مركز الأبحاث والدراسات في القيمدراسات عامة

بناء و تكوين القيم

عوامل تكوين القيم

سبقت الإشارة إلى أن القيم قدرات و كفايات يكتسبها المرء من مصادرو أصول متعددة أهمها الثقافة السائدة في محيطه ذات التأثير القوي، إلا أن تكون القيم يفترض تواجد مجموعة من العوامل  من أبرزها :

1. الاقتناع بأهمية القيمة، ذلك أن استضمار أية قيمة و تبنيها إنما يتوقف على عامل القبول الذي يعتبر أهم عامل في ترسيخ القيم لدى الفرد، ذلك أنه كثيراً ما يقبل الفرد قيمة ما دون أن يكون له أي اتصال مباشر بالأشياء أو الموضوعات المرتبطة بها. فالاتجاه أو تكوين رأي ما،لا يكتسب بل تحدده المعايير الاجتماعية العامة التي يمتصها الأطفال عن آبائهم دون نقد أو تفكير، فتصبح جزءاً نمطياً من تقاليدهم وحضارتهم يصعب عليهم التخلص منه، ويلعب الإيحاء دوراً هاماً في تكوين هذا النوع من الاتجاهات فهو أحد الوسائل التي يكتسب بها المعايير السائدة في المجتمع دينية كانت أو اجتماعية أو خلقية أو جمالية، فإذا كانت النزعة في بلد ما ديمقراطية فإن الأفراد فيه يعتنقون هذا المبدأ.

2. الإدماج و يقصد به استحضار الخبرات السابقة ذوات العلاقة الإيجابية بالقيمة المراد بناؤها ثم تعميمها على واقع الحال. فالإنسان دائماً يستعين بخبراته الماضية ويعمل على ربطها بالحياة الحاضرة في مواقف و وضعيات تعترضه. فالطفل في منظومتنا التربوية الأسرية يتربى منذ صغره على مجموعة من القيم كالصدق وعدم الكذب و احترام الكبار و تقدير الأبوين و محبة الله و المقدسات الوطنية… و هكذا يتكون لديه النسق القيمي عن طريق الثواب و العقاب اللذين غالبا ما يكونان رمزيين. وعندما يصير يافعا، يدرك الفرق بين تلك القيم النظرية التي تربى عليها و قيم مناقضة لها من خلال بعض الممارسات و السلوكيات التي يوصف أصحابها بالخيانة و عدم احترام الكبار و عقوق الوالدين و الجحود… ومن خلال الموازنة بين المبادئ التي تربى عليها و النعوت التي يوصف بها من سلكوا مسلكيات مخالفة لتلك المبادئ يبني معاييره القيمية ليعممها على حياته. و هكذا يمارس مقاربة الإدماج دون أن يتعلمها فيكون بذلك مربيا لنفسه من خلال عملية الإدماج.

3. تمايز الخبرات: إن اختلاف خبرة عن أخرى و تمايز تجربة عن غيرها في حياة الإنسان عامل أساس في امتلاك القيم، لأن التمايز عامل حاسم في الكشف عن أهمية القيمة و قوتها. و لا يمكن أن يحدث هذا التمايز إلا من خلال وجود خبرات كثيرة. إن قوة القيمة تظهر جلية و تتأكد عند التكرار و عند ترابطها بقيم أخرى شبيهة. و ليحدث هذا التمايز لابد أن تكون الخبرات و المواقف و الوضعيات التي يعيشها الفرد محددة الأبعاد ذوات محتوى قيمي واضح بالإمكان إدراكه. و هنا يجب التأكيد على بعض العناصر في هذا الموضوع:

–  التمايزات هي التي ترتب وتشكل استقبالنا للأشياء.
–  إن تصرفاتنا تنساب تلقائيا من طريقة استقبالنا للأشياء.
–  إن العمل على إيجاد تمايزات جديدة يعتبر قوة لتحقيق تغيير جوهري وتحولي في حياة الإنسان.

4. قوة الاستعداد لتقبل القيمة: إن الوضعية التي ترتبط بالقيمة (تجربة، خبرة، موقف معين…) تعتبر حاملا للقيمة. فإن كانت قوية مثيرة و ذات وقع إيجابي في حياة المرء جعلته شديد الارتباط بالقيمة المرتبطة بها، و إن كانت ضعيفة أو ذات وقع سلبي على الفرد التي يعيشها فإنه غالبا ما يزهد في القيم التي تحملها. فالاستعداد القوي إيجابا يساعد على تكوين مواقف تقوي النزوع إلى القيمة المراد تبنيها.

مراحل تكوين القيم

 للقيمة ثلاثة أوجه من حيث أساساتها البنائية :
1)    فهي معرفية:  من حيث الوعي؛
2)    وهي وجدانية:  من حيث شعور الفرد حيالها إيجابيا كان أم سلبيا ؛
3)    وهي سلوكية:  من حيث وقوفها كمتغير وسيط أو كمعيار أو مرشد للسلوك أو الفعل.

و اعتبارا لهذا البناء المحدد لطبيعتها فإن تكونها يمر عبر مراحل ثلاث أساسية:

1. مرحلة تعرف القيمة: و يقصد بها المدخل إلى الاستئناس بالقيمة عن طريق تبينها من حيث ماهيتها    و وظائفها و مكوناتها السلوكية. و لذلك يكون من الضروري أن تتضمن هذه المرحلة تعرف الفرد القيمة و إدراكها بصورة مباشرة. و لبلورة القيمة  لدى الفرد لابد من ربطها بالمظاهر الملموسة المتعلقة بها     و التي تعتبر مؤشرات لحدوثها مثل الصحبة الجيدة و احترام الجوار و احترام الذات و محبة الآخرين     و كذلك تبيان الفضائل الناتجة عن تبنيها. فقد ورد في المأثور عن قيمة الصدق في المعاملات أن شخصا كان يتوجه كلما اشتد به الحال و ضاقت ذات يده إلى أحد الزهاد ليطلب منه قرضا على أن يرجعه إليه عندما تتحسن حاله المادية، فكان ذلك الزاهد يدله على إناء موجود في الكوة فيه مال و يترك له أمر أخذ ما يحتاجه منه على أن يرده وقتما توافر عنده. و كان الرجل يعيد المال إلى الزاهد فيطلب منه هذا الأخير أن يضعه في مكانه بالإناء الموجود بالكوة دون أن يفحص المال أو يراقب الرجل و هو يعيده إلى مكانه. و استمر الأمر كذلك مرات طوال، و حدث مرة أن ارتأى الرجل أن يتظاهر بوضع المال في الإناء دون أن يضعه فعلا ما دام الزاهد لا يحرص على ذلك. و توالت الأيام و الشهور و الرجل يأخذ المال و يتظاهر بإعادته. و يحتاج الرجل مالا كعادته فيتوجه إلى الزاهد يطلب منه قرضا فيشير إليه هذا الأخير أن يأخذ ما يشاء من المكان المعروف لكن الرجل يفاجأ لخلو الإناء من المال و يقول للزاهد: لا يوجد مال، فيجيبه الزاهد: لو أعدت المال إلى مكانه لوجدته الآن.

و في هذه المرحلة يكتسب الفرد المعرفة (المعلومات و البيانات و التعاريف) والمهارات العقلية والقدرات الذهنية المتعلقة بالقيمة المرغوب فيها. و لتحقيق ذلك لابد من استحضار العمليات العقلية التي تدخل في بناء المكون المعرفي للقيمة و المتمثل في العمليات التي أوضحها بلوم Bloom فيما يخص صنافة الأهداف المعرفية، مع الإشارة إلى أن إثارة صنافة بلوم للأهداف المعرفية في هذا الموضوع لا يقصد منها العودة إلى الحديث عن تكنولوجيا التربية أو بيداغوجيا الأهداف .
  الأستاذ   ّعمر رياض

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق