مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثشذور

حق الله في المصيبة

قال العلامة أبو علي الحسن بن مسعود اليوسي(ت1102هـ) في رسالته «النصيحة الغياثية» ضمن رسائل أبي علي الحسن بن مسعود اليوسي(325/2-328).

وأما البليّة أي المصيبة في بدنه أو ماله أو من يليه؛ فحق الله فيها الصبر و الاحتساب، وللمومن في ذلك ثلاثة أحوال:

الأولى: أن يتألم قلبه من المصيبة ويضيق صدره غير أنه يرضى بقضاء الله تعالى ولا يتسخط لا بقلبه ولا بلسانه كما قال صلى الله عليه وسلم:«إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا».

الثانية: أن يتسع صدره فلا يتألم أصلا ويُفوِّض الأمر إلى الله تعالى، ويعلم أنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

الثالثة: أن يجد السرور في قلبه والانبساط كما يجده عند حصول الفائدة.

أما الحالة الأولى: فتحصل للعبد بالنظر إلى العقيدة، وأن الله تعالى هو الفاعل المختار لا مردّ لقضائه، ولا منازع له في حكمه، وأننا وجميع ما بأيدينا ملك لله تعالى، وله أن يتصرف في ملكه بما يشاء، ومن نازع أو تسخط فهو الظالم، ولذلك مدح الله الذين:(إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون) فقال:(أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة، وأولئك هم المهتدون).

مع النظر إلى ما ورد من ثواب الصبر قال تعالى:(إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب) وغير ذلك.

وأما الحالة الثانية: فإنما تحصل للإنسان بأن لا يكون للدنيا في قلبه قدر، فلا يبالي ما نقص منها ولا ما زاد، إما لزهده فيها، وإما لارتفاع همته وشفوف نظره، كأهل الأقدار وأهل التجارب، وقد يكون ذلك في بعض الأشياء دون بعض، وكونه في كل الأغراض عزيز الوجود، لأن الطبع البشري لا يزول، ولا بد له من تألم ما عند بعض ما لا يلائمه.

أما الحالة الثالثة: فتحصل بغلبة النظر إلى فائدة المصيبة، وهي رضى الله على عبده ومحبته له والثواب الجزيل في الآخرة، والخلف في الدنيا، قال تعالى:(ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين)، وقال صلى الله عليه وسلم:«أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة»، وفي الحديث أيضا:«إذا أحب الله عبدا ابتلاه ليسمع تضرعه»، وفي الحديث أيضا:«إذا أراد الله بعبده الخير عجّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافيه يوم القيامة».

وعنه صلى الله عليه وسلم :«إنّ عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط»، وعنه صلى الله عليه وسلم:«من يُرد الله به خيرا يصب منه»، وفي حديث آخر:«ما من مصيبة تصيب المسلم إلا يكفر الله بها عنه، حتى الشوكة يُشَاكُهَا»، وفي حديث آخر:«ما يصيب المومن نَصَبٌ ولا وَصَبٌ، ولا همّ، ولا حزن، ولا أذى، ولا غمّ حتى الشوكة يُشَاكها إلا كفّر الله بها خطاياه»،وعنه أيضا صلى الله عليه وسلم:«ما من مسلم يصيبه أذى إلا حاث الله عنه خطاياه، كما تحاث ورق الشجرة»، إلى غير ذلك مما ورد في الكتاب والسنة وهو كثير. 

فإذا علم الإنسان أن المصائب يكون بها تكفير الذنوب ودخول الجنة صارت عنده المصائب نعما، فوجب الفرح والسرور بها، ووجب حمد الله تعالى وشكره عند وقوعها، وإنما هي بمنزلة الدواء المر، والكَيّ والفصد مثلا تتألم به النفس، ومن نظر إلى عاقبة الشفاء وصحة البدن فرح به وشكر الله عليه، والله الموفق.  

المصدر:«النصيحة الغياثية» ضمن رسائل أبي علي الحسن بن مسعود اليوسي(325/2-328)، جمع وتحقيق ودراسة فاطمة خليل القبلي، نشر دار الثقافة، ط1/ 1401هـ ، 1981م.

إعداد: ذ.جمال القديم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق