الرابطة المحمدية للعلماء

ترميم حمامات غرناطة… ذكريات الطهارة العربية

شرعت بلدية مدينة غرناطة، جنوب إسبانيا، في إعادة ترميم الحمامات العربية التي تشكل واحدة من المعمار العربي الإسلامي الذي خلفه المسلمون وراءهم بعد خروجهم من الأندلس عام 1492، وذلك بهدف تحويل هذه المواقع الأثرية إلى مواقع سياحية تستجلب السائحين الأجانب، ضمن تصميم أوسع لإعادة النظر في البنية المجالية للمدينة.

وتعتبر غرناطة أكثر المدن الإسبانية التي أقامها بها العرب من حيث عدد الحمامات الأثرية، التي تنهض اليوم شاهدا على عبقرية العمارة العربية، إذ تضم 31 حماما بقيت صامدة لمدة تفوق ثمانية قرون، فيما تسعى السلطات الغرناطية اليوم إلى إعادة ترميم هذه البنيات التحتية التي تشكل مفتاحا للثقافة الإسلامية في إسبانيا.

وارتبطت الحمامات العربية في الأندلس قديما بمفهوم واسع للتعمير في العمارة الإسلامية، إذ كانت تجاور المساجد حيث تقام الصلوات، ما يسمح للمسلم بإجراء طقوس النظافة البدنية قبل أن يلتحق بالمسجد لكي يأخذ حصته من النظافة الروحية. بيد أن بعض الإسبان اليوم ـ حينما ينظرون إلى هذا التراث المعماري الأندلسي ـ يعتقدون بأن الحمامات كانت حكرا على السلاطين وحاشيتهم، وهو الأمر الذي تكذبه وقائع التاريخ، وينتقده الإسبان أنفسهم، الذي يقول مؤرخوهم إنه لا يمكن الفصل بين الجانب الروحي والجانب المعماري في الحمامات العربية بالأندلس.

ويقول خوصي خافيير ألفاريز، المهندس في مندوبية وزارة الثقافة بغرناطة إن الحمامات العربية”في الثقافة المعمارية وخصوصا في المرحلة الأولى لوجود الإسلام في شبه الجزيرة الإيبيرية كانت متجاورة مع المساجد وجزءا من أملاكها، بحيث إن المداخيل المالية التي كانت تحصل منها كانت تذهب لتجهيز وإصلاح هذه المساجد”.
وكانت الحمامات العربية تنقسم إلى أربعة أقسام، المدخل الرئيسي الذي يعد مدخلا نحو القسم الثاني وهو”البيت البارد”، ثم القسم الثالث الأكثر دفئا وبعده القسم الرابع الذي يسمى”البيت الساخن”.

ويمكن القول إن الحمامات العربية في غرناطة تعد شاهدا على محنة المسلمين في الأندلس، ففي بداية عهد محاكم التفتيش وممارسة الإكراه من أجل تحويل المسلمين عن دينهم كان قيام المسلمين بإجراءات النظافة واحدا من الأدلة غير المطعون فيها على تشبثهم بدينهم ومن تم تبرير محاكمتهم، فقد كانت الثقافة المسيحية آنذاك تمجد القذارة ومن ثمة، كان استعمال الماء من قبل المسلمين عامل إدانة وعنصر تجريم. وقد تعرضت العديد من الحمامات الشعبية في غرناطة للهدم في العقود اللاحقة التي أعقبت خروج المسلمين من المدينة، والقليل منها هو ما بقي صامدا طيلة الفترات اللاحقة، يجري الآن إدراجه ضمن معالم الثقافة العربية الإسلامية في غرناطة لتوظيفه في السياحة الثقافية للمدينة، لكن تلك الحمامات هي في نفس الوقت جسر حضاري ما زال يربط شبه الجزيرة الإيبيرية بالثقافة الإسلامية وبصمات تحاكي خطوات الأجداد.

إدريس الكنبوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق