مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثشذور

خطاب الله تعالى موجه إلى جميع الجوارح

قال الإمام الفقيه أبو زكرياء يحيى بن محمد بن الوليد الشِّبلي(من علماء القرن 8هـ)، في كتابه «التقسيم والتبيين في حكم أموال المستغرَقين» بعد أن فصَّل الحديث عن الحلال ومراتبه، والحرام وأصنافه:

«اعلم رحمنا الله وإياك أن ما ذكرناه من حلال يجوز القدوم عليه، أو حرام يجب تركه، أو قطع درجات الورع الأربع؛ فليس ذلك خاصا بجارحة من جوارح الإنسان دون أخرى، بل ذلك لازم لجميع جوارحه الحساسة لُزُوماً مُتَسَاويا في خطاب الشرع، وإن كان بعض المأمورات والمنهيات آكدَ في الثواب والعقاب من بعض؛ لتوجه الخطاب بالأمر أو النهي من قبل صاحب الشرع إلى جوارح الإنسان الحساسة المكتسبة، توجُّهَ استواء بالوعد في الامتثال والوعيد في الترك، فحينئذ يكون المؤمن على حذر، ويجانب كل ما كرهه الله سبحانه من مقال أو فعل أو عَقْدٍ بقلبه، ويتشبث في جميع أحواله قبل الفعل أو الترك من العقد بالضمير أو فعل جارحة، حتى يتبين له ما يترك أو يفعل، فإذا تبين له ما كرهه الله تعالى سبحانه جانَبَه بقلبه وكفّ جوارحه عنه، ومنع نفسه من الإمساك عن الفرائض وسارع إلى أدائها، ويعلم أن الّذي حرم تناول ما ليس طيبا كذلك حرم عقد القلب على ما لا يحل من جميع المحرمات، فأفعال الجوارح مع القلب حكمان متلازمان لا يصح أحدهما إلا بالآخر، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام فيما خرّجه مسلم حيث قال صلى الله عليه وسلم: «الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتَّقى الشبهات استبرأ لدينه وعِرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحِمى، يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلُحت، صلُح الجسد كلُّه، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».

المصدر: التقسيم والتبيين في حكم أموال المستغرَقين (ص93-94)، تحقيق: الدكتور جمعة محمود الزريقي، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإسيسكو)، بالرباط سنة 1414هـ/1993م.

انتقاء: ذ. جمال القديم.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق