مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثشذور

تاريخ ظهور دخان التبغ بالمغرب وحكم تعاطيه

يقول العلامة الشيخ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن خالد الناصري السلاوي في كتابه «الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى» في صدد حديثه عن حكم استفاف دخان تابغ: «وفي سنة إحدى وألف أُتِيَ بالفِيَلة من بلاد السودان إلى المنصور ـ أي السلطان أحمد المنصور الذهبي السعدي ـ، وكان يوم دخولها لمراكش يوما مشهوداً، برز لرؤيتها كل من بالمدينة من رجال ونساء وشيوخ وصبيان، ثم حملت إلى فاس في رمضان سنة سبع وألف. قال في “نشر المثاني”: كان دخول الفيل إلى فاس يوم الاثنين سادس عشر رمضان سنة سبع وألف، وبعث المنصور مع الفيل إلى ولده المأمون بهدية سنية فيها تحف وأموال عريضة، وخرج أهل فاس في ذلك اليوم للقاء الفيل بنحو مائة ألف نفس.

قال بعضهم: وبسبب دخول هذه الفِيَلة إلى المغرب، ظهرت هذه العشبة الخبيثة المسماة بتابغ؛ لأن أهل السودان الذين قدموا بالفِيَلة يسوسونها، قدموا بها معهم يشربونها ويزعمون أن فيها منافع، فشاعت منهم في بلاد درعة ومراكش وغيرهما من بقاع المغرب، وتعارضت فيها فتاوى العلماء رضوان الله عليهم، فمن قائل بالتحريم، ومن قائل بالتحليل، ومتوقف، والعلم فيها عند الله سبحانه قاله اليفرني.

قلت: من تأمل أدنى تأمل في قواعد الشريعة وآدابها علم يقينا أن تناول هذه العشبة حرام، لأنها من الخبائث التي حرمها الله تعالى على هذه الأمة المطهرة، وبذلك وصفها في الكتب السالفة إذ قال تعالى: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾ (الأعراف 157).

(…) وأنت لا تجد أخبث ولا أقذر من رائحة أفواه شربة الدخان، ولا أنتن ولا أعفن من نكهات الـمُسْتَفِّين لغبار تابغ، وهذا النتن من أقبح العيوب في نظر الشرع، حتى أنه جعل الخيار لأحد الزوجين إذا كان صاحبه أبخر (انْتَنَّ ريحه)، فإذاً لا نشك أن استعمال هذه العشبة الخبيثة في الفم أو الأنف من أعظم المحظورات، لأنها تصدم غرضاً كبيراً من أغراض الشارع وتضاده وتنفيه، وأقول لو كان نتنها يعلق بعضو من الأعضاء غير الوجه لكان هيناً، لكنه يعلق بالفم والأنف اللذين وضَعَهُما الحكيم العليم في وسط الوجه الذي هو أشرف الأعضاء، فأي مضمضة وأي استنشاق وأي سواك يزيل ذلك النتن الذي يرسخ في أنفاس أهلها وأفواههم وخياشيمهم رسوخاً لا يُماثله شيء؟

ولقد أفصح العامة عن شدة نَتَنِ هذه العشبة، وصادفوا الصواب حيث قالوا: إن فضلة الدخان المسماة بالقير تنجس النجاسة. هذا إلى ما يتبع ذلك من المفاسد المتعددة من تغيير عقل متعاطيها، حتى إنه إذا انقطعت عنه صار كالمجنون لا يبالي بما يصدر منه، ومن دخول الشك في صيامه، لأن بقايا ذلك الدخان أو ذلك الغبار قد يمكث في حلقه إلى طلوع الفجر وما بعده، لأن جُلَّهُم إذا قرب الفجر وَالَوْا استعماله حتى يكون هو خاتمة سحورهم.

وبالجملة فلا يستعمل ذلك إلا من لا خَلَاقَ له، ولا يكترث بمروءة ولا دين، وهو قادح في الشهادة والإمامة، والله تعالى الموفق بمنه.

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى (5/131-133)، منشورات وزارة الثقافة والاتصال، مطبعة النجاح الجديدة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق