ثم إن ابن العربي لما عاد إلى الأندلس من رحلته جلب معه كتبا للغزالي ومن بينها كتبه المنطقية”كمحك النظر”و”معيار العلم”..»[10] ويضيف كذلك: «هذان الرجلان لم يقوما مباشرة بإدخال المنطق في الدراسات الفقهية بالمغرب، بل لقد كان ابن العربي يرى وجوب التحري في ذلك لأنه إذا ما أسند إلى غير كفء باء بالضرر الكبير، وقد كان يوحي بذلك إلى تلاميذه إذ يقول لهم: (وعلى كل حال فالذي أراه لكم على الإطلاق، أن تقتصروا على كتب علمائنا الأشعرية، وعلى العبارات الإسلامية، والأدلة القرآنية..فإن أبا حامد وغيره، وإن كان لبس للحال معهم [أي الفلاسفة] لبوسها [باستعمال المنطق]، وأخذ نعيمها ورفض بؤسها..فليس كل قلب يحتمله.. فهو وإن كان سبيلا للعلم، ولكنه مشحون بالغرر..أما أن الرجل إذا وجد من نفسه منة أو تفرس فيه الشيخ المعلم له ذلك، فلابد من توقيفه على جميع مآخذ الأدلة..)»[11].
وفي نفس الشأن يقول عمار الطالبي: «ثم بعد أن قضى مناسك الحج، رجع إلى بغداد كما أخبرنا، وفي هذه الفترة وقع حادث هام في حياة أبي بكر بن العربي العقلية، وهو لقاؤه بالغزالي..قال أبو بكر: (فقرأت عليه جملة من كتبه، وسمعت كتابه الذي سماه”بالإحياء لعلوم الدين” فسألته سؤال المسترشد عن عقيدته، المستكشف عن طريقته لأقف من سر تلك الرموز التي أومأ إليها في كتبه على موقف تام المعرفة، وطفق يجاوبني مجاوبة الناهج لطريق التسديد للمريد..)[12]، وأخبرنا أنه لقيه وفاوضه وأخذ عنه..وبين لنا في كتابه”قانون التأويل”: أنه لقيه برباط أبي سعيد فقال: (ورد علينا دانشمند-يعني الغزالي- فنزل برباط أبي سعد بإزاء المدرسة النظامية، معرضا عن الدنيا، مقبلا على الله تعالى، فمشينا إليه، وعرضنا أمنيتنا عليه، وقلت له: أنت ضالَّتنا التي كنا ننشد، وإمامنا الذي به نسترشد، فلقينا لقاء المعرفة، وشاهدنا منه ما كان فوق الصفة..)[13] »[14].
ويضيف عمار الطالبي قائلا: «وعندما رجع إلى المغرب بث كتب الغزالي عن طريق التدريس، ويتبين لنا ذلك من شهادة أحد تلاميذ ابن العربي، وهو أبو بكر محمد بن خير الإشبيلي اللمتوني(575هـ/1179م) حيث نص على أنه روى تآليف الغزالي عن القاضي أبي بكر بن العربي..»[15].
ويحكي يوسف احنانا عن دور ابن العربي المعافري في انتشار الأشعرية بالغرب الإسلامي قائلا: «والواقع أن أهمية هذا الرجل في نشر وتطور المذهب الأشعري كبيرة، ويمكن إبرازها في شيئين:
1-في كونه نقل من المشرق إلى الغرب الإسلامي مجموعة من أمهات كتب الأشاعرة، فقد كان فعلا في شبابه رحل من الأندلس إلى المشرق لقضاء مناسك الحج وعلى إثرها عرج على العراق طلبا للتوسع في العلم والاحتكاك بعلماء العصر هناك، والأخذ عنهم، وهناك التقى بأبي حامد الغزالي..وروى عنه مجموعة من كتبه من أهمها إحياء علوم الدين..والأهم من هذا كله أنه حين عودته إلى الأندلس حمل معه مجموعة من كتب الأشاعرة في أصولي الفقه والدين..
2- في كون ابن العربي ألف مجموعة من الكتب والرسائل التي نطقت بالجانب العقدي الأشعري..[وكان] يبدي كل الوفاء لتعاليم هذا المذهب، يدافع من خلاله ويرد عنه ما خالفه أو عارضه من الأفكار..ولعل الذي يلقي نظرة على لائحة ما تركه ابن العربي من مؤلفات في هذا المجال، أو يقرأ بعضها يخرج بانطباع واحد هو أشعرية هذا الرجل النقية الصافية..»[16].
ويضيف كذلك بعد أن عرض لمجموعة من مؤلفات القاضي ابن العربي: «إن هذا الثبت..يضم كتبا مفقودة وأخرى مخطوطة وأخرى مطبوعة، لكنها جميعها تتحرك داخل مناخ الفكر الأشعري وتتكلم باسمه، وهي على وفرتها تشهد على أن دور ابن العربي في هذه الفترة كان مهما وكبيرا، فقد كانت الشروط الموضوعية تقتضي من المدافعين الأوائل عن الفكر الأشعري أن يسهموا إسهامات كبيرة في التأليف على هذا المذهب والدفاع عنه في الكتب والرسائل، وهذا ما يتجلى واضحا في أعمال ابن العربي..»[17].
 ويؤكد هذا الكلام عبد الله غاني قائلا: «وهكذا عمل القاضي أبو بكر بن العربي طيلة أربعين سنة في التدريس وتركيز العقيدة الأشعرية والفقه المالكي، ومما يؤكد ذلك أن العقيدة النظامية التي ألفها الإمام الجويني وكانت من بين المتون التي تدرس في علم العقائد، سمعها ودرسها ابن العربي عن الإمام الغزالي الذي أخذها بدوره عن واضعها الجويني، وهكذا دخلت إلى المغرب على يد الإمام أبي بكر بن العربي وكانت تدرس به»[18].
وإلى هذا الرأي ذهب عبد الخالق احمدون حين قال: «وفي هذه الفترة برز في الأندلس الفقيه المالكي الكبير أبو بكر محمد بن العربي المعافري(ت543هـ)، أكبر شخصية مالكية أشعرية بالغرب الإسلامي، والذي سيتطور المذهب الأشعري على يديه تطورا ملحوظا، من خلال ما نقله من المشرق من كتب علم الكلام على طريقة الأشعرية، ونذكر منها على سيل المثال:”مدارك العقول”، و”العقيدة النظامية” للجويني، و”محك النظر”، و”الاقتصاد في الاعتقاد” للغزالي، و”الجامعين”الخفي والجلي للاسفراييني. ثم إن كتبه الكلامية تنطق بما لا يدع مجالا للشك بكونه على مذهب الأشعرية، ومدافعا قويا عنهم. ونذكر من كتبه: “الأمد الأقصى بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا”، “رسالة الغرة في الرد على ابن حزم”،”العواصم من القواصم” كتاب”المتوسط في معرفة الاعتقاد” و”المقسط في شرح المتوسط”[19].
بعض مواقفه الأشعرية:
يؤكد عمار الطالبي –بعد أن أورد كثيرا من آراء ابن العربي- وجهة نظر ابن العربي الأشعرية- قائلا: «يظهر لنا من كل ما تقدم أن منهج أبي بكر بن العربي منهج أشعري توسط فيه بين غلاة المتأولين وبين غلاة أهل النص، أي بين غلاة الباطنية وبين غلاة الظاهرية، ومما يدلنا على أن منهجه منهج أشعري في أغلب سماته، أنه توجه ذات يوم إلى طلابه ناصحا لهم وموجها إياهم إلى المنهج الذي يراه صحيحا مؤديا إلى الحقيقة، وقال لهم: (وعلى كل حال فالذي أراه لكم على الإطلاق أن تقتصروا على كتب علمائنا الأشعرية، وعلى العبارات الإسلامية، والأدلة القرآنية)[20]. وأوضح لنا منهج القرآن في الاستدلال، ونصح بالاقتصار عليه، إلا أن يجد الإنسان من نفسه القوة، أو يجد فيه أستاذه بالفراسة أهلية لأن يخوض غمار المعارف، ومناهج الأدلة الفلسفية، فلابد له حينئذ من أن يقف عليها حتى يكون بصيرا بالنضال عن الشريعة والذب عن حياضها، وذهب إلى أن منهج الفلاسفة وإن كان سبيلا للعلم. إلا أن فيه مغامرة ومخاطرة، وليس كل إنسان يحتمله ويستقل به، كما فعل أبو حامد الذي سلك طريقا غير مأمونة العواقب. ومن هنا فإن أبا بكر لم يعط للعقل سلطة مطلقة، إذ أنه وقف إزاءه موقفا نقديا، فحدَّدَ مجالَه وجعل من ورائه طورا يقصر عن إدراكه، بل إنه حتى في مجال إدراكه الذي أعد له، فإنه يجب الحذر منه والاحتياط كي لا يضل..»[21]
– موقفه من الطاعنين في اختلاف الصحابة: يقول عبد الله غاني موردا بعض النصوص التي تؤكد أشعرية ابن العربي ودفاعه عن عقيدة أهل السنة والجماعة ضد المواقف الكلامية الأخرى المنافية، وذلك في كتابه”العواصم من القواصم”؛ في قاصمة التحكيم التي قال فيها: «وقد تحكَّم الناس في التحكيم فقالوا فيه ما لا يرضاه الله. وإذا لحظتموه بعين المروءة-دون الديانة- رأيتم أنها سخافة حمل على سطرها في الكتب في الأكثر عدم الدين، وفي الأقل جهل متين..[ وقال في ختام هذه القاصمة]: فهذا كان بدء الحديث ومنتهاه، فأعرِضوا عن الغاوين، وازجروا العاوين، وعرجوا عن سبيل الناكثين إلى سنن المهتدين، وأمسكوا الألسنة عن السابقين إلى الدين. وإياكم أن تكونوا يوم القيامة من الهالكين بخصومة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد هلك من كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خصمه، ودَعُوا ما مضى فقد قضى الله فيه ما قضى، وخذوا لأنفسكم الجد فيما يلزمكم اعتقادا وعملا، ولا تسترسلوا بألسنتكم فيما لا يعنيكم مع كل ناعق اتخذ الدين هملا، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا..ورحم الله الربيع بن خيثم، فإنه لما قيل له: قُتل الحسين، قال: أقتلوه؟ قالوا: نعم. قال: (اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون[الزمر/43]، ولم يزد على هذا أبدا، فهذا العقل والدين، والكف عن أحوال المسلمين، والتسليم لرب العالمين»[22]. وقد علق عبد الله غاني على هذه القاصمة قائلا: «هذه هي العقيدة الخالية من الشوائب والسليمة من الشطط والمغالاة، وهكذا يبثها ابن العربي في تلاميذه مشافهة وكتابة كما أخذها عن شيوخه..»[23].
– موقفه من غلو الشيعة في إمامة علي:  وفي مناقشته للشيعة الذين يقولون بأن النبي صلى الله عليه وسلم نصَّ على استخلاف عليٍّ بعده، قال ابن العربي: «عاصمة: يكفيك من شرٍّ سماعُه، فكيف التململ به خمسمائة عام عدًّا إلى يوم مقالي هذا-لا ننقص منها يوما ولا نزيد يوما- وهو مهلُّ شعبان سنة ست وثلاثين وخمسمائة، وماذا يرجى التمام إلا النقص؟ ما رَضِيت النصارى واليهود في أصحاب موسى وعيسى ما رضيت الروافض في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين حكموا عليهم بأنهم قد اتفقوا على الكفر والباطل، فما يرجى من هؤلاء وما يستبقى منهم؟ وقد قال الله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا)[النور/53]، وهذا قولٌ صدق، ووعدٌ حق. وقد انقرض عصرهم ولا خليفة فيهم ولا تمكين، ولا أمن ولا سكون، إلا في ظلم وتعد وغصب وهرج وتشتيت وإثارة ثائرة..[ثم أضاف]: وإذا لم ينفذ هذا الوعد في الخلفاء فلمن ينفذ؟ وإذا لم يكن فيهم فبمن يكون؟ والدليل عليه انعقاد الإجماع أنه لم يتقدمهم في الفضيلة أحد إلى يومنا هذا، ومن بعدهم مختلف فيه، وأولئك مقطوع بهم، متيقن إمامتهم، ثابت نفوذ وعد الله لهم، فإنهم ذَبُّوا عن حوزة المسلمين وقاموا بسياسة الدين..قال علماؤنا: ومَن بَعدهم تبع لهم من الأئمة الذين هم أركان الملة ودعائم الشريعة، الناصحون لعباد الله الهادون من استرشد إلى الله ، فأما من كان من الولاة الظلمة فضرره مقصور على الدنيا وأحكامها..وأما حفاظ الدين فهم الأئمة العلماء الناصحون لدين الله.. وهذه كلها إشارات أو تصريحات أو دلالات أو تنبيهات، ومجموع ذلك يدل على صحة ما جرى، وتحقيق ما كان من العقلاء.. »[24]، ثم عقب عبد الله غاني على هذا الأمر بالقول: «ويتجلى من خلال هذه الردود صفاء العقيدة والنزاهة في التفكير وتوخي الموضوعية والحق عن طريق البراهين والأدلة الشرعية والعقلية، وكل هذا كان يبثه ابن العربي في تلاميذه ومعاصريه، وهكذا كان له فضل تخريج علماء الجيل..[وأضاف] وهكذا جاهد ابن العربي طوال حياته من أجل إثبات العقيدة الأشعرية في المغرب.. »[25].
– نظرية الكسب: يقول عمار الطالبي: «يذهب ابن العربي إلى أن طريق الخير وطريق الشر واضحان، لأن الله بيَّن للناس النجدين، وخلق لهم المعرفة وسبلها؛ وهي الحواس والعقل، غير أنه خلق الشهوة بجانب العقل، والشيطان بجانب الملك، ولا يبرحان عن صراع بينهما ونزاع..[ويضيف بيانا لهذه المسألة قائلا]: الواقع أن ابن العربي لم يخرج في هذا المجال عن نطاق الأشعري في الكسب، لأننا استطعنا الوصول إلى نصوص في كتبه تثبت ما ندعيه، وتبرهن عليه، إذ أنه قد صرح في كتابه”العواصم من القواصم” بمذهبه فقال: (وتبين لنا أن العبد مكتسب، غير فاعل)، ونفى عن نفسه الجبر والاضطرار، وأثبت القدرة الحادثة للإنسان، وبها يكتسب أفعاله، وتنسب وتضاف إليه بوصف خاص. وبيَّن لنا أن الأفعال تضاف إلى الله بالوصف العام، وتضاف إلى العبد باعتبارها فعلا بالوصف الخاص، فجهة الفعل المضافة إلى الله غير جهته المضافة إلى الإنسان، ولندعه يحدثنا بنفسه عن مذهبه في كتابه قانون التأويل، قال:(إن الله سبحانه خالق أعمالنا، مخترع أعيانها وأعمالها، ونحن مكتسبون لها قادرون عليها مختارون لها غير مجبورين عليها ولا مضطرين إليها، وأن المكتسِب منا قادر على الحقيقة لما خلقه الله كسبا له، وأنه مأمور باكتساب الطاعة إذا كان عاقلا بالغا، ممدوح مثاب عليها إذا اكتسبها، مذموم معاقب على تركها، ويقال للمكتسب إنه مطيع عاص على الحقيقة عادل ظالم على الحقيقة إذا اكتسب عدلا وظلما، وكل ذلك مخلوق لله تعالى وهي مضافة إلى الله تعالى بالوصف العام، والخلق والفعل مضاف إلى المكتسبين بالوصف الخاص، وهو كونه ظلما للظالم منا، وجرما للمجرم خلاف مذهب القدرية والجبرية وهو الصواب)[26] ..وهذا الأمر يجعل الكسب الأشعري قائما على أساس متين، ما دام الإنسان هو الذي يختار لنفسه ، ويعين مصيره بإرادته الداخلية. أما الفعل الخارجي فهو في بعض جوانبه خارج عن نطاق الإنسان»[27].
– التحسين والتقبيح العقليان: يقول عمار الطالبي: «وقف ابن العربي إزاء هذه المسألة موقفا أشعريا واضحا، إذ بيَّن أن الأشياء والأفعال لا تنطوي في ذاتها على صفات تجعلها حسنة أو قبيحة. فإذا كان الفلاسفة والمعتزلة يذهبون إلى أن الحسن صفة تقوم بذات الشيء، كما يقوم اللون بالملون فيما يقول أبو بكر، فإن أهل السنة من الأشاعرة يرون أن الحسن: (عبارة عن مدح الشارع له، ولا يكون له منه معنى يقوم بذاته)، ونص في كتابه:” أحكام القرآن” أيضا على نفس هذا المعنى، فعرف الحسن ونفى أن يكون صفة ذاتية، وعبر عن ذلك بأن الحسن هو: (كل ما مدح فاعله، وليس الحسن صفة للشيء، وإنما الحسن خبر من الله تعالى عنه، بمدح فاعله). إن العقل لا مجال له في الحكم على الأشياء بتحسين ولا تقبيح، ولا بتحريم أو تحليل، وإنما يعود ذلك إلى مجال النبوة، أو مجال الشرع، لأن العقول في نظره لا تهتدي بذاتها إلى المنافع التي تخلو من ضلال الخواطر وتؤدي إلى النجاة من المسؤولية في الآخرة، الأمر الذي لا يستطيع العقل الإنساني الوصول إلى تفاصيله ولا يمكن له أن يدركه. ومعنى ذلك أن العقل الإنساني معزول عن إيجاب حكم من أحكام الشرع، أما إدراك بعض وجوه النفع والضر والحسن والقبح مما يعود إلى المصالح الدنيوية فلا يشك عاقل في أن الإنسان يدرك ذلك ويتصرف على مقتضاه. أما القول بأن العقل يوجب أو يحظر بناء على إدراك الحسن أو القبح فذلك في نظر ابن العربي جهل عظيم، وهذا مذهب أبي الحسن الأشعري ورأيه لأنه فرق-فيما يقول لنا الشهرستاني- بين حصول معرفة الله تعالى بالعقل وبين وجوبها به، فقرر أن المعارف كلها تحصل عن طريق العقل، ولكن وجوبها لا يكون إلا عن النقل أو السمع، ومعنى ذلك أنه يقصد إلى نفي الوجوب التكليفي عن طريق إدراك العقل، ولا يقصد إلى نفي حصول الإدراك العقلي عن العقل»[28]. هذه جملة من آراء أبي بكر بن العربي المعافري الأشعرية، من خلال تتبع لآرائه من كتبه، وأختم بما ختم به يوسف احنانة حين قال: «والواقع أن شخصية ابن العربي في إطار علم الكلام الأشعري هي شخصية متبحر مطلع له اختياراته المتميزة وآراؤه الخاصة، يبدو ذلك جليا من خلال مؤلفاته التي وصلتنا حيث تتبدى فيها شخصيته الفكرية من حيث إبداء آرائه وإبراز مواقفه الخاصة وتفرده ببعض الدقائق..»[29].  

الهوامش:

[1] فصول في الفكر الإسلامي بالمغرب-عبد المجيد النجار-دار الغرب الإسلامي/بيروت-الطبعة الأولى/1992-ص:33-34
[2] ترجمته في: الوافي بالوفيات3/230- 141-وفيات الأعيان4/296-الصلة2/558- شذرات الذهب في أخبار من ذهب، تأليف: ابن العماد، ج4، ص141.المعجب عبد الواحد المراكشي-ص102-103-الديباج المذهب لابن فرحون –ج/2-ص:198-رقم:75
[3] آراء أبي بكر بن العربي الكلامية-عمار الطالبي-الشركة الوطنية للنشر والتوزيع/الجزائر-ص:29
[4] الديباج المذهب لابن فرحون –ج/2-ص:198-رقم:75
[5] الصلة لابن بشكوال-ص:459-460-رقم:1300 –اعتنى به:صلاح الدين الهواري-وص:203-204-رقم:1307-ضبط:جلال الأسيوطي
[6] تاريخ دمشق لابن عساكر-ج25/ص:24
[7] الديباج المذهب لابن فرحون –ج/2-ص:198-رقم:75
[8] بحث بعنوان:دخول الأشعرية إلى المغرب-عبد  الله غاني-مجلة دار الحديث الحسنية-العدد:9/1412هـ-ص:110-والقصة في الديباج المذهب-ج1ص412-413
[9] الأشعرية في المغرب-دخولها، رجالها، تطورها، وموقف الناس منها-إبراهيم التهامي-دار قرطبة/الجزائر-الطبعة الأولى/2006-ص:25-26
[11-10] فصول في الفكر الإسلامي-عبد المجيد النجار-ص:120-121-وانظر نصوص ابن العربي من كتاب العواصم من القواصم/النص الكامل-مركز الأنصار للتحقيق والبحث العلمي-مكتبة الأنصار/مصر-الطبعة الأولى/2006-ص:95-96
[13-12] انظر نصوص ابن العربي من كتاب العواصم من القواصم/النص الكامل-مركز الأنصار للتحقيق والبحث العلمي-ص:42
[14] آراء أبي بكر بن العربي-عمار الطالبي-ص:34-35-وانظر النص في نفح الطيب-ج1/338و343-وانظر كذلك قانون التأويل-ص:449-450
[15] نفسه-ص:55
[17-16] تطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي-تأليف الأستاذ يوسف احنانة-منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية/2003 -ص:110
[18] بحث عبد الله غاني-مجلة دار الحديث-ص:112-113
[19] بحث بعنوان: عناية المغاربة بالعقيدة الأشعرية-عبد الخالق احمدون-موقع إلكتروني.
[20] كتاب العواصم من القواصم/النص الكامل-مركز الأنصار للتحقيق والبحث العلمي- ص:95-96
[21] آراء أبي بكر بن العربي-عمار الطالبي-ص:158 -159
[22] العواصم من القواصم- النص الكامل-مركز الأنصار للتحقيق والبحث العلمي ص:117-123
[23] بحث عبد الله غاني-مجلة دار الحديث -113-121
[24] العواصم من القواصم- النص الكامل-مركز الأنصار للتحقيق والبحث العلمي ص:125-133
[25] بحث عبد الله غاني-مجلة دار الحديث- 113-121
[26] أحكام القرآن لابن العربي-ق1/119
[27] آراء أبي بكر بن العربي-عمار الطالبي-ص:195- وانظر: قانون التأويل-4/68
[28] نفسه ص: 203-204
[29] تطور المذهب الأشعري –يوسف احنانة-ص:112.

 

                                                                 إعداد الباحث: منتصر الخطيب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق