مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

جوانب من الأخلاق في دائرة الدلالة القرآنية

إن علم الأخلاق من أشرف العلوم وأعظمها، إذ إن قيمة المرء في الحقيقة تقدر بأخلاقه وأعماله، لا بجسمه، ولا بعلمه، ولا بماله، ففي القرآن الكريم تجسيد لهذه الأخلاق العظيمة قال تعالى: “وإنك لعلى خلق عظيم “[1]، وفي الحديث الشريف يقول r: “إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”[2].

ويقول أمير الشعراء أحمد شوقي:

إنما الأمم الأخلاق ما بقـيت                   فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

وقال أيضا:

صلاح أمرك للأخلاق مرجعه     فقوم النفس بالأخلاق تستقـم

وعليه فما أشد حاجة كل مسلم إلى تمثل هذه الأخلاق والتطبع بها والتصرف على أساسها قولا وعملا في الحاضر والمستقبل.

البحث يقتضي أولا أن نميز الأخلاق في إطارها اللغوي والاصطلاحي، ثم نتحدث عن دائرته في القرآن، وسوف لن نحيط بجميع ما يشمله الأخلاق من مدلولات، بل سنقتصر على البعض منها، وبالله التوفيق وبه نستعين.

1- التأصيل اللغوي والاصطلاحي لمفهوم الأخلاق.

1.1- تعريف الأخلاق لغة.

ورد في مقاييس اللغة: “الأخلاق جمع خلق، وهو السجية، ذلك أن صاحبه قد قدر عليه، يقال: فلان خليق بكذا أي قادر عليه وجدير به”[3].

والخلق بضم اللام وسكونها الدين والطبع والسجية، وحقيقته أنه لصورة الإنسان الباطنة وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها، ولها أوصاف حسنة وقبيحة، والثواب والعقاب مما يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة[4]، ولذا تكرر مدح حسن الخلق وذم سوءها.

والخلْقُ والخلُقُ: السجية، يقال: خالِص المؤمن وخالِق الفاجر. وتخلق بخلق كذا: استعمله من غير أن يكون مخلوقا في فطرته، وقوله تخلق مثل تجمل أي أظهر جمالا وتصنع وتحسن؛ إنما تأويله بالإظهار. وفلان يتخلق بغير خلقه أي يتكلفه، قال سالم بن وابصة:

يا أيها المتحلي غيرَ شيمته              إن التخلق يأتي دونَه من الخُلُق

وخالق الناس: عاشرهم على أخلاقهم، قال:

  خالق الناس بخلْق حسـن                 لا تكن كلبا على الناس يهِـر[5]

2-1- تعريف الأخلاق اصطلاحا.

الأخلاق صفة نفسية مكنونة راسخة تصدر عنها الأفعال دون قصد وتكلف، وهي أما جبلية في نفس صاحبها، وهي الناشئة في الغرائز: كمن يولد وخلقه الكرم والبأس، أو مستفادة من تدريب الإرادة في عمل ما، وهي الناشئة عن العادة كمن اعتاد التحلم حتى صار حليما، والبذل حتى أمسى كريما، أو مكتسبة مما يحيط بالمرء: كالمشاهد الطبيعية والمجتمع، فإن صدرت الأفعال من امرئ قصدا وتكلفا فليس ذا خلق، وإنما هو متخلق كأن يفعل المكرمات ابتغاء الشهرة، أو يتصنع الحِلم والتواضع لينال الحمد والثناء[6].

وهي غرائز كامنة تظهر بالاختيار وتقهر بالاضطرار[7].

وعرفها حجة الإسلام الغزالي بأنها عبارة عن هيئة في النفس راسخة، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كانت الهيئة تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلا وشرعا، سميت تلك الهيئة خلقا حسنا، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقا سيئا[8].

ويمكن أن نقيس مستوى الخلق النفسي عن طريق قياس آثاره في سلوك الإنسان. فالصفة الخلقية المستقرة في النفس إذا كانت حميدة كانت آثارها حميدة، وإذا كانت ذميمة كانت آثارها ذميمة، وعلى قدر قيمة الخلق في النفس تكون بحسب العادة – آثاره في السلوك، إلا أن توجد أسباب معوقة أو صوارف صادة عن ظهور آثار الخلق في السلوك.

وليست كل الصفات المستقرة في النفس من قبيل الأخلاق، بل منها غرائز ودوافع لا صلة لها بالخلق، ولكن الذي يفصل الأخلاق ويميزها عن جنس هذه الصفات كون آثارها في السلوك قابلة للحمد أو الذم، فبذلك يتميز الخلق عن الغريزة ذات المطالب المكافئة لحاجات الإنسان الفطرية[9].

وكنتيجة للتعريفين السابقين نخلص إلى أن الأخلاق جملة من الصفات الحميدة الفاضلة التي تأمر الشريعة بالتحلي بها، وجملة من الصفات القبيحة الرذيلة التي تأمر الشريعة بالتخلي عنها، وهي تعتبر ضوابط للسلوك البشري لأنها في حقيقتها معان وقيم معينة تستقر في النفوس وفي ضوئها يحسن الفعل في نظر الإنسان أو يقبح ومن ثم يقدم عليه أو يحجم عنه، يباشره أو يتركه، وعلى هذا فإن أفعال الإنسان ما هي إلا مظاهر أو فروع أو ثمار لما هو مستقر في نفسه من معاني الأخلاق، فإن صلح ما في نفسه صلح عمله وإن فسد ما في نفسه فسد عمله، فليست أعمال الإنسان مقطوعة الصلة عما في قرارة نفسه، وإنما هي موصولة به كما أن فروع الشجرة وثمارها موصولة بأصلها المغيب في التراب.

وعلى هذا فليس في اهتمام الشريعة بالأخلاق مبالغة أو إسراف وإنما اهتمام في محله وإعطاء الأخلاق ما تستحقه من رعاية واعتبار، وحرص على إصلاح الإنسان ابتداء من داخله.

2- دائرة الأخلاق ودلالته في القرآن الكريم.

دائرة الأخلاق التي حث الإسلام على التحلي والتخلق بها لا تعد ولا تحصى، لذلك سنقتصر هنا على ذكر البعض منها.

أولا: العدل:

هو الإرادة الراسخة والدائمة لاحترام كل الحقوق وأداء الواجبات[10]، والعدل حين يسود مجتمعا تنصرف كل طاقاته إلى العمل المثمر والنتاج الصالح في جو من الاطمئنان على وصول كل حق إلى أربابه الشرعيين دون جور أو إجحاف.

ومن أجل ذلك أعطى الإسلام لكل إنسان حقه في التمتع بظلال هذه العدالة… ورسم القرآن الكريم مناهج لتحقيقها، والقرآن حينما يحدد ذلك وهو من الله وتسري أحكامه على الحاكم والمحكوم، فإنه لا يأتي معه استبداد ولا ظلم، فإن الاستبداد يأتي حين يكون هوى الحاكم هو القانون، قال الله عز وجل: “dإن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون(44)”[11].

ولقد أمر القرآن بالعدالة مع الوالدين والأقربين… ومع الأعداء والمخالفين على السواء بل أمر بها مع نفس الإنسان قال عز اسما: “يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا(134)”[12].

والعدل حينما يرد في القرآن لا يمكن لأي كلمة أخرى أن تحل محله وهو على خمسة أوجه دلالية.

ثانيا: الإيثار:

من الأصول الخلقية وكلياتها العامة حب الحق وإيثاره، وأن لهذا الأصل فروعا أخلاقية متعددة، منها الصدق، ومنها العدل، ومنها الوفاء بالعهد والوعد، ومنها الأمانة إلى غير ذلك.

والانحراف عن هذا الأصل الخلقي العام يفضي إلى السقوط في رذائل خلقية متعددة، منها الكذب، ومنها الظلم، ومنها الغدر، ومنها الخيانة، ومنها قسوة القلب عن قبول دعوة الحق إلى غير ذلك[13].

والإيثار من الصفات الكريمة التي يتحلى بها الإنسان، إذ هو تفضيل الغير على النفس في الخير وهو شعار النفوس الكريمة الساعية لخدمة الإنسان، ولهذا دعا الحق سبحانه وتعالى إلى الإيثار ومدح قوما تخلقوا به، قال تعالى: “( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون )”[14].

ومن علامات إيثار المسلم وحبه للخير ما قاله حذيفة العدوي: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي ومعي شيء من الماء وأنا أقول إن كان به رمق سقيته فإذا أنا به فقلت له أسقيك؟ فأشار برأسه أن نعم، فإذا أنا برجل يقول آه آه فأشار إلي ابنُ عمي أنِ انطلق إليه فإذا هو هشام بن العاص فقلت أسقيك؟ فأشار أن نعم، فسمع آخر يقول آه آه فأشار هشام أنِ انطلق إليه فجئته فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات[15].

ثالثا: الصدق:

يمكن أن نعرف الصدق بأنه قول الحق، وبأنه القول المطابق للواقع والحقيقة.

لقد شاع الصدق في الأقوال فقط ويقابله الكذب، وفرق بينهما بأن المطابقة تعتبر في الحق من جانب الواقع وفي الصدق من جانب الحكم، فمعنى صدق الحكم مطابقته للواقع، ومعنى حقيقته مطابقة الواقع إياه[16]، ومن هنا وجب الاستمساك بالصدق في كل شأن، وتحريه في كل قضية، والمصير إليه في كل حكم، دعامة ركينة في خلق المسلم، وصبغة ثابتة في سلوكه. وكذلك كان بناء المجتمع في الإسلام قائما على محاربة الظنون ونبذ الإشاعات واطِّراح الريب فإن الحقائق الراسخة وحدها هي التي يجب أن تظهر وتغلب، وأن تعتمد في إقرار العلاقات المختلفة.

وقد نعى القرآن الكريم على أقوام انساقوا وراء الظنون التي ملأت عقولهم بالخرافات، وأفسدت حاضرهم ومستقبلهم بالأكاذيب فقال عز اسما: ” إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى”[17]، وقال: ” وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا  “[18].

والصدق يرد في القرآن على أربعة أوجه.

رابعا: الأمانة:

هي أحد الفروع الخلقية لحب الحق وإيثاره، وهي ضد الخيانة، وهي فضيلة من الفضائل الكبرى التي أشاد بها الإسلام، ودعا إليها بكثير من الأساليب في القرآن والحديث إلى درجة أنه اعتبرها علامة واضحة من علامات الإيمان، وصفة بارزة من صفات المفلحين، فقال عز وجل: “والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون[19].

والأمانة ترمز إلى معان شتى، مناطها جميعا شعور المرء بتبعيته لخالقه في كل أمر يوكل إليه ، وإدراكه الجازم بأنه مسئول عنه أمام ربه على النحو الذي فصله الحديث الكريم، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله r يقول: “كلكم راع ومسئول عن رعيته فالإمام راع ومسئول عن رعيته والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته والمرأة في بيت زوجها راعية ومسئولة عن رعيتها والخادم في مال سيده راع ومسئول عن رعيته[20].

إنها فضيلة عظمى، لا يستطيع حملها الرجال المهازيل، وقد ضرب الله المثل لضخامتها فأبان أنها تُثْقِل كاهل الوجود كله فلا ينبغي للإنسان أن يستهين بها أو يفرط في حقها، قال الله عز وجل: “إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا[21].

وقد وردت في القرآن الكريم على ثلاثة أبعاد.

والأمانة تقضي بأن نصطفي للأعمال أحسن الناس قياما بها، والملاحظ في أصول العقيدة أن الأمانة من أبرز أخلاق الرسل عليهم الصلاة والسلام، لأنها شرط أساسي لاصطفائهم بالرسالة، فلولا أن يكونوا أمناء لما استأمنهم الله على رسالاته لخلقه.

ففي شأن هود عليه السلام يقول الله تعالى: “وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون، قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين، قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين، أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين[22].

فعرْضُ هود لقومه من مقتضياته أنه أمين، وهذه الصفة من صفاته لا بد أن تكون معروفة لديهم قبل أن يبعثه الله رسولا، ومن شأن الأمين أن يكون موثوقا به في نقل الأخبار وتبليغ الرسالات[23].

خامسا: التعاون على البر والتقوى:

يمتاز المسلمون بأنهم أمة متراحمة، متعاونة في السراء والضراء، على البر والتقوى ليحققوا لأنفسهم خيري الدنيا والآخرة، ويقيموا أمة المجتمع الفاضل الذي يسعى إلى أعمال الخير سعيه لتحقيق مصلحة نفسه الخاصة، ويكونون مطيعين لربهم الذي يتعهدهم بالعناية والرعاية، والحفظ والتأييد، وينقلهم من وهدة التخلف والعصيان إلى ذروة التقدم، وعرفان واجب الوفاء والإخلاص لمن خلقهم، وأنعم عليهم بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى قال تعالى: “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب”[24].

وفي التعاون شعور بأن بنية المجتمع متلاحمة، لا يفرق صفوف الجماعة غلبة الأنانية على سلوك الأفراد، وإنما يجمع صفوفها التواد والتراحم، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”[25].

وتروي لنا كتب السنة في هذا الصدد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يمتهن نفسه في شيء قالوا نحن نكفيك يا رسول الله قال: “قد علمت أنكم تكفوني ولكن أكره أن أتميز عليكم فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزا على أصحابه”[26].

سادسا: الصبر:

 أمر الله سبحانه وتعالى رسوله ﷺ بهذا السلوك الخلقي في نحو عشرين موضعا من القرآن الكريم[27] منها قوله تعالى: “وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ “[28]، أي لابتغاء مرضاة ربك وحده فاصبر[29].

أجل إن الصبر هو الذي يشع للمسلم النور العاصم من التخبط، والهداية الواقية من القنوط. والصبر فضيلة يحتاج إليها المسلم في دينه ودنياه، ولا بد أن يبني عليها أعماله وآماله وإلا كان هازلا.. فيجب أن يوطن نفسه على احتمال المكاره دون ضجر، وانتظار النتائج مهما بعدت، ومواجهة الأعباء مهما ثقلت، بقلب لم تعلق به ريبة، وعقل لا تطيش به كربة، كما يجب أن يظل موفور الثقة بادي الثبات، لا يرتاع لغيمة تظهر في الأفق ولو تبعتها أخرى وأخرى، بل يبقى موقنا بأن بوادر الصفو لا بد آتية، وإن من الحكمة ارتقابها في سكون ويقين.

وقد أكد الله أن ابتلاء الناس لا محيص عنه، حيث يأخذوا أهبتهم للنوازل المتوقعة. فلا تذهلهم المفاجآت ويضرعوا لها[30]، قال تعالى: “÷ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم[31].

والصبر يرد في القرآن على ثلاثة أبعاد:

سابعا: الإخلاص:

 إن صلاح النية وإخلاص القلب لله عز وجل يرتفعان بمنزلة العمل الدنيوي البحت فيجعلانه عبادة متقبلة، ويكونان سببا لدخول الجنة، لا لمغنم، ولا لشهرة، ولا لرياء، ولا ليقال: إنه شجاع، ولا من أجل نصرة عصبية أو قبيلة ونحوهما…

فالإسلام يرقب بعناية فائقة، ما يقارن أعمال الناس من نيات، وما يلابسها من عواطف وانفعالات، فهو لا يعتد مثلا بالصدقة إلا إذا خلصت من شوائب النفس، وتمخضت لله وحده عدى ما وصف الباري جل جلاله في القرآن الكريم:” إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا[32]، وقال عز اسما: ” لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون[33]، وقوله: “æ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة[34].إنه نمط آخر أرفع من هذا وهو أنهم آثروا بما هم مضطرون إليه وهؤلاء أعطوا وأطعموا ما هم محبون له[35].

والحق أن المرء ما دام قد أسلم لله وجهه وأخلص نيته فإن حركاته وسكناته ونوماته ويقظاته، تحتسب خطوات إلى مرضاة الله. وقد يعجز عن عمل الخير الذي يصبو إليه، لقلة ماله أو ضعف صحته. ولكن الله مطلع على خبايا النفوس الحريصة على الإصلاح فيتفضل سبحانه بإدراجها في سلك الصالحين، والراغبة في الجهاد فيدرجها في حزب المجاهدين؛ لأن علو همتهم وصفاء نياتهم درأ عجز وسائلهم[36].

والإخلاص يسطع شعاعه في النفس، أشد ما يكون تألقا في الشدائد المحرجة، إن الإنسان عندما ينسلخ من أهوائه، ويتبرأ من أخطائه، ويقف في ساحة الله أوابا، فإنه يرجو رحمته ويخاف عذابه.

وقد صور القرآن الكريم فزع الإنسان عند الحيرة، وانقطاعه إلى ربه يستنجد به، ليخرجه من مأزقه الذي وقع فيه. ” قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين، قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون[37].

قال الغزالي – رحمه الله – إن هذا الإخلاص حال طارئة، والأحوال التي تنتاب المرء وتفارقه ليس خلقا، والله تبارك وتعالى يريد من الناس أن يعرفوه حق المعرفة، وأن يقدروه حق قدره، في السراء والضراء جميعا.

ثامنا: الاعتدال في التدين:

لقد بين الله عز وجل أصول شرعه الحكيم في القرآن الكريم، فشرع ما لا يشق على النفس، بحيث راعى في هذا أحوال الضعف والوهن في الإنسان وتعرضه للعجز أو المرض، والنصوص القرآنية كثيرة في هذا المجال قال تعالى: “ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا[38]، بمعنى أن دين الله يسر لا مشقة فيه فلا يطلب الله من عباده ما لا يطيقونه.

وقال سبحانه وتعالى: ” يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر”[39]، وقال عز وجل: ” يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا[40]، وقال عز اسما: ”وما جعل عليكم في الدين من حرج”[41]، وقال جل جلاله: ”طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى”[42].

هذه كلها بيانات تشريعية أصلية في ديننا الحنيف، تقرر مبدأ اليسر والسهولة والسعة، ودفع الحرج والمشقة، والاعتدال في الطاعة، وفي جميع أحكام الشريعة في العبادات والمعاملات المبنية على الرحمة والحكمة، والمصلحة والعدل واليسر، وقصد الاستمرار أو الدوام[43].

الهوامش:


[1]  – سورة القلم، الآية: 4.

[2]  – صحيح مسلم، كتاب: البر بالصلة والآداب، رقم الحديث: 34.

[3] – مقاييس اللغة لأبي الحسن أحمد بن فارس، مادة: “خلق” طبعة سنة: 1399هـ/1979م دار الفكر بيروت.

[4]  – النهاية في غريب الحديث والآثار للإمام محمد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد الجزري، ابن الأثير ج 2/70. طبعة دار إحياء الكتب العربية. – تاج العروس لمحمد مرتضى الحسيني الزبيدي، مادة: “خلق” دار الرشاد الحديثة.

[5]  – لسان العرب لابن منظور، مادة: “خلق” دار صادر.

[6]  – الخلق الكامل لمحمد أحمد جاد المولى بك ج 1/24. الطبعة الثانية سنة: 1385هـ/1965م. مكتبة ومطبعة: محمد علي صبيح وأولاده.

[7]  – موسوعة نظرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول صلى الله عيه وسلم. إعداد: مجموعة من المختصين ج1/59. الطبعة الثانية سنة: 1419هـ/1999م جدة المملكة العربية السعودية.

[8]  – إحياء علوم الدين ج3/53. دار المعرفة بيروت.

[9]  – الأخلاق الإسلامية وأسسها لعبيد الرحمان حنبكة الميداني ج1/11. الطبعة الثالثة سنة: 1413هـ/1992م دار القلم بيروت.

[10]  – الأخلاق النظرية لعبد الرحمان بدوي ص: 165. الطبعة الأولى سنة: 1975. وكالة المطبوعات بالكويت.

[11]  – سورة يونس، الآية: 44.

[12]  – سورة النساء، الآية: 134.

[13]  – الأخلاق الإسلامية وأسسها ص: 519.

[14]  – سورة الحشر، الآية: 9.

[15]  – الجامع لأحكام القرّآن للقرطبي ج18/28. تحقيق: أحمد عبد العليم البردوني. الطبعة الثانية، دار الشعب القاهرة سنة: 1382هـ.

[16]  – التعاريف لمحمد عبد الرؤوف المناوي ج1/287. تحقيق: د. محمد رضوان الدابة. الطبعة الأولى دار الفكر المعاصر بدمشق سنة: 1410هـ.

[17]  – سورة النجم، الآية: 23.

[18]  – نفس السورة، الآية: 28.

[19]  – سورة المؤمنون، الآية: 8.

[20]  – صحيح البخاري، كتاب: الوصايا، رقم الحديث 2546.

[21]  – سورة الأحزاب، الآية: 72.

[22]  – سورة الأعراف، الآيات: من 64 إلى 67.

[23]  – الأخلاق الإسلامية وأسسها ص: 648.

[24]  – سورة المائدة، الآية: 3.

[25] – صحيح مسلم ج 4/1999. كتاب: البر والصلة والآداب. تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي. دار إحياء التراث العربي بيروت.

[26] – كشف الخفاء لمحمد العجلوني ج1/292. تحقيق: أحمد القلاش، الطبعة الرابعة، مؤسسة الرسالة بيروت سنة: 1405هـ.

[27] – في السور الآتية: المدثر، الآيـة: 7. – المزمل، الآيـة: 10. – ق، الآيتان: 39-40. – ص، الآيـة: 17. – طه، الآية: 130. – الطور، الآية: 48. – هود، الآيتان: 49 – 115. – المعارج، الآية: 5.

[28]– سورة المدثر، الآية: 7.

[29] – الأخلاق الإسلامية وأسسها ص: 467.

[30]  – خلق المسلم لمحمد الغزالي ص: 128. المكتبة الفيصلية.

[31]  – سورة محمد، الآية: 32.

[32]  – سورة الإنسان، الآية: 9.

[33]  – سورة آل عمران، الآية: 92.

[34]  – سورة الحشر، الآية:9.

[35]  – تفسير ابن كثير ج1/209. دار الفكر بيروت سنة: 1401هـ.

[36]  – خلق المسلم ص: 69.

[37]  – سورة الأنعام، الآيتان: 64-65.

[38]  – سورة البقرة، الآية: 285.

[39]  – نفس السورة، الآية: 184.

[40]  – سورة النساء، الآية: 28.

[41]  – سورة الحج، الآية: 78.

[42]  – سورة طه، الآية: 1.

[43]  – أخلاق المسلم، علاقته بالخالق. د. وهبة الزحيلي ص: 84. الطبعة الأولى، دار الفكر بدمشق سنة: 1423هـ/ 2002م.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق