مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثغير مصنف

المُذهب في ضبط مسائل المَذهب

  ارتكز اهتمام المحققين على نشر كثير من المؤلفات الفقهية التي أبدعها فقهاء المذهب المالكي، وكان منها هذا المصنف الموسوم بـ «المُذهب في ضَبْط مسائل المَذهب» لمؤلفه الفقيه التونسي أبو عبد الله محمد بن راشد القَفْصِي (ت736هـ)، الذي اقتفى فيه أثر المنهج المالكي المصري في مجال التدوين الفقهي، وأبان بذلك عن غزارة علمه، وملكة فقهية كبيرة، وإلمام واسع بفروع المذهب، وتكمن أهمية الكتاب في جمعه واستيعابه لمسائل المذهب المالكي، واشتماله على فوائد فقهية تُقدم لنا نبذة عن عصر المؤلف، وهو ما جعل ابن مرزوق الخطيب يقول فيه: «ليس للمالكية مثله».

افتتح ابن راشد كتابه بمقدمة ذكر فيها باعثه على التأليف، إذ أفصح عن ذلك بقوله : «فوضعت هذا المجموع في علم الفروع لينتفع به المبتدئ، ويتذكر به المنتهي»، وبهذا يتضح أن المؤلف رحمه الله رام إفادة طلبة العلم المبتدئين والمشتغلين بالدرس الفقهي عامة، من خلال التدقيق في المسائل الفقهية وتوضيحها داخل أبوابها المعهودة.

 ولمزيد بيان قيمة هذا الكتاب فلا بد من الإشارة إلى مكانته اللائقة التي يحتلها بين دواوين المذهب، بالرغم من أن المطبوع منه يبين فقدان جزء من مادته، لاشتماله فقط على الأبواب الفقهية الآتية: العبادات كلها، والجهاد، والنذور، والأيْمان، والأضحية والعقيقة، والأطعمة والأشربة، وقد بين مؤلفه المنهج الذي سلكه في المقدمة بقوله: «نحوت فيه منحى ابن الحاجب في الاختصار، ولكن مع بسط ما في العبارة، وعزو كل قول رأيته معزوّاً لقائله، ليكون كتابي هذا كالشرح له…»، فهو بذلك يكون قد اقتفى منهج سابقيه من شيوخ المدرسة المصرية في مجال التدوين الفقهي؛ بتجنب الإيجاز المخلِّ، وعزو الأقوال إلى أصحابها كلما أمكن ذلك مع الإشارة إلى المشهور منها، كما أن من منهج المصنف رحمه الله العناية بشرح المصطلحات الفقهية، وبيان الفوائد الحاصلة من تطبيق الأحكام الشرعية، والحرص على تيسير فهم الخلاف الواقع في بعض المسائل والإشارة إلى دواعيه، ناسجاً كل ذلك بأسلوب علمي واضح ورصين يفهمه المتعلم المبتدئ والعالم المنتهي، مع وضوح عبارته وسلامة منهجه في حل معضلات المسائل وشرح مشكلاتها بما يصيرها سهلة الفهم .

وإذا بحثنا عن مصادره التي أعتمدها في كتابه فسنجد مصادر مهمة لأعلام المذهب المالكي، مع تفاوت درجة الاقتباس والنقل عنها حسب ما تقتضيه كل مسألة، فاعتمد في الدرجة الأولى على المدونة، تليها المؤلفات الفقهية التي تعتبر أمَّات كتب المذهب؛ كالواضحة لابن حبيب، والعُتبية لمحمد بن أحمد العُتبي، والمجموعة لابن عبدوس، والموازية لابن المواز، كما أفاد من كتب أخرى من أهم مصادر الفقه المالكي كالتلقين للقاضي عبد الوهاب البغدادي، والتفريع لابن الجلاب، والرسالة لابن أبي زيد القيرواني، ومختصر ابن الحاجب، والتنبيه لابن بشير، وغيرها.

وحظي كتاب المُذهب باهتمام كبير من قِبل من جاء بعد مؤلفه، ويؤكد ذلك كثرة النقول عنه في مظان متعددة، فنجد ثلة من العلماء حرصوا على النقل عنه واعتماده في تآليفهم، نذكر من بينهم: ابن فَرْحون (ت799هـ) في تبصرة الحكام، والوَنْشَريسي (914هـ) في المعيار، والحطاب الرُّعَيْني (ت954هـ) في مواهب الجليل، والخَرْشِي (ت1101هـ) في شرحه على خليل، والدَّسُوقِي (ت1230هـ) في حاشيته على الشرح الكبير، وغيرهم، وكل ذلك يدلّ على ذيوع الكتاب وانتشاره.

طبع الكتاب لأول مرة في جزأين بتحقيق د. محمد بن الهادي أبو الأجفان، عن المجمع الثقافي بأبوظبي (1423هـ/ 2002م)، ثم طبع ثانية بنفس التحقيق، عن دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى (1429هـ – 2008م).

الكتاب المُذهب في ضبط مسائل المَذهب.
المؤلف أبو عبد الله محمد بن راشد القفصي(ت736هـ).
مصادر ترجمته  الديباج المذهب (2/308-309)، درة الحجال (2/112)، نيل الابتهاج (392-395).
دار النشر الطبعة الأولى: 1429هـ/2008م – دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع.
الثناء على المؤلف قال أبو عبد الله بن مرزوق التلمساني: «…ليس للمالكية مثله».
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق