مركز الدراسات القرآنية

دة. فريدة زمرد ترصد الأدوات العلمية والمصادر المعتمدة في التفسير

ألقت الأستاذة الدكتورة فريدة زمرد عضو المكتب التنفيذي للرابطة المحمدية للعلماء وأستاذة التعليم العالي بمؤسسة دار الحديث الحسنية، يوم الخميس 10 ماي 2012م الموافق لـ 18 جمادى الثانية 1433ﻫ، محاضرة علمية بعنوان: «قضايا تاريخ التفسير وتطوره»، بقاعة المحاضرات بمؤسسة دار الحديث الحسنية، وذلك في سياق البرنامج العلمي والثقافي للموسم الجامعي 2011م ـ 2012م.

بعد تلاوة ما تيسر من الذكر الحكيم، تناولت الدكتورة فريدة زمرد الكلمة؛ عبرت خلالها عن سعادتها بهذا اللقاء العلمي، عرضت بعدها محاضرتها القيمة، والتي ضمنتها جملة من النظرات والملاحظات حول موضوع تاريخ التفسير وتطوره؛ ملاحظات تثير قضايا تحتاج إلى علاج، وهي بداية ـ حسب قولها ـ تستتبع ما تستتبع من نظر ومن درس.

وقد عالجت الموضوع مركزة على نقطتين أساسيتين في هذا العرض، وهما: «تاريخ التفسير وتطوره»؛ حيث أشارت في المقدمة إلى علم التفسير؛ بين علميته والتأريخ له، على اعتبار أنه في فترة من الفترات هناك من الدارسين والباحثين من ناقش مسألة علمية التفسير، واعتبرت أن الحديث عن تاريخ التفسير هو الحديث عن تاريخ العلم بكل ما يحمل هذا المصطلح من دلالات.

وميزت المحاضرة في تاريخ العلم بمستويين؛ مستوى التأريخ الأفقي للعلم، الذي يرصد حركة العلم والتطور، بالتعريف وبالمراحل التي مر بها وبأعلامه وبمدارسه واتجاهاته ومصنفاته، ومستوى ثان؛ هو مستوى التأريخ العمودي، الذي يرصد تطور النظريات والمناهج التفسيرية، ويبحث في القضايا والإشكالات العلمية التي تم تداولها في العلم في عصور مختلفة، مشيرة إلى مدى الجهد الذي يتطلبه هذا المستوى من التأريخ ومن الأدوات وغير ذلك، وأرجعت صعوبته إلى سببين كبيرين؛ سبب متعلق بالدارس؛ بفقدان المقومات المنهجية لدارسة تاريخ العلم  بهذا المفهوم، وسبب ثان متعلق بالعلم المدروس الذي هو التفسير؛ فالملاحظ الحجم الكبير للتراث التفسيري من حيث الكم ومن حيث النوع وما ينطوي عليه من كثرة القضايا العلمية وتشعب هذه المسائل بحيث يصعب رصدها، لكنها رأت إمكان تجاوز هذه الصعوبة بفعل المشاريع العلمية الجماعية المشتركة وغيرها.

بعدها نفذت إلى مستويات التأريخ العمودي ـ مميزة بين المنهج والمضمون كتقسيم إجرائي ـ الأول: مستوى تاريخ النظريات والمناهج التفسيرية؛ الذي يرصد التطور الحاصل في مناهج التفسير وطرق تنزيل قواعده وقوانينه عبر العصور، والثاني: رصد مجال أو باب القضايا والمفاهيم العلمية المرتبطة بالقرآن الكريم، معتبرة أن له فائدته من حيث المضامين ولا شك، ففيه من التحليل والتعليل وربما التركيب الشيء الكثير، أما عن فائدة الجانب المنهجي لعلم التفسير؛ فهو يفيد في رصد جهود العلماء في رصد الأسس النظرية في التفسير، وتطور هذه الجهود، ثم ما يحتاج منها إلى تتميم أو ترميم أو إضافة.

واقترحت حين النظر إلى التأريخ الأفقي أن ينظر إليه عبر ثلاث محطات أساسية؛ محطة التأسيس، التي وضعت فيها الأسس الأولى في التفسير، وقصدت بها محطة القرون الثلاثة الأولى، ومرحلة الجمع، ومرحلة الترسيم، التي تم فيها تداول ما جمع في المراحل السابقة وتوظيفه في إنتاج تفاسير القرون اللاحقة، ذكرت بعدها جملة من الخصائص الكبرى التي امتازت بها كل مرحلة من هذه المراحل على حدة.

ثم تحدثت عن تطور علم التفسير؛ وذلك بإبراز مفهوم التطور في اللغة وفي الاصطلاح، وأشارت إلى أن التطور مصاحب وملازم لتاريخ التفسير، إذ لا يمكن الحديث عنه في غياب نظرة تاريخية، وأضافت أن التطور لا يعني بالضرورة التجديد، لا على مستوى الصيغة ولا على مستوى المعنى.

ثم ذكرت مظاهر التطور الحاصل في التفسير، وقسمته على مستويين، تطور على مستوى المادة التفسيرية، وهي مكونة من ثلاثة مكونات: مكون لغوي؛ وهو مكون أساسي في التفسير بحكم طبيعة النص المنزل بلغة العرب، ومكون نقلي أو أثري؛ وهي الأقوال والمرويات التي تناقلتها كتب التفسير عبر العصور، ومكون نظري اجتهادي؛ وهو ما يقدمه التفسير في كل لحظة تاريخية، وهو مبني على نظر خاص واجتهاد، وهو مستويات أيضا تتراوح بين التحليل والتعليل والتأكيد بأقوال سابقة أو الترجيح بينها أو إضافة تفسير جديد، وسجلت عدة ملاحظات عن هذه المكونات؛ توضح من خلالها ترابطها وتلازمها وعدم حضورها بشكل مفكك، وكونها تشكل نواة أو صلب القول التفسيري، ومثلت لتركيبة المادة التفسيرية بخطاطة توضيحية، مميزة فيها بمستويات؛ مستوى البيان/صلب العلم، والباقي مما يضاف إلى صلب المادة التفسيرية، كالملح واللطائف، والحكم والفوائد، والمعارف والتخصصات المذهبية.

تحدثت بعدها عن التطور الحاصل في مكونات المادة التفسيرية؛ كإضافة مستويات أُخَر للبيان اللغوي للمفردات؛ تركيبية ونحوية وصرفية وصوتية، واستثمار المعجم العربي بعد ظهوره واستثمار مادته في شرح المفردات، والاستكثار من اللطائف اللغوية والبيانية والنحوية، استثمار أقوال الطبقات الأولى من المفسرين خلال الفترات اللاحقة إلى الآن نظرا لوجود شيء فيه لا يمكن الاستغناء عنه، الصيرورة نحو تلخيص الأسانيد ثم تخليص التفسير منها، تفصيل القول في الدلالات والأحكام والحكم التي ينطوي عليها النص، الزيادة في حجم ونوع المعارف التي أضيفت إلى التفسير، والزيادة في باب النكت والزوائد.

وختمت محاضرتها القيمة بجملة ملاحظات عامة عن تطور المنهج التفسيري، إذ اعتبرت أن مرحلة التأسيس عُدَّت مرحلة مهمة في بناء التصور النظري لهذا العلم، وأوضحت أن المنهج كان كامنا وراء النصوص، وأنه لكي نتبين بوضوح ودقة طبيعة المنهج التفسيري في تلك الفترات المتقدمة؛ وجب أن ننظر في العلوم المجاورة وخاصة علم أصول الفقه مثلا، وهذا ما غاب عن كثير من الدارسين.

وأكدت على أن ملاحظة التطور في مناهج التفسير  في العصور المتعاقبة يحتاج إلى دراسة دقيقة وفاحصة لهذا الكم الهائل من المادة التفسيرية المدونة في كتب التفسير، وهي دراسة ترصد بالأساس هذه الجوانب الثلاثة، وأشارت إلي أن الموضوع يُتبع، وأنها قصدت وضع اليد على المعاقد التي يجب الوقوف عندها حتى نستطيع ملاحظة أي تطور في المنهج؛ في الرؤية العلمية المؤطرة لمشروع المفسر، وفي الأسس والمنطلقات العلمية التي توجه عمل المفسر، ثم في الأدوات العلمية والمصادر المعتمدة في التفسير؛ فهي جوانب ـ حسب تعبير الدكتورة فريدة زمرد ـ تمكننا في رصد التطور الحاصل في التفسير.

تلت المحاضرة مناقشات وتعقيبات علمية هادفة، أسهم فيها أساتذة مختصون، وباحثون بمركز الدراسات القرآنية التابع للرابطة المحمدية للعلماء، ومتابعون مهتمون وثلة من طلبة مؤسسة دار الحديث الحسنية، أغنت هذا اللقاء العلمي.

                                                                            إعداد: شوقي محسن

                                                                  باحث مساعد بمركز الدراسات القرآنية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق