مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثأعلام

حمدون ابن الحاج السُّلمي 1232هـ

هو الإمام العالم العلامة الأريب، المفسر المحدث الفقيه الأصولي اللغوي الأديب، صاحب التآليف الحسنة، والفوائد المستحسنة، الجامع لشتات العلوم، المنطوق منها والمفهوم، أبو الفيض حمدون بن عبد الرحمن بن حمدون بن عبد الرحمن الشهير بابن الحاج، السُّلمي أصلاً وحسباً، والمرِداسي نسباً، الفاسي داراً ومنشأ.

وُلد بفاس سنة (ت.1174هـ)، وأخذ في وقت مبكر عن شيوخ العلم ببلده، منهم: العلامة الأستاذ المحقق، المؤلّف المطّلع المدقّق أبو عبدالله محمد بن الحسن البناني(ت.1194هـ)، والشيخ الشهير، الفقيه النحرير أبو محمد عبد الكريم بن علي اليازغي الفاسي(ت.1199هـ)، والعلامة الألمعي أبو الربيع سليمان بن أحمد الفشتالي(ت.1208هـ)، والعلامة الهمام ، خاتمة الأئمة الأعلام  أبو عبد الله محمد التاودي ابن سودة(ت.1209هـ)، والعلامة القاضي المشارك أبو محمد عبد القادر بن أحمد بن العربي بن شقرون الفاسي (ت.1219هـ)، والعلامة الإمام، خاتمة المحققين أبو عبدالله محمد الطيب بن عبد المجيد ابن كيران (ت.1227هـ)، وقد شاركه  في أكثر شيوخه، وغير هؤلاء. وممن أجازه من أهل المغرب: الإمام العلامة المحدث الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد السلام الناصري(1239هـ). وحجّ المترجم سنة (1205هـ) وأخذ في طريقه عن عدد من أعلام المشرق والمغرب، منهم: الشيخ الصوفي الكبير أحمد بن محمد بن المختار التجاني(ت.1231هـ)، وقاضي الجزائر محمد بن أحمد بن مالك، والعلامة الفاضل صالح بن حسن الكواش التونسي(ت.1218هـ)، وأجازه من المشارقة شارح القاموس: الشيخ العلامة اللغوي المحدث المصنف أبو الفيض محمد بن محمد مرتضى الحسني الزبيدي(ت.1205هـ).

وبأخذه عن هؤلاء الجِلة الأعلام، وغيرهم من مصابيح الظلام، يكون المترجم قد نهل العلم من معينه، وجمع من فنونه ما سمح له أن يكون نسِيج وحده، متفوقا على أقرانه، مجاريا لشيوخه؛ إذ صار يقرئ غيره وهو ابن نيف وعشرين سنة، بجامع القرويين ـ وغيره ـ  الذي كان ـ وقتذاك ـ مجمعَ الأئمة الأعلام. ومن تلامذته الذين استفادوا منه: العلامة الأديب، اللغوي الحيسوبي الفرضي الأريب محمد بن أحمد بن يونس أكنسوس السوسي المراكشي(ت.1294هـ)، والفقيه العلامة الأديب، النحوي اللغوي الخطيب عبد الواحد بن القاضي أحمد بن التاودي بن سودة(ت.1253هـ)، والحافظ الضابط الفقيه النّزيه المشارك أحمد بن محمد بن عبد القادر البدوي(ت.1260هـ)، والشيخ العلامة الوليد العراقي، لازمه كثيرا، والعالم الأديب أحمد بن إدريس العبد السلامي، والشيخ العلامة الصوفي المحدث عبد القادر بن أحمد الكوهن(ت.1254هـ)، وابناه: الإمام العلامة، المؤرخ النسابة، الفقيه النوازلي، القاضي محمد الطالب بن حمدون(ت.1273هـ)، والعلامة المحدث الأديب المشارك محمد بن حمدون(ت.1274هـ)، وتلامذة المترجم غير هؤلاء كُثر.

أما الكتب التي كان المترجم يطالعها مطالعة تحقيق وتدقيق مع طلَّابه، أو ذُكر أنها أُخذت عنه، فمنها في التفسير: تفسير البيضاوي، وحواشيه، وتفسير النسفي، والكشاف، وأحكام ابن العربي، وتفسير ابن كثير، وتفسير الثعالبي. ومن كتب الحديث: صحيح البخاري، وكان يستحضره  لا يعزب عنه منه حرف ولا كلمة ولا ما يتعلق به من اللغة وغيرها، وكان يستحضر جلّ كتب السنة. ومن كتب السيرة النبوية: المواهب اللدنية، واكتفاء الكلاعي، وهمزية البوصيري، وميميته هو في السير ووترياته. ومن كتب التوحيد والتصوف: صغرى السنوسي، والحكم العطائية. ومن كتب الفقه: مختصر الشيخ خليل وشروحه المتداولة؛ التتائي، والخرشي، والزرقاني، وحواشيهم، والحطاب، والمواق، معارضا بين الأدلة، مرجّحا ومضعفا ومصححا، مبينا أصل كل صورة من الكتاب والسنة. ومن كتب اللغة والبيان والمعاني: مختصر السعد، وتلخيص المفتاح بالمطول مع حواشيهما. وكان ـ رحمه الله ـ قد خصّ كل فنٍّ من الفنون المذكورة بوقت معلوم من اليوم، من صلاة الصبح حتى العشاءين.

وللأمانة والاستقامة التي اشتهر بها المترجم، اختاره السلطانُ المولى سليمان لعمل الحسبة بفاس، وفي سنة (1219هـ) جعله عاملا على العرائش وما والاها مدة عامين إلا ثلاثة أشهر، فسار في ذلك كله السيرة الحسنة المحمودة، من حيث أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وحمله الناس على أداء فريضة الصلاة، التي كانت أهم الأمور التي شغلته في عمله، ثم إنه طلب إعفاءه من القيام بالأعمال المخزنية، فَعُفي، فعاد إلى الاشتغال بالتدريس وبثّ العلم ونشره.

هذه الحياة العلمية المتميزة، والعملية المثمرة، زكتها أقوال العلماء في المترجم؛ إذ أجمعت على تفوقه ونبوغه وتميّزه، ونبله وفضله وورعه وزهده. ومن أجمع الأقوال فيه قول صاحب «لسلوة»: «كان – رحمه الله – ممن انتهت إليه الرياسة في جميع العلوم، واستكمل أدوات الاجتهاد على الخصوص والعموم، أحرز قصبات السبق في مجال الاستنباط، وارتبطت بذهنه العلل ومسالكها أي ارتباط، وانفرد بالمهارة والتبحر في جميع الفنون؛ وخصوصا التفسير والحديث، والتصوف المؤيد بالكتاب والسنة، والأصلين وعلوم العربية…مع الخشية والخضوع والوقار، والبكاء والاعتبار؛ والاستغراق في بحر العشق المحمدي، والخبرة فيه بدلالة المهتدي والمقتدي، ومحبة أهل البيت، والانحياش لأهل الخير الحي منهم والميت».

وقال فيه السلطان المولى سليمان ـ وهو من تلامذة المترجم ـ: أشهد أن هذا الكاتب أديب الزمان، ولا يوجد في المغرب والديار المصرية ولولا الأدب لَعينت جميع الأقطار، وإن كان الكمال فضل رسول الله وفيضه.

ولعل خير دليل على نبوغ العلامة حمدون ابن الحاج السلمي وعبقريته، ما خطته يمينه من تآليف حسنة مستحسنة، في شتى ضروب العلم، تكشف قوة عارضته في الحبك نثرا ونظما، ومن تلك التآليف: مراقي الصعود على تفسير أبي السعود، وهو حاشية عليه وعلى مَتبوعه البيضاوي، والثمر المهتصر في روض المختصر، وهو حاشية على مختصر السعد، وتفسير سور من القرآن، وعقود الفاتحة، وهي منظومة ميمية في السيرة النبوية على نهج البردة في نحو 4000 بيت، وشرحها في خمسة أسفار، طبع منه الجزء الأول وبعض من الثاني على الحجر بفاس، والخريدة، وبغية الأريب، وهما أرجوزتان، الأولى في المنطق والثانية في علم الكلام، ومقصورة في علمي العروض والقوافي، عارض بها المقصورة الخزرجية الشهيرة، ونظم الحكم العطائية، ونظم مقدمة ابن حجر، وشرحها في سفر سمّاه نفحة المسك الداري، لقارئ صحيح الإمام البخاري، طبع على الحجر بفاس، ثم طبع  بتحقيق محمد بن عزوز. وللمترجم خطب نافعة، ووتريات ودواوين شعرية بديعة، وقد حقق بعض دواوينه الأستاذ أحمد العراقي.

توفي المترجم ـ رحمه الله ـ عشية يوم الاثنين سابع ربيع الثاني سنة 1232هـ، وكان لجنازته مشهد عظيم ومحفل كريم.

مصادر الترجمة: سلوة الأنفاس(3/5-7)، وإتحاف المطالع (1/120)، وشجرة النور الزكية(ص379-380)، والأعلام للزركلي (2/275)، والإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام للسملالي (3/117-129)، ومعجم طبقات المؤلفين لابن زيدان(2/132-133)، والنبوغ المغربي لعبد الله كنون(296-297)، ومعلمة المغرب(10/3242-3244). وقد ألف العلامة محمد الطالب بن حمدون تأليفا في والده سماه «رياض الورد، إلى ما انتهى إليه هذا الجوهر الفرد» تعرض فيه لنفسه ولشيوخه وتلامذته وأحواله من الولادة إلى الوفاة وما يتبع ذلك، وهو مطبوع.

إنجاز: د. مصطفى عكلي.

مقالات ذات صلة

‫6 تعليقات

  1. ا السلام عليكم ورجمة الله وبركاته.

    أشكركم – أستاذي الفاضل- على حسن اختياركم في الكتابة عن علم كبير من أعلام المغرب الحبيب في العصر الحديث، وهو حمدون ابن الحاج السلمي،و قد اشتهر رحمه الله ببيان الموقف السلطاني (السلطان المولى سليمان) من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ت 1206هـ) .انظر ديوانه : النوافح الغالية في المدائح السليمانية، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية .

  2. مشكور الأستاذ الفاضل على هذه الترجمة الخاصة بالعلامة حمدون بن الحاج السلمي، لكنني أتساءل عن الرحلة الحجازية لهذا العالم، ما مصيرها ؟ فربما ما تزال في ربائد خزانات بعض الفاسيين ، وقد سالت مرة الأستاذ أحمد العراقي عنها فاجاب مشكورا بعدم علمه بها، وتبقى في حكم الضائع الى أن يقيض الله من يعثر عليها أو يخرجها الى التداول …

  3. شيخنا الفاضل
    هل ممكن أن تعرفونا عن الشيخ/ أحمد بن محمد بن حمدون السلمي المرداسي صاحب الحاشية على شرح الازهري .
    وفقكم الله وأعانكم على الخير

  4. السلام عليكم مرحبا أخي
    أعدك سأعرف به في الحلقة القادمة وقد عرفت أيضا بمحمد الطالب بن الحاج السلمي في هذه النافذة فانظره

  5. لاأدري نسي صاحب هذاالتعليق الحاشية النفيسة لسيدي بن حمدون على المكودي على ألفية بن مالك فلو لم تكن لهذاالرجل سواها لكفته

  6. السلام عليكم
    صادف اليوم اني اكتب عن أسرة الحاج وعلمائها في كتابي تاريخ بني سُليم ونتائجهم في الحمض
    النووي، وقد أخذت عن كاتب الموضوع وذكرت المصدر فان كان هناك اعتراض ارجو ابلاغي
    واذا كان هناك نية بالتعاون فارجو مراسلتي
    وائل بهجت شاهين السُلمي

اترك رداً على محمد الرمشاني إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق