مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثشذور

حفظ الماء من التلوث

حفظ الماء من التلوث

يقول الفقيه النوازلي أبو العباس أحمد بن يحيى الونشريسي (ت914هـ) مجيباً عن حكم القنوات والمراحيض والكراسي التي تصب في النهر:

مسألة: فإن قيل فما الحكم في هذه القنوات والمراحيض والكراسي التي تصب في النهر المذكور، هل تنقطع ويمنع من أراد إحداث شيء من ذلك أم لا؟

فالجواب أن ذلك يحتاج إلى تفصيل وبيان، فنقول والله المستعان: أمَّا ما كان من ذلك كله في موضع دخول النهر المذكور إلى حدِّ ميضات جامع الأندلس ـ شرفه الله بإقامة الذكر فيه ـ فقطعه لازم وتغييره واجب، لأن أصل ما سيق له إلى ذلك الحد الطهارة، وكذلك ما بُنِيَت المقاصد عليه، وإذا كان الأصل ما سيق له الطهارة وجب قطع كل ما يُؤدِّي إلى تغييره ونقله عن أصله، ويدل على ذلك ما ذكره الشيخ أبو الوليد بن رشد في أجوبته، وهو أنه سئل عن ماء جار في جنات وعليه أرحى وأهل جنات يسقون منه ثمارهم ويصرفون ما يحتاجون إليه لمنافعهم وشربهم، فبنى بعضهم عليه كرسيّا للحدث واحتج بأن ذلك لا يغيره لكثرته، وحجة الآخرين بأنه وإن لم يغيره فإنه يقذره ويعيبه، وربما رسبت الأقذار في قراره، وأن ذلك مما يضيفه علينا، فهل يباح ما فعل أو يُغيَّر ذلك عليه؟ وأما القدر الذي يجري من ذلك في الماء الجاري فادعى إلى تقديره فيه مضرة على من ينتفع به.

فأجاب رحمه الله: الحكم بهذا الضرر واجب، والقضاء به لازم، قام بذلك بعض أهل الجنات أو من سواهم بالحسبة، وعلى الحاكم أن ينظر في ذلك إذا اتصل به الأمر وإن لم يقم بتغييره قائم، بأن يبعث إليه العدول، فإن شهدوا به عنده أمر بتغييره لما في ذلك من الحق لجماعة المسلمين خارج الجنات، ولا يسعه السكوت عن ذلك، وأما ما كان من ذلك أسفل الجامع المذكور فلا سبيل له إلى قطع شيء من ذلك ولا أرى تغييره بوجه، لأنا قد وجدنا من ذلك ما له مائة عام وأكثر من ذلك وأقل، بحيث لا يرى بأي معنى وضع وما كان كذلك فلا يغير عن حاله مع طول المدة المذكورة، وقد نقل الشيخ أبو محمد رحمه الله في نوادره عن سحنون قال: وسأل حبيبٌ سحنوناً عما يحدث في طريق المسلمين مما فيه ضرر على عامتهم ولا يحاز ذلك بخلاف حيازة بعض الناس على بعض إلى أن يتطاول أحد هذه القنوات مثل السبعين سنة ونحوها، فلا يعرض فيها وتتحرك ولا يدري بأي معنى وضع ذلك، ولا فرق بين الطريق والنهر في هذا المعنى، وإذا تقرر أن ما كان خارجاً على حال ما وصفت لا سبيل إلى تغييره، وكذلك من أراد أن يحدث شيئاً من ذلك فلا يمنع ما لم يضر بجاره في إحداثه ضرراً بيّناً، وهذا إن شاء الله كافٍ في الغرض الذي قصدنا، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي ولولا أن هدانا الله تعالى، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وشرف وكرم.

المصدر:

المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب، تأليف أبي العباس أحمد بن يحيى الونشريسي (ت914هـ) (ص: 27–28)، منشورات وزارة الأوقاف والشؤن الإسلامية بالمغرب (1401هـ/1981م).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق