وحدة الإحياءدراسات وأبحاث

الواقع الافتراضي وأثره في إدراك الأحكام الفقهية

البحث الذي بين أيدينا محاولة للكشف عن خصائص الواقع الافتراضي الناتج عن ثورة الإنترنت. والوعي بهذه الخصائص ضروريٌّ بالنسبة للفقيه/العالِم حتى يتعاطى بنجاح مع الإشكالات والنوازل التي أنشأها وفرضها هذا الواقع. وفي نظر الباحث فإن الفقه لم يراع بشكل كاف الفروق بين العالمين: الحقيقي والافتراضي، بل لم يتنبه للخصائص النفسية والحيل الافتراضية التي يلجأ إليها المتعاملون في الواقع الافتراضي، داعيا إلى ضرورة امتداد علم الفقه ليشمل فعل المكلف في الواقع الحقيقي أو الافتراضي.

التعريفات الفاسوسية لمفهوم الواقع الافتراضي تعتبر أن الافتراضية حالة تسمح للإنسان بالتفاعل مع بيئة محاكية نسبيًّا للواقع، هذه البيئة تم بناؤها عبر الحاسوب، وتستخدم أداة الإنترنت بكل ما تنتجه من تقنيات، ومحاكاة هذه البيئة نسبيًّا للواقع يعتبر مراوحة البيئة الافتراضية ما بين واقع حقيقي تماماً وواقع متصور تماماً في كلياته وجزئياته، وبين هذين النقيضين غير النظريين تتراوح مستويات مختلفة من الواقع الافتراضي.

الواقع الافتراضي نوع من الانغماس في بيئة افتراضية بهدف تحقيق التوهم بالتواجد في زمن غير الزمن، وفي مكان غير المكان، وفي موقف يختلف كليًّا عن الموقف الذي يحتكون به في الحياة الواقعية.

هذا الواقع أو السباق الافتراضي له خصائص اتصالية ويتحول إلى فضاء نفسي له تأثيرات على السلوك الإنساني، كما يخلق قيماً خاصة به.

وتسعى هذه الورقة التمهيدية إلى بيان حقيقة الوجود الإنساني في العالم الافتراضي بما يساعد الفقيه على الحكم على أفعال المكلف في هذا العالم الافتراضي من جهة الحِلّ والحُرمة. وهذا البحث جزء من خبرة العاملين في شبكة إسلام أون لاين. نت لمدة ثماني سنوات في الواقع الافتراضي، ويخص الباحث بالشكر كلا من: وسام فؤاد مشرف وحدة البحوث بالشبكة، ود. سحر طلعت المستشارة الاجتماعية والنفسية بالشبكة التي قامت بدور ملحوظ الذي ساهم في تجديد ماهية الواقع الافتراضي، ود. أحمد عبد الله المستشار الاجتماعي والنفسي للشبكة –سابقا- الذي استطاع أن يحدد الحيل النفسية التي يلجأ إليها المتواصلون عبر الإنترنت.

أولاً: الواقع الافتراضي.. الماهية والخصائص

1. ما أهمية الواقع الافتراضي

التعريفات القاموسية لمفهوم الواقع الافتراضي تَعتبر أن الافتراضية حالة تسمح للإنسان بالتفاعل مع بيئة محاكية نسبيا للواقع[1]، هذه البيئة تم بناؤها عبر الحاسوب، وتكون ثلاثية الأبعاد في الغالب، ومحاكاة هذه البيئة نسبيا للواقع يعني مراوحة البيئة الافتراضية ما بين واقع حقيقي تماما وبين واقع متصور Imagined تماما في كلياته وجزئياته، وبين هذين النقيضين غير النظريين تتراوح مستويات مختلفة من الواقع الافتراضي. وتضيف بعض الدوائر الأكاديمية بجامعة واشنطن أن بيئة المحاكاة المبنية حاسوبيا تعطي معلومات حسية[Sensory Information[2 .

فلو نظرنا إلى الحواسيب التي يتدرب عليها الطيارون قبل ركوبهم الطائرات الحقيقية سنجد أنها حواسيب تقوم على محاكاة الواقع محاكاة تامة لحسابات الواقع (ارتفاع الطائرة، عرض الجناحين، عدد وحدات تسليح الطيارة…)؛ غير أنها تخلق رفاق وهميين أو أعداء وهميين بما يمكن من تدريب الموارد البشرية على متطلبات الطائرة قبل الارتفاع بها… وهناك تطبيقات متعددة منها بالإضافة لما سبق تطبيقات العمليات الجراحية المعقدة، وعمليات محاكاة رحلات الفضاء، وبرامج معالجة مرضى حالات متنوعة من الرهاب النفسي، وغيرها من التطبيقات التي لا تنتهي بالتطبيقات الترفيهية.

ويرى بعض الخبراء في مجال التصوير السينمائي أن الواقع الافتراضي بدأ مع السينما، وأن هيمنة الصورة وما يصاحبها من مؤثرات تقود إلى حالة من التوحد مع المادة الفيلمية التي كانت بمثابة مفتاح التأثير الأولي للإنتاج الافتراضي على الذهن البشري. ولهذا نجد دارسي الإنترنت يتوافقون مع هذا الاتجاه في التأكيد على أن الرؤية البصرية هي مفتاح التأثير الأساسي في الانتقال إلى العالم الافتراضي. لكن البعض أضاف أن الصورة لا يمكن أن تنتج تأثيرها من دون عامل الصوت. وأضاف ثالث أن التقنية المعاصرة انتقلت بآليات التوحد مع العالم الافتراضي من مجرد إحداث الانفعال بالصوت والصورة فقط، بل صارت ثمة آليات تحقق ما يسميه الخبراء Tactile Information أو المعلومات اللمسية في مقابل المعلومات البصرية والمعلومات الصوتية/السمعية.

وفيما يتعلق بالحاسوب، يستطيع المستخدم أن يتفاعل مع البيئة الافتراضية التي يتصل بها من خلال أدوات إدخال بيانات قياسية (Standard Input Devices) مثل الفأرة أو لوحة المفاتيح، أو من خلال أدوات إدخال بيانات متعددة المستويات (Multimodal Input Devices) كالقفازات السلكية أو الأذرع الإليكترونية… ويصل الأمر في بعض الحالات لوجود بزة إدخال بيانات كاملة Full-body Wiring، وتقوم أدوات إدخال البيانات هذه بترجمة كل الاستجابات للحاسوب ليستوعبها ضمن البيئة الافتراضية التي يعرضها، وذلك على نحو يحدد علاقة مستخدم وسائل إدخال البيانات تلك بالبرنامج الذي يعرضه الحاسوب، كما يحدد درجة توحد هذا الشخص مع البرنامج الذي يشغله الحاسوب.

وإذا كان التعريف الأول يركز على حالة إرادية المنشأ وإرادية المنتهى، فإن موقع اتحاد العلماء الأمريكيينFederation of American Scientists  في ثبت مصطلحاته قد وصف الواقع الافتراضي بأنه نوع من الانغماس في بيئة افتراضية بهدف تحقيق التوهم بالتواجد في زمن غير الزمن وفي مكان غير المكان وفي موقف يختلف كليا عن الموقف الذي يحتكون به في الحياة الواقعية[3].

وكان الواقع الافتراضي حتى عهد قريب بمثابة بيئة أحادية مغلقة يكون الإنسان الواحد فيها هو الطرف الأوحد، بينما كل ما حوله هو الحاسوب. غير أن هذه المرحلة ولت لتحل محلها حالة من حالات الاشتراك في البيئة الافتراضية Shared Virtual Environments كما ذهب لذلك الباحث كيه بيير من جامعة ميتشجان[4].

يتطرف البعض في تعريف الواقع المتخيل حين يصفه بأنه Digital Realm، لكن الخبراء يصفون هذه التسمية باعتبارها فكرة تسويقية لبيع التقنية ثنائية وثلاثية الأبعاد بمختلف تطبيقاتها. غير أن الخبرة العملية لموقع Second Life، على محدودية قدراته التقمصية، أفادت بأن مفهوم Digital Realm ليس ببعيد عن يد التقنية وتطوراتها المحتملة في الأمد القريب وليس المتوسط. وهو ما أكده البروفيسور جون سولر بجامعة رايدر بالولايات المتحدة عندما تحدث عما أسماه أنماط العلاقات الإنسانية الجديدة في الإمبراطورية الإعلامية[5].

2. خصائص الواقع المتخيل

عندما نتحدث عن الواقع المتخيل من منظور الوجود؛ يثور أمامنا السؤال: هل يمكن الفصل بين الوجود الإنساني الحقيقي والوجود الإنساني المتخيل أو كما تسميه قواميس الواقع الافتراضي باسم: Avatar المقابل لمصطلح Human في الواقع الحقيقي؟

ويرى دارسو الواقع المتخيل خصائص هذا الواقع المتخيل في نسخته الاستغراقية فيما يلي[6]:

أ. تقوم فكرة الواقع المتخيل على أساس توفير بيئة محاكية لبيئة الإنسان يستطيع فيها أن يقوم ببعض أنواع الأنشطة التي يباشرها في حياته، ترفيهية كانت أو عملية.

ب. قدرة تصويرية مجسمة تعمق الإحساس بأبعاد العمق والإحساس بالفراغ.

ج. يتم تقديم الواقع الافتراضي بصورة تحاكي علاقات التناسب بين مقاييس الإنسان والبيئة التي يعيش فيها.

د. ينبني الواقع المتخيل على تفاعلات فعلية بين الإنسان والأغراض المادية المحيطة به من خلال مجموعة من أدوات التواصل بين الحاسوب والجوارح البشرية كاليد والفم والعين والقدم… تسهم كلها في تعزيز قدرات الإنسان على التحكم في الأغراض المادية التي يحتك بها في الواقع الذي يعايشه افتراضيا.

ﻫ. يتم تكثيف الوعي بالاستغراق الكامل في حالة وهم الواقع الافتراضي عن طريق الاستعانة بمؤثرات الصوت والصورة واللمس والاهتزاز وغيرها من صور الإحساس المختلفة. ومع هذا، فإن توفر عدم الاستغراق أمر وارد.

و. أصبحت حالة اشتراك أكثر من مجموعة في نفس البيئة الواحدة أمرا ممكنا.

ثانياً: الواقع الافتراضي كفضاء نفسي

هذا العالم هو كون جديد مواز، كون خيالي.. يعتمد في وجوده على الكمبيوتر وشبكة الاتصالات، وكل كمبيوتر متصل بهذه الشبكة يعتبر نافذة أو بوابة إلى هذا العالم الخيالي، وفي هذا العالم يتفاعل البشر من كل أنحاء المعمورة معا في أشكال مختلفة من العلاقات.

هذا العالم الافتراضي يمكننا أن نعتبره كمساحة نفسية (psychological space).. حيث يعتبر كل مستخدم أن الكمبيوتر هو امتداد لعقله وشخصيته داخل هذا العالم، وبالتالي تصبح الكمبيوترات والعالم الافتراضي وكأنه مساحة انتقالية تمثل امتدادات لما بداخل نفوس المستخدمين، حيث يعايشها المستخدمين كأنها مساحة انتقالية بين النفس والأجزاء الأخرى المكونة للفضاء التخيلي؛ هذه الأجزاء التي تتكون من أجزاء من النفس وأجزاء من أنفس الآخرين.

وعندما يحدث هذا؛ عندما يعايش هذا المرء الفضاء التخيلي كامتداد لما بداخله، وكمساحة انتقالية بينه وبين الغير.. يفتح الباب لكل أشكال الفانتازيا والخيال والوهم وكذلك لكل التفاعلات الانتقالية (Transference reactions). وعادة ما تستخدم هذه التفاعلات للتنفيس عن إحباطاتهم وتوتراتهم ورغباتهم ولتحقيق أحلامهم في عالم الخيال.

1. سمات العلاقات الافتراضية

هذا العالم المسحور يعتبره الكثيرون، سواء شعوريا أو لا شعوريا، امتداداً لما بداخلهم.. يعبرون فيه عن اهتماماتهم ومشاعرهم؛ وكأن ما يحدث هو حالة من الاندماج بين هذا العالم وبين دواخل نفوسنا بكل ما فيها من تركيب وتعقيد، وتتميز العلاقات المنشأة من خلال هذا العالم الخيالي بما يلي:

أ. العالم أصبح قرية صغيرة

 في هذا العالم يتم عبور كل الحواجز والمسافات بضغطة زر، ليتواصل البشر من كل أجزاء المعمورة، سواء تواصل متزامن مذهل أو غير متزامن.

ب. التواصل المتزامن واللاّمتزامن

وخاصية التزامن واللاّتزامن تعتبر خاصية من الخواص الهامة جدا في التواصل عبر الإنترنت، فسحر التواصل المتزامن لا يخفى على أحد؛ حيث يستقبل الإنسان الرسائل اللحظية ممن يتواصل معهم، ولا يدرك قيمة هذا التواصل المتزامن واللحظي إلا من عاش قبل هذا العصر؛ حيث كانت الرسائل البريدية لا تصل إلا بعد أيام وشهور وأسابيع. أما التواصل اللامتزامن عبر الميل فإنه يتيح لكل منا تجنب الرد أثناء الانفعال الشعوري الحادث فور قراءة الرسالة، ويتيح أيضا الفرصة لترتيب الأفكار.

ج. غياب الحواس

عندما نتواصل مع الآخرين في هذا العالم فإن هذا العالم يصبح وكأنه مساحة انتقالية.. جزء منها مكون من أنفسنا والجزء الآخر مكون من الأشخاص الذين نتواصل معهم، وهذا العالم السحري يختلف كثيرا في خصائصه عن عالم الواقع؛ حيث تتقلص المثيرات المستقبلة عبر الحواس الخمسة، وتغيب تعبيرات الصوت والوجه والجسد… ويتواصل المشاركون في معظم الأحوال عبر النص المكتوب، ومعظم من يتواصلون عبر هذا العالم يفضلون الاكتفاء بالنص المكتوب عبر الميل والماسنجر، على الرغم من التقدم التقني الذي أصبح يتيح استخدام الصوت والصورة، وخصوصا مع من لا يعرفونهم على أرض الواقع، وحتى في حالة استخدام هذه التقنيات لإثارة حواس السمع والنظر.. فإن الوجود والتحقق الجسدي غير موجود ولا مكان لحواس اللمس والشم.

وفي ظل غياب الرؤية المباشرة ينعدم تأثير المثيرات السطحية مثل الشكل وطريقة اللبس، وهذه العوامل السطحية قد تحدث تشتيتا في أرض الواقع.. وتمنع الإنسان من اكتشاف جوهر وحقيقة من يتعامل معهم، وبالتالي فهناك من يعتبر أن علاقات الإنترنت تتميز بالتواصل مع العقل والشخصية عبر الوسيط المتربع على عرش هذا التواصل وهو “الكلمة”… وفي غياب كل العوامل البصرية وغياب لغة النظرات والوجوه والأجساد يتم تقييم كل من يتواجد في هذا الفضاء بمعيار واحد وهو الكلمة وقيمتها.

وكما يغيب النظر عن هذا العالم تغيب أيضا حاسة اللمس، والإنسان لا يمكنه أن يستغني عن التلامس الجسدي في حياته… والطفل الذي لا يشعر بلمسات المحيطين به يصاب بالاكتئاب وقد تنتهي حياته، والبالغين المحرومين من هذه النعمة يعايشون فراغا غير محتمل.

وتغيب عن عالم الإنترنت أيضا الأحاسيس الأخرى التي تدعم التواصل والحميمية بين البشر ومنها حاستي الذوق والشم.

وفي أرض الواقع نتعايش مع من حولنا مستخدمين أكثر من حاسة (على الأقل السمع والبصر)، وفي العلاقات الأكثر حميمية يتم استخدام كل الحواس الخمس، والتفاعل الحادث بين هذه الحواس المختلفة يدعم بعضه بعضا محدثا نوعا من الحميمية والتآلف. أما في العلاقات الناشئة في الفضاء الإلكتروني فإنه يحدث انفصال لهذه الحواس بعضها عن بعض، وهذا الانفصال يعتبر سلاحا ذا حدين.. فهو من ناحية يفقد علاقة الثراء الذي يتوالد من تفاعل الحواس بعضها مع بعض، ولكنه في الوقت نفسه يتيح المجال للخيال ويثيره منتجا نماذج مبتكرة للاتصال، ولكن في النهاية لا تصلح علاقات الإنترنت للتواصل مع المقربين، ولا تصلح بديلا للعلاقات على أرض الواقع، والمثالي أن تتم العلاقات في عالم الواقع وعالم الفضاء الإلكتروني.

وفي عالم الواقع يمكننا ممارسة أنشطة مختلفة مع البشر المحيطين بنا، والتشارك في الأنشطة المختلفة يقوي الروابط ويصنع تاريخ للعلاقة، وقد يحتج البعض بإمكانية التشارك في الأنشطة المختلفة عبر الإنترنت؛ وهذه الأنشطة تشمل فيما تشمل الألعاب المختلفة وقد تتطور حتى تصل لممارسة الجنس الالكتروني، ولكن من المؤكد أن هذه العلاقات تختلف في حقيقتها وتأثيراتها عن مثيلتها على أرض الواقع، ويكفي أن رفيق الواقع يمكنه أن يشاركك فيما تفعله على الإنترنت ولكن العكس غير صحيح.

د. سحر الكلمة المكتوبة والمقروءة وحميمية غير مسبوقة

نحن نتواصل في هذا العالم عبر الكلمات، وميزات هذا التواصل أنه قد يكون غير متزامن، ويمكن أن يكون معبرا جدا عن المشاعر والأحاسيس، ويمكن تسجيله للاحتفاظ به واسترجاعه حينما يريد الإنسان، ومن خلال التواصل من خلف حجاب الإنترنت يحدث للإنسان نوع من التحرر ييسر عليه أن يخرج مكنونات نفسه، وقد يتصور البعض أن التواصل المتحقق عبر الكلمة والكلمة فقط، سواء عبر الميل أو الماسنجر أو الرسائل القصيرة واللحظية، هو تواصل ضعيف، ولكن العكس هو الصحيح والواقع يؤكد ذلك.. حيث تحدث روابط عميقة بين من يتواصلون عبر هذه الوسائل لما تتميز به هذه الوسائل من خصائص تجعلها ساحرة ومثيرة، فالتعبير عن المشاعر والأفكار وقراءة مشاعر وأفكار الآخرين عبر النص المكتوب يصنع نوعا من الحميمية غير المسبوقة، وخصوصا في ظل عالم الإنترنت الذي يتيح التواصل مع الكائنات الإنترنتية المجهولة من خلال نصوص غير متزامنة عبر البريد الإالكتروني، أو من خلال نصوص متقطعة عبر الماسنجر، ومن خلال رموز خاصة جدا (Emoticons) ومثيرة جدا للتعبير عن المشاعر المختلفة مثل الحزن والسعادة والدموع والغضب والاستهزاء أو السخرية…

هـ. كله في الدماغ (الاندماج مع هذا العالم)

وأثناء هذا التواصل الحميمي وفي ظل سيولة الهوية التي يتيحها الإنترنت، يحدث إقحام للآخر في عقولنا؛ وكأن عقله قد اندمج مع عقلنا؛ وكأننا نقرأ رسائله بأصواتنا ونقصد بها ما تقصده عقولنا، ونسمع أصوات الآخرين وكأن صوتهم مدمج في دماغنا؛ وكأن أصواتهم تخرج منها، وفي بعض الأحيان قد يصبح التواصل أكثر حميمية بحيث يصنع العقل صورة ذهنية متخيلة لهذا الكائن الإنترنتي… وكيف يبدو وكيف يتصرف؟ هذه الصورة الذهنية المتخيلة.. مفرداتها ورتوشها تنبع من دواخل نفوسنا، وهذه واحدةٌ تصف حبيبها الإنترنتي على أنه “رائع في كل شيء” وأخرى تقول: “هذا الشاب لم ير صورتي ولم يسمع صوتي حتى الآن وأنا أيضا لم أره ولم أسمع صوته… ولكن صدقوني لو طلبتم مني أن أصفه لكم لوصفته فهو في خيالي”… ويصبح الصديق الافتراضي وكأنه جزء من عالمنا الداخلي، وتتغير صورته وصفاته جزئيا حسب الصورة التي يقدم لنا بها نفسه عبر النص المكتوب، وباقي ملامح الصورة نرسمها لتلبي توقعاتنا وتمنياتنا واحتياجاتنا، وهذا الشريك الافتراضي قد يذكرنا بآخرين ممن عايشناهم في أرض الواقع… فنضيف من صفاتهم المحفورة في ذاكرتنا على صورته، وبالتالي فالصورة الناتجة تختلف كثيرا جدا عن الصورة الحقيقية لهذا الصديق الافتراضي… حتى لو لم يتعمد هو الكذب والخداع، وحتى لو تحرّى أقصى درجات الصدق والأمانة عند تواصله معنا.

وعندما تكتمل ملامح الصورة وتصبح أكثر وضوحا.. يبدو الحوار وكأنه حوار بيننا وبين مكون في عقولنا، وكأننا مؤلف وكاتب سيناريو لمسرحية تدور أحداثها في داخل دماغنا، وكلما أصبحت العلاقة أكثر حميمية وعمقا… كلما اندمجنا أكثر في هذه المسرحية بحيث تستمر أحداثها على مدار اليوم، حتى عندما لا نتواصل عبر الإنترنت… واندماج الأشخاص والأحداث بداخل عقولنا، وكأننا نتحدث مع أنفسنا، يشجعنا على البوح بكل ما في دواخلنا وبكل ما لا يمكننا قوله للآخرين.

و. الإسقاط

ومن خلال الاستماع الجيد لحديث الكلمات عبر الفضاء الإلكتروني تحدث ظاهرة من أغرب الظواهر؛ وهي ظاهرة التحويل أو الإسقاط… حيث يسقط الإنسان منا توقعاته وأحلامه وآماله وقلقه ومخاوفه على النص المقروء؛ يصبح الإنسان وكأنه إناء ينضح بما فيه على النص المرسل له؛ يقرؤه بعقله هو وتوقعاته هو؛ مما يؤدي إما إلى دعم العلاقة من خلال هذا التفاهم غير المسبوق، وإما سوء الفهم والصراعات.

ز. سيولة الهوية

وغياب التواصل الواقعي في هذا العالم يحقق نوعا من السيولة غير المسبوقة لهوياتنا “فأنت لا تراني ولا تعرفني ويمكنني أن أتواصل معك لاحقا. نحن في لعبة لطيفة وبالتالي فلا حرج من أن نظهر ما نريد ونخفي ما نريد ونغير ونبدل كيفما نحب”. مِنا من يحاول أن يظهر بهويته التي يتحرك بها على أرض الواقع، ومنا من يظهر بعضها أو يخفيها كلية لأهداف متعددة، ومنا من تتعدد أسماؤه التي ينطلق بها في المجتمعات المختلفة في هذا العالم.

ح. التفكك والتشظي

وقد يتصور البعض منا أن السيولة الحادثة في هويتنا تحدث دائما بشكل إرادي وواعٍ، ولكن الغوص في أعماق النفس البشرية وفي العلاقات الناشئة عبر الإنترنت يوضح أن سيولة الهوية هذه تحدث لا إراديا، وقد تمثل انعكاسا للتفتت الحادث في مكونات ذواتنا؛ فنحن في الواقع كل متكامل مكون من أجزاء النفس المختلفة، والتي تمكننا من لعب الأدوار المختلفة في حياتنا، والسرية التي يتيحها عالم الإنترنت تتيح لنا أن نظهر ونخفي بعض أجزاء من ذواتنا حسب الظروف والبيئات التي نتفاعل فيها، وما نظهره من أجزاء بعضه يمثل الجوانب السلبية وبعضه يمثل الجوانب الإيجابية، وتغير هويتنا على الإنترنت قد يحدث بدون تحكم منا وقد يعكس رغبات دفينة في التعبير عن النفس بهذا الشكل؛ فالاسم الذي نختاره والصفات التي نكسبها لأنفسنا كل هذا قد يعكس رغبات دفينة لا يدركها الإنسان نفسه في عالم الواقع، وقد يعكس بعض الجوانب الحقيقية في شخصية الإنسان والتي يخفيها تحت الأقنعة المختلفة أثناء حركته في عالم الواقع، والمهم أن هذا التفتت قد يكون جيدا لأنه يتيح المزيد من التركيز على جانب أو نشاط مُعيّنين، ولكن الإنسان يحتاج من أجل صحته النفسية والعقلية أن يحرص بوعي على إحداث الاندماج بين الأجزاء المختلفة لنفسه، وذلك بجلب عالم الواقع إلى الإنترنت والعكس، ويحدث هذا عندما يتم التفاعل مع أصدقاء الواقع عبر الإنترنت أو العكس، وعندما نمارس نفس الأنشطة في العالَمين.

ط. لعبة التنكر والاختفاء والتحرر من كل القيود الداخلية والخارجية

سيولة الهوية ولعبة التنكر والاختفاء هذه تحدث نوعا من التحرر؛ هذا التحرر يحدث لأن الفضاء الإلكتروني يضعف الحواجز التي تمنع انبعاث ما بداخل النفس، وذلك من خلال اللعب على أوتار الهوية المعدلة على الإنترنت، فالإنسان من خلف حجاب الإنترنت غير معروف لمن يتواصل معه؛ وكأنه يرتدي قناعا تنكريا لا يخفي الوجه فقط ولكنه يخفي أيضا الهوية، وأنت لا تعرف عني إلا ما أقوله عن نفسي، وفي ظل هذه الحجب ينطلق الإنسان معبرا عما بداخله.

وفي ظل هذا التحرر تحدث تسويات نفسية لا إرادية، أو ما يمكن أن نطلق عليها لعبة الصدق والكذب اللاواعي… حيث يحدث إخفاء لبعض جوانب النفس وإظهار جوانب أخرى بأمانة شديدة، ويمكن أن تتغير وتتبدل هذه الجوانب حسب البيئات والظروف الإنترنتية التي نتفاعل فيها وكذلك حسب الوسيط الذي نعبر من خلاله.

والإنسان على الإنترنت لا يتخفى فقط خلف القناع التنكري، ولكنه في كثير من الأحيان يرتدي “طاقية الإخفاء” بحيث يبدو وكأنه غير منظور على الإطلاق، وهذا الخفاء يتيح للإنسان أن يذهب إلى أماكن لم يكن ليذهب إليها ويقوم بفعل أشياء لم يكن ليفعلها إذا كان منظورا، كما يشجعه على أن يبوح بمكنونات نفسه مهما كانت خاصة جدا وهو يضمن أنه مخفي تماما ولا أحد يراه. وهذا التحرر قد يستخدمه الإنسان للتعبير بأمانة عن مشاعره وأفكاره “تحرر حميد تنطلق فيه النفس معبرة عن مكنوناتها”، وهذا النوع من التحرر يعكس رغبة الإنسان في الغوص لاكتشاف أعماق نفسه، وقد يحدث نوع من “التحرر السام والضار من خلال تصرفات عمياء وغير مسئولة وقد تكون تصرفات عدوانية أو سلوكيات جنسية وإباحية” وعند حدوث هذا التحرر السام يندفع البعض لاستغلال الآخرين والإساءة إليهم من خلال التعبير عن عواطف واحتياجات سيئة.

ي. مجرد لعبة في عالم الأحلام: الانفصال عن الواقع بكل ما فيه من آلام وإحباطات ومساحات فارغة لا تجد من يملؤها… هذا الانفصال الذي يحدث على الإنترنت يجعلنا نعيش عالم جذاب من الأحلام، نتجاوز فيه الحواجز الفيزيائية والمكانية والزمانية، ونخلق فيه الشخصيات التي نريدها، عالم له لغته الخاصة المميزة، وما يحدث على الإنترنت أن الأطراف الأخرى تقحم وتدمج لا إراديا بداخلنا، ولكننا مع هذا ما زلنا نتمتع بقدرتنا على لبس الأقنعة التي تخفي ما نريد أن نخفيه وتظهر ما نريد أن نظهره، وما زال في إمكاننا أن نرتدي طاقية الإخفاء… وبالتالي فما أسهل الفرار في هذا العالم… وكل ما عليك إذا أردت أن تفر أن تغير اسم المستخدم والميل، وحينها يمكنك أن تقف وتراقب الآخرين وهم مستمرين في لعب نفس أدوارهم ما لم يقرروا الفرار مثلك.. وهذه القدرة على الفرار تضاعف من حجم التحرر الحادث لنا ونحن على الإنترنت، ويبدو الإنسان وكأنه يعيش في فراغ آخر منفصل وبعيد تماما عن متطلبات ومسئوليات العالم الحقيقي، ويعيش الإنسان في عالم الأحلام الافتراضي.. منفصلا عن العالم الواقعي، وفي عالم الأحلام والألعاب يضع اللاعبون قوانين وتقاليد تحكم اللعبة وتضبطها، ولكنها قوانين وتقاليد مختلفة عما يحكم العلاقات بين البشر على أرض الواقع، وتحدث الكوارث للإنسان الذي يدخل حلبة اللعبة وهو لا يعي ولا يفهم قوانينها والضوابط التي تحكمها… ويتصور أنها تُحكم بنفس قوانين الواقع… ويبدأ في تفسير كل حركة وكل كلمة بناءا على فهمه هو لقوانين وقواعد العالم الحقيقي.

ك. تساوت الرؤوس: وعالم الإنترنت عالم تتساوى فيه الرؤوس… فلا يوجد فارق بين الوزير والغفير؛ والفقير والغني، والرجل والمرأة… الكل عنده نفس الفرصة للتعبير، في عالم الأحلام هذا تغيب كل الاعتبارات التي تصنع الفوارق بين البشر والتي تعطي لأحدهم سلطة على الآخرين، وتصبح وكأنها علاقة بين الرفقاء… والكلمة المكتوبة هي التي تعطي في هذا العالم السلطة والقدرة على السيطرة، وبالتالي تتحدد مكانتك في هذا العالم بقدرتك على الكتابة وبمهاراتك التقنية.

ل. تأثير الاختلافات والسمات الشخصية: أثناء تفاعلنا على الإنترنت نظهر صورة تختلف عن صورتنا في أرض الواقع، ويحدث هذا لا إراديا نتيجة للتحرر الذي شرحناه من قبل، وقد يتصور البعض أن التغيرات الحادثة لنا ونحن في هذا العالم تحدث للجميع بنفس الدرجة والكيفية، ولكن الاختلاف لا يحدث فقط بسبب هذا التحرر… فكيفية الاختلاف ودرجته تختلف حسب سماتنا الشخصية والميكانزمات والحيل الدفاعية التي نستخدمها على أرض الواقع، وكذلك حسب مشاعرنا واحتياجاتنا ودوافعنا.. كل هذه العوامل تتفاعل مع التحرر الذي نستمتع به محدثة تغيرات بمستويات مختلفة في الصورة التي نظهر بها أنفسنا على الإنترنت… فالشخص الرومانسي العاطفي والانطوائي الذي يمنعه خجله الاجتماعي من التعبير عن مشاعره الحقيقية ورومانسيته يصبح على الإنترنت منطلقا ومنفتحا وعاطفيا بدرجة كبيرة… ومن القصص الشهيرة والمتكررة أن الفتاة تجد حبيبها الإنترنتي مجاملا ورقيقا ومعبرا عن مشاعره وتعيش معه في عالم الأحلام حتى تلتقي به لتكتشف أنه مختلف تماما وأنه خجول ولا يستطيع أن ينطق بربع كلمة من الكلمات التي كانت تطربها على الإنترنت.. وقد تتصور أنه كان يفتعل هذه المشاعر ويحاول أن يخدعها.. ولكنه في الحقيقة قد لا يقصد هذا مطلقا… وكل ما في الأمر أن الإنترنت أتاح له التعبير بحرية عن مشاعره بعدما تخلص من حرجه الاجتماعي.

2. الواقع الافتراضي.. من التقمص إلى الهروب الكبير

في الشبكة، وحجراتها، وأوديتها ملايين الروايات بل بلايين القصص والحكايات عن الألعاب والحيل النفسية التي تلجأ إليها في التواصل عبر الإنترنت، وكما يضع المهرجون على وجوههم الأصباغ والألوان، وكما يرتدي آخرون أقنعة وأزياء تنكرية، نفعل نحن وراء حجاب الشبكة الذي يجعلنا نتخفف من القيود الاجتماعية، والمسافات النفسية في العالم الواقعي ونقترب ممن نحادث، نقترب منه جدًّا، حتى نكاد نتلامس، ورغم البعد المكاني في الواقع يحدث نوع من القرب والحميمية حتى نكاد نسمع أحياناً صوت الأنفس أو نشعر بدقات القلوب، أو رعشة الرموش، والمشاعر تكون مرهفة أكثر فنبكي من القلب بحرقة وحرية؛ “لأننا وحدنا” دون رقيب أو محيط جماعي يضبط، وقد نضحك مقهقهين، وقد نشعر بخليط من الأنس أو الشجن أو الحنين، إذا تواصلنا، وأمام الشاشة تتفجر براكين مشاعرنا التي أصبحت جامدة في عالم الواقع، ونتزلزل أحياناً تحت وقع الكلمات التي نراها مكتوبة أمامنا تحمل نبضاً صادقاً أو حتى وهمًا كاذبًا، ونعبث -وهكذا نحن- حين نغفل أو نتغافل عن أنها أداة شديدة النفاذ تخترق كل الحواجز لتصيب القلب والعقل والروح، وكاذب من يقول إنه دخل التجربة ولم يتأثر أو إنها كانت عادية، أو إنها كانت مثل أي اتصال آخر بالهاتف أو ما شابه.

ويمكن أن أسترسل في الوصف، ولكنني أخشى الإملال، ولذلك أقول إننا نلعب على الشبكة ألعابًا مختلفة سواء ندري بها أو لا ندري، وظهر لي منها:

أ. لعبة الكذب: وهي أسهل الألعاب على الإطلاق، وأكثرها بدائية، وغالباً ما نبدأ بها، والغرض الأساسي يكون أن نلفت الأنظار بشيء جذاب، ولذلك نضع صوراً أجمل، ومعلومات مشوقة، أو نخفي تفاصيل مهمة نشعر أنها تخل بالصورة الجذابة التي نحاول أن نرسمها لأنفسنا، وقد يحدث الكذب بوعي، وهذا معروف ويسهل التراجع عنه من قبل صاحبه، أو كشفه من الطرف الآخر بصورة أو بأخرى، ولكن الخطر الأكبر يكون في الكذب الذي نمارسه دون وعي في كلمة هنا، أو لفظة هناك، فنكذب في مدح الطرف الآخر بما ليس فيه، أو نغفل التطرق إلى عيب قادح قد يظهر منه، وقد نتغاضى عن أشياء كثيرة لا نتغاضى عنها في التفاعل الحي بين الناس، ويحدث هذا من أجل عيون استمرار التواصل والاتصال الذي يخلق نوعاً من الإدمان والشعور بالاحتياج المستمر لجرعة متجددة من هذا الإكسير السحري، وبدونه؛ (أي هذا الإكسير) وبدون رسالة أو أكثر كل يوم، وبدون الشات، عند البعض، يشعر الإنسان أن شيئاً ما ينقصه.

هل أبالغ إذا قلت إن الأمر يشبه المخدرات التي يشعر متعاطيها أنه يحلق فوق السحاب، ويحتضن النجوم؟!

هل أبالغ إذا قلت إن لهذه الرسائل، إذا كانت قوية ومكتوبة بعناية، فعل “المساج” أو التدليك للعقل والروح، والتأثير القوي للغاية على المشاعر والمزاج وسائر العمليات النفسية من تفكير ولغة؟!

ومن أجل هذه اللذات جميعًا نتغافل عن الكذب، وبخاصة غير الواعي منه، والتمثيل يتضمن مسبقًا نوعًا من الاتفاق على الكذب، أو بعضه على الأقل!

ب. لعبة الصدق الكاذب: وهي أخطر وأعقد من لعبة الكذب، وفيها قد يبدأ الإنسان بالبوح عن نفسه وعن حياته، وعرض آرائه في الشؤون المختلفة، وقد يبدأ في الحديث عن عيوبه الجسدية أو النفسية، ولكن يحدث هذا كله بأسلوب مثير للإعجاب، وأحياناً للشفقة، وأحياناً لهما معاً، وخطورة الصدق هنا أنه كذب، ولكنه من طراز فريد وشديد المراوغة، وصعب الكشف والاكتشاف، ففي حين يكون الكذب الواعي بدائيًّا، والكذب غير الواعي خفيًا، فإن الصدق هنا يكون جزئيًّا، وهنا تكمن المفارقة، كيف يحدث هذا؟! دعونى أحاول الشرح:

إن لدى كل إنسان آليات نفسية دفاعية تحميه من أن يتعرى فيكشف نفسه أمام الآخرين بعوراته ونقائصه، وحين يختار الإنسان أن يقيم علاقة مستخدمًا الأداة العنكبوتية فهو يدرك مسبقًا أن الطرف الآخر لن يعرف عنه إلا ما يوفره هو له من معلومات عن نفسه.

ولعبة الصدق تتضمن إغفال أو تهميش التفاصيل غير المستحبة في مقابل إبراز التفاصيل المثيرة للإعجاب أو الرثاء أو الشهوة أحيانًا، ويتضمن الصدق الكاذب هنا نوعًا من إعادة ترتيب الأفكار والأحداث أو النظر إليها على نحو يبرز تميز الذات، ولو بتوجيه بعض النقد الخفيف أو غير الحقيقي لها بديلاً عن ذكر العورات الحقيقية، والثغرات الأكبر والأهم.

وكذب هذا النوع من الصدق يتمثل في إعادة ترتيب المفردات الواقعية، وإعطائها من الألوان والظلال ما يجعلها إجمالاً أبهى بكثير من الحقيقة، رغم ما قد يبدو فيها من مساحات ضعف أو انتقاد للذات أحياناً، لأنه ضعف وانتقاد محسوب بعناية لإسباغ البراءة على ملامح الأبطال في تلك الرواية الإليكترونية العجيبة، وبدلاً من التلاعب بالضوء والظل، واللون والزوايا في الصورة الفوتوغرافية فإن رسم الصورة نفسها بالريشة والأصباغ، أو الكلمات والتعبيرات يجعلها زاهية وباهرة، وأكثر تأثيراً في النفس، وأكثر بعدا عن الحقيقة.

ج. لعبة التقمص: وهي مختلفة عما سبق، وغير منفصلة عنه في الوقت ذاته؛ لأن الواحد منا يضع لنفسه مثالاً يريد أن يكونه في المستقبل، أو يعجز أن يكونه في الحاضر، ولكن تقمص هذا المثال ممكن جدًّا في الاتصال الإليكتروني.

والتقمص فيه بعض الكذب طبعًا، ولكنه كذب منهجي محسوب أو مبرمج على مقاس مثال موجود في الذهن فعلاً، وقد تجد امرأة لديها بعض المواهب في الطبخ أو الكتابة تتقمص دور مديرة الطهاة في أشهر المطاعم، أو تتقمص الأخرى دور الفيلسوفة التي لم تلد مثلها النساء، وتبدأ في التنظير لكل شيء من الإبرة إلى الصاروخ، أو من الجرة إلى المجرة، وهؤلاء جميعاً بدلاً من السعي الحثيث لتحقيق المثال فإنهم يتقمصونه.

والحقيقة أن الحوار الذي يدور على الإنترنت إنما يجري فعلاً بين هذه المحاولات أو الشخصيات المتقمصة منزوعة التشويش والألم والتداخل، منزوعة الكوابح والإعاقات الإنسانية الفعلية؛ فالإنسان المتحفظ، الخجول، غير الاجتماعي، ثقيل الظل، العاجز جنسيًّا أو نفسيًّا عن إقامة علاقة مستمرة وناجحة مع شريك واقعي بكل ما تحمله هذه العلاقة من تكاليف، وما تمليه من واجبات وحقوق، وما يترتب عليها من تبعات، هذا الإنسان يكون عذبًا رقراقًا، وجدولاً صافيًا، وخطيبًا مفوهًا، وشجاعًا لا يهاب ولا يتردد، ولطيفًا حلو المعشر، وسريع النكتة، وعلاوة على ذلك دونجوانًا رقيقًا، وفحلاً قادرًا، وكل ما يتمناه، وكل ما يحلم أن يكونه، ويعجز عن إنجازه في واقعه الفعلي.

والمرأة الفاترة النكدة، حادة الطبع، سريعة الغضب، قليلة البضاعة في الخلقة والخلق تكون حارة وضحوكة، لينة الجانب.

والتقمص هو ذروة تبلور مركب الصدق/الكذب ففيه من الصدق أنه قد يحتوي على أشياء حقيقية قد تكون موجودة في الشخص، ولكن بقدر أقل بكثير مما يبدو في الصورة التي تظهر، أو المثال الذي يحاوله، وفيه من الكذب أنه ليس الواقع كله، بدرجات تختلف من شخص لأخر، فقد تكون في الأستاذة الجامعية التي تتقمص شخصية فتاة في العشرينات روح شابة تحب التجدد، وربما التمرد، ولا تحصل على فرصة لاستثمار هذه النزعة التي يمكن أن تكون إيجابية، وقد تكون في الأخرى بدايات كتابة جيدة تحتاج إلى رعاية وتطوير، وقد يكون في صاحبنا ثقيل الظل مواهب أخرى فيها بعض الشبه من المثال الذي يطمح إلى أن يكونه، وبدلاً من الصبر على مسار التطوير يتم القفز إلى مساحة التقمص، وبدلاً من العلاقة المركبة بين إنسان وإنسان تجري العلاقة بين كائنات مصنوعة أو مصطنعة كل علاقتها بالبشر أن البعض يتقمصها!

د. لعبة التمويه والخلط: هل يمكن أن نعترف بأننا نكذب أو نتقمص؟!

هل يمكن أن نكشف الأقنعة أو نتعرى حقيقة؟!

هل يمكن أن نعلن عن الكذب الكاذب أو الصدق الكاذب، ونستبدل الصدق الصادق بهذا وذاك؟

هل يمكن أن تعترف امرأة مثلك أن تواصلها مع رجل أجنبي عنها فيه من المشاعر المختلطة ما فيه، وفيه من التأثير والتأثر المتبادل ما فيه، وفيه من الشبهات وبالتالي الفتن ما فيه؟!

وهل يمكن أن يعترف كل من يتورط في هذه المغامرة بأنه دخلها مدفوعًا بأحلام ورغبات، وهزائم وإحباطات، وحنين جارف لكلمة إعجاب أو تشجيع، وإنعاش نفسه التي أصابها الركود؟! هل نعترف أنها مجرد محاولة لمقاومة الرتابة والملل؟!

هل يمكن أن نصارح أنفسنا بأننا لم نعد قادرين على التواصل مع من حولنا في الواقع، لسبب أو لآخر، على النحو الذي يملأ جوانحنا بالأمل والرضا عن النفس وعن الحياة، وأصبحنا نحتاج إلى مدد نلتمسه في هذا المصدر الإليكتروني؟!

إذا كنا شجعانًا وصادقين، أنقياء أتقياء راقبنا الله في كل كلمة قلناها وكتبناها، فهل لدينا الاستعداد لنشر كل هذه الكلمات أو الرسائل المتبادلة، أو نصوص الأحاديث في غرف الشات، أليس “الإثم ما حاك في صدرك، وخشيت أن يطلع عليه الناس”؟!

من منا يستطيع ذلك فهو صادق في دعواه، ومن لا يستطيع أن يواجه برسائله تلك الناس، فكيف يدعي النقاء والتقى؟! وكيف يدعي أنه كتبها لوجه الله ورسوله، وهو يستحي من الناس ولا يستحي من الله، وكيف سيقف بها أمام الله سبحانه، وهو الأعلم به، وهو البصير السميع؟! أحسب أننا في هذه نغتر برحمة الله، وبدلاً من المصارحة أو المواجهة أو الانكشاف أمام الذات، وأمام الطرف الآخر الشرعي نلعب معًا لعبة التمويه فيروي أحدهم عن أسرته، وتحكي تلك عبر الشبكة عن زوجها وحميد خصاله بما لا تذكره أمامه، ولا تشكره عليه، ولعلنا نجد مفردات أكثر في إطار الخلط والتمويه فيضع البعض مهاما عاجلة أو متدرجة، وخططًا للتعاون أو المشاركة في خير عام أو خاص، ويحدث كل هذا لإسباغ نوع من المشروعية أو الخيرية على عملية الاتصال فهي تجرى لخير الأمة! وباسم الله! وفي إطار الحدود والضوابط! والاحترام المتبادل!

ولا داعي للسؤال: كيف هذا؛ لأنه لا داعي للإحراج؟

ولا داعي للتذكير بأنها محض علاقة فردية سرية، وعلاقة المؤمنين والمؤمنات جماعية وعلنية كما سأشرح لاحقًا.

وبدلاً من الوضوح الذي يختصر الطريق، فنقول: إننا أمام طرفين محتاجين بشدة إلى نوع تواصل إنساني، وربما علاج نفساني، ودعم اجتماعي في مواجهة الوحدة أو الافتقار إلى التقدير، أو العجز عن التحقق، أو الفشل في القيام بالواجبات المتوقعة أو المهام الأساسية التي تمليها حقوق النفس والآخرين، بدلاً من هذا نعمد إلى التمويه والخلط بين الذاتي والعام، بين اللائق والزائد عن الحد، بين ما يجوز شرعًا، وبين ما لا يجوز، ونحن نخلط هذا بذاك لتمر الطبخة أو الكذبة التي نكذبها على أنفسنا، فنحن نتلطف مع الشريك الإليكتروني لنحوز إعجابه وننتزع تصفيقه، ونضغط على إفراز غدد السرور عنده فيسعد هو ويسعدنا برد الفعل، ونحن قد نخدمه أحياناً لنظهر أروع ما يمكن، وقد نلومه أو نعاتبه بعذوبة لنصبح أقرب، وقد، وقد…

ونحن هنا مجرد كذبة نتقمص أدوارًا على غير حقيقتنا، ومن آيات كذبنا أننا لسنا كذلك مع الشريك الفعلي، لسنا لطفاء ولا مجاملين، ولا نبذل جهدًا كبيرًا في أن نحوز على إعجابه أو حتى مجرد رضاه، وإذا خدمناه مرة ولم يشكرنا، تبرمنا منه، وسحبنا اعترافنا به محبا وحميمًا، وحين نلومه نجلده، وحين نعاتبه نقصمه، وربما يفعل الشريك الفعلي ما يتبادل به معنا الجفاء بجفاء، وبدلاً من أن نقول هذا له ونتصارح، وبدلاً من أن ندرك الخطر ونتعاون… نخلط ونذهب لنلتمس تمويهًا بأننا نتلطف مع الآخر لندعوه إلى الله، أو نخدمه لنكسب قلبه للدين، أو نعاتبه نصيحة في الحق، وكله في سبيل الله! وتحقيقاً لمعاني الأخوة! أليس الشريك الفعلي أولى بهذا كله؟!

أليست معاني الدعوة ينبغي أن تدار في العلن؟ وعلاقات الأخوة بين المؤمنين والمؤمنات مشروطة بكونها تجري جماعية ومجتمعية؟

هـ. لعبة التمرير: وقد يشعر الطرف الآخر بضعفنا، ويعرف أننا صيد ثمين يمكنه أن يمارس معنا ألعابه جميعًا من صدق وكذب وتقمص وخلط، وقد يشعر كل طرف بضعف الآخر واحتياجه لهذا النوع من العلاقة الإليكترونية، وبدلاً من أن يرحم ضعفه ويبتعد نراه يوغل ويضغط أكثر. المرأة التي تشعر بالوحدة هي صيد سهل مثل الرجل المفتقد للحب أو الاهتمام أو الدعم النفسي، يلتقيان في الفضاء الإليكتروني فيحكي هذا، ويروي ذاك، وبدلاً من أن يكون اللقاء لخير الناس، ووجه الله، يكون العمل كله من أجل إرضاء الطرف الأخر، وحرصًا على استمرار العلاقة وتطورها، ويكون الكلام كله مسددًا إلى قلب الطرف الآخر ومشاعره، إلى عقله وروحه بتركيز فيأسره أو بالأحرى قد يصرعه، فهل هذا هو مقصد الأخوة؟!

والألعاب التي تحدثت عنها وغيرها لا تخفى على الأذكياء، ولكنهم يمررونها ويتغافلون عن تفاصيلها تلك لتستمر الكلمات المتبادلة المليئة بالتشجيع والإعجاب، والأخوة “الزائفة”.

وأمام الذات يحدث نفس الشيء؛ فآليات التبرير والتمرير تفعل فعلها في تجاوز الإشارات الحمراء، ولافتات تجاوز السرعة، وتتكفل بإسكات صوت الضمير، أو تجاهل صيحات الواقفين على جانبي الطريق، ولا يسمع الإنسان عندئذ إلا صوت داخله المخمور بلذة التواصل، وحالة النشوة التي يعيشها تحت تأثير المخدر، وطعم الإشباع الكاذب المؤقت البديل عن الواقعي المفتقد، تنقلب أمام عينيه الحقائق، وتصيبه دفاعًا عن تصرفاته نوبة من جنون التبرير، ووهم القدرة والسيطرة فيهتف: “كل شيء تحت التحكم” يظن نفسه يدير التجربة باقتدار، بينما التجربة هي التي تديره فتقلبه وتعيده، وتخفضه وترفعه، وتلعب بمشاعره ومزاجه، وهو لا يرى هذا أو ذاك إنما يشعر بقوة غير عادية، وسيطرة زائدة عن الطبيعي، وهكذا تماماً يفعل الحشيش.

ولا يتسع المجال هنا لأصف ألعابًا أخرى إضافية، مثل: الإنكار والتخفي، والتصعيد، والانقطاع المؤقت، وخداع الذات، وغيرها مما يمكن استنتاج بعضه مما تقدم.

و. الهروب الكبير

– هل يمكن عزل كل ما تقدم عن اندفاع الأطراف المتورطة في مثل هذه الاتصالات إلى عملية هروب كبيرة من الواقع الذي يبدو لهم مقبضاً وقاحلاً إلى مساحات أخرى أو ملاذات تقدم لهم أملاً يقيهم من الوقوع في الجنون أو الاكتئاب؟!

– هل يمكن أن يرى الإنسان أمامه وعوداً بالنجاح، والتحقق، والتخلص من فشله الشخصي في هذه الناحية أو تلك، ويتركها ليبقى في واقعه بصدق ومسئولية رغم الآلام؟!

– هل يستطيع المدمن أن يستغني عن المخدر الذي يمنحه النشوة والسعادة، ولو لفترة محدودة، حتى لو كان يعود بعدها هائجًا يصرخ؟!

– هل الأسهل أن نستعيد الشريك الأصلي الحقيقي بكامله لنحصل على إشباع كلي، ولو بدرجة أقل من تلك التي يمنحنا إياها الشريك الإليكتروني بشكل زائف.. جزئي ومؤقت؟!

– هل من الأسهل أن نستكمل نقص قدراتنا ونفوسنا، ونتعلم مهارات جديدة نقترب بها من واقعنا ومن شركائنا فيه، أم الأسهل أن نعيد تسويق وتذويق بضاعتنا القديمة لزبائن جدد فنحصل منهم على بعض الثناء والحمد؟!

– هل من الأسهل أن نعترف بجهلنا وقصور معرفتنا بالشبكة وديناميات عملها في نفوسنا، وتأثيرها علينا وعلى حياتنا؟ أم الأسهل أن نظل سائرين في غي ادعاء السيطرة، وخلط ما هو هدف نافع ونبيل بما هو وسيلة ملتبسة وملغومة؟!

– هل الأسهل هو المقاومة بكل ما تحتاجه أم الهروب؟ ونحن نرى الكل يقفز من السفينة الغارقة، ولكننا بدلاً من الهروب إلى البحر مثلهم نقفز إلى الفضاء الإليكتروني؟!

– هل الأسهل أن ندخل في تحدي ما يواجهنا من مصاعب في سبيل تحقيق غاياتنا التي حددناها لأنفسنا سلفاً؟ أم الأسهل أن ندخل في مغامرة مزدوجة تحقق لنا بعض الانتعاش، وتكون مناسبة للكذب على النفس، ووصفها على غير حقيقتها؟!

– هل نقبل بالتراجع بعد التورط، أم نتوغل أكثر فأكثر في سماء غير واضحة المعالم مدفوعين بالخوف من الوحدة، والرغبة في اقتحام المجهول، والفضول لكشف خريطة الألغام في هذا الفضاء الإليكتروني، مغترين بأن أحدها لم ينفجر فينا بعد؟!

– هل نحن مستعدون لوقفة حقيقية مع الذات بصراحة وجسارة لنضع الأمور في نصابها، ونقوم بما ينبغي أن نقوم به تجاه أنفسنا وأحبائنا وشركائنا في الحياة، وتجاه أمتنا؟ أم أننا نفضل الحصول على حقنة المخدر والحلم الذي هو في حقيقته فردي وخادع؟!

– هل نحن مستعدون لاتهام أنفسنا ومراجعة المسافة والتفاصيل والمسار الماضي والحاضر لعلاقتنا بالله سبحانه، وبمن لهم حقوق علينا؟!

– هل نحن مستعدون للاعتراف بأننا في موقف لا نحسد عليه، وأن التحدي أكبر منا، وأن التغيير المطلوب في أنظمة حياتنا يتجاوز ما نظنه من رسالة نرسلها أو نستقبلها، وأكبر من مجرد الفرجة والدهشة، واللعب بهذه الأداة الجديدة؟!

– هل نحن مستعدون لتفهم أنفسنا وغيرنا حين يتورط أحدنا في ذلك فنأخذ بيديه ولا نعيره أو نجلده، ونعامله بالحسنى على أنه مجتهد أخطأ؟! دون أن يعني هذا تبريرًا لقصور أو تزويرًا لحق؟!

– هل نحن من القوة النفسية بمكان حتى نستوعب أن الألم الحقيقي خير من التحقق الكاذب؟! وأن الفشل ليس بالضرورة مقدمة لمصارع السوء، ولكنه مجرد مرحلة تمر بكل إنسان، وأن الوحدة حالة إنسانية واردة، وأن حلها لا يكون هكذا؟! وبالجملة هل نحن مستعدون لوقف هذه الموجات الهائلة من أكبر هجرة عرفتها الإنسانية من الواقع الفعلي إلى الواقع الافتراضي؟! ومن الوجود الإنساني بمسئولياته ومصاعبه الثقيلة إلى الوجود الإليكتروني الخفيف اللطيف المتخلص من كل شائبة وكدر؟!

– هل نحن مستعدون لتسمية الأشياء بأسمائها بدلاً من الانتحال والتضليل، والكذب على الذات، فنسمي الوحدة وحدة، والغربة غربة، والاحتياج إلى التقدير وغير ذلك كما هو في الحقيقة؟!

ثالثا: محددات النظر الفقهي للواقع الافتراضي..

وأقصر حديثي في هذا السياق على العلاقات الإنسانية التي تنشأ من خلال الواقع الافتراضي ولن يتطرق حديثي للعلاقات في المجال المالي أو مجال العقود المختلفة التي تنشأ مستخدمه وسيط الإنترنت وما يرتبط به من أدوات اتصال حديثه.

ويحسن أن أقرر بداية أن الفقه من خلال رصدي لمجموع الفتاوى التي نشأت في هذا المجال إجابة على الأسئلة والمسائل المثارة قد تعامل مع المسائل المختلفة من خلال استحضار عدد من القواعد والأحكام التي يتعامل بها في الواقع الحقيقي، وقد أسعفته هذه القواعد والأحكام في أحيان كثيرة، ولكن لم يراع بشكل كاف الفروق بين العالمين: الحقيقي والافتراضي، بل أنه لم يتنبه، بخلاف المحللين النفسيين والاجتماعيين، للخصائص النفسية والحيل الافتراضية التي يلجأ إليها المتعاملون في هذا الواقع الافتراضي التي أشرنا إليها في تقديم هذا البحث.

القاعدة الكلية التي يجب أن تحكم العلاقات التي تنشأ في هذا الواقع هي:

يحتاط للعبادات والعلاقات الإنسانية والاجتماعية التي تنشأ في الواقع الافتراضي ما لا يحتاط للأموال.

ويتفرع أو يرتبط بهذه القاعدة الكلية مجموعة من القواعد الفرعية أهمها:

1. أهمية اعتبار الواقع/النظر في الأحكام المتعلقة بالعلاقات الاجتماعية والإنسانية، فالعلاقات في الواقع الافتراضي ليست بديلاً عن الاجتماع الإنساني المباشر بين البشر، فالإنترنت قد يكون مقدمة للتعارف بين المخطوبين أو من خلال مواقع الزواج على الإنترنت إلا أنه لا يستغنى به عن النظر (اذهب فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما)، ولا يتم به الإخبار بالطلاق وإن تحقق الإثبات، ولا يجوز الاستغناء به عن خطبة الجمعة وإن عمت به الفائدة للمصلين.

2. العلاقة بين المؤمنين والمؤمنات من تواص بالصبر وتواص بالحق ومن تناصح ودعوة أو تآزر إنساني أو مولاة لأهل الإيمان ومعاداة لأعدائه، إنما تكون في العلن وضمن المجال العام الجماعي، ولا يجوز شرعاً أو منطقاً أن تكون غير ذلك، العلاقات في الواقع الافتراضي في أحيان كثيرة علاقة سرية أو يمكن أن تتحول كذلك بسهولة، وشخصية وفردية.

3. الوسيلة في أحيان قد لا تأخذ حكم المقاصد؛ فالوسيلة هنا الإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة وما تخلفه من واقع افتراضي، تكتسب خصائص مستقلة بذاتها قد تؤثر في الحكم على المقصد الذي يبتغى من استخدامها، فالمراسلة بين الجنسين عبر الإنترنت لا يرتبط الحكم عليها بمضمون الخطاب فقط بل تلعب الوسيلة دوراً في الحكم عليها. كما أن تعري الزوجة للزوج قد يجوز في الواقع الحقيقي، ولكن في الواقع الافتراضي قد يأخذ حكماً آخر.

أما القاعدة الثانية.. فهي تخص سلوك المكلفين في الواقع الافتراضي؛ فالهم بالسلوك، إيجاباً أو سلباً، هل يستوي وحكم فعل السلوك في الواقع المتخيل؟ أم أن كلاهما فعل؟ أم أن السلوكيات في الواقع المتخيل ليس لها قيمة إلا بمقدار ما تنشئة في الواقع الحقيقي؟

ما يحسن أن نؤكد عليه هو ضرورة اعتبار الإرادة المختارة التي يصدر عنها هذا السلوك في الحكم عليه جوازاً أو منعاً… فموضوع علم الفقه عندئذ يمتد ليشمل فعل المكلف في الواقع الحقيقي أو الافتراضي.

ويرتبط بهذه القاعدة ويتفرع عنها أنه في إطار العلاقة بين العالمين الحقيقي والمتخيل لا يجوز الاستغناء بالمتخيل عن الواقع؛ وهنا تأتي أهمية نظرية “المآل” في الحكم على السلوك، فالجنس الإلكتروني مقدمة للجنس الحقيقي، كما أن تأثير المتخيل في الواقع له أثر في الحكم على سلوك المكلف في الواقع ومن ثم فإن إنشاء موقع للتعريف والدعوة للإسلام يجوز إخراج الزكاة له، بخلاف من أنشأ مسجداً في العالم المتخيل Second Life، إلا إذا استخدم في أدوار ووظائف أخرى غير الصلاة والذكر.

 الهوامش


  1. http://en.wikipedia.org/wiki/Virtual_reality.
  2. http://www.hitl.washington.edu/projects/learning_center/pf/whatisvr.htm.
  3. www.fas.org/spp/military/docops/usaf/2020/app-v.htm.
  4. http://www-vrl.umich.edu/intro/index.html.
  5. http://www.rider.edu/~suler/psycyber/basicfeat.html.
  6. http://www-vrl.umich.edu/intro/index.html.
اظهر المزيد

د. هشام جعفر

رئيس تحرير شبكة إسلام أون لاين. نت
الموقع العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق