مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكشذور

المسالك التقريبية للمطالب الشرعية

يقول الإمام الشاطبي رحمه الله:
“ما يتوقف عليه معرفة المطلوب قد يكون له طريق تقريبى يليق بالجمهور، وقد يكون له طريق لا يليق بالجمهور وإن فرض تحقيقا.  

            فأما الأول: فهو المطلوب المنبه عليه، كما إذا طلب معنى الملك، فقيل: إنه خلق من خلق الله يتصرف فى أمره، أو معنى الإنسان فقيل: “إنه هذا الذي أنت من جنسه، أو معنى التخوف، فقيل هو التنقص، أو معنى الكوكب فقيل هذا الذي نشاهده بالليل، ونحو ذلك فيحصل فهم الخطاب مع هذا الفهم التقريبى حتى يمكن الامتثال.

         وعلى هذا وقع البيان فى الشريعة، كما قال عليه السلام: “الكبر بطر الحق وغمط الناس”[1]، ففسره بلازمه الظاهر لكل أحد، وكما تفسر ألفاظ القرآن والحديث بمرادفاتها لغة من حيث كانت أظهر في الفهم منها. وقد بين عليه السلام الصلاة والحج بفعله وقوله على ما يليق بالجمهور، وكذلك سائر الأمور. وهو عادة العرب، والشريعة عربية، ولأن الأمة أمية، فلا يليق بها من البيان إلا الأمي، وقد تبين هذا فى كتاب المقاصد مشروحا والحمد لله. فإذا التصورات المستعملة فى الشرع إنما هى تقريبات بالألفاظ المترادفة وما قام مقامها من البيانات القريبة.

           وأما الثاني: وهو ما لا يليق بالجمهور، فعدم مناسبته للجمهور أخرجه عن اعتبار الشرع له، لأن مسالكه صعبة المرام، وما جعل عليكم فى الدين من حرج، كما إذا طلب معنى الملك، فأحيل به على معنى أغمض منه وهو: “ماهية مجردة عن المادة أصلا”، أو يقال: “جوهر بسيط ذو نهاية ونطق عقلي”، أو طلب معنى الإنسان فقيل: “هو الحيوان الناطق المائت”، أو يقال: ما الكوكب؟ فيجاب بأنه: جسم بسيط، كُرِيٌّ، مكانه الطبيعي نفس الفلك، من شأنه أن ينير، متحرك على الوسط، غير مشتمل عليه”، أو سئل عن المكان، فيقال: “هو السطح الباطن من الجرم الحاوي المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوي”، وما أشبه ذلك من الأمور التى لا تعرفها العرب، ولا يوصل إليها إلا بعد قطع أزمنة في طلب تلك المعاني. ومعلوم أن الشارع لم يقصد إلى هذا ولا كلف به.

           وأيضا فإن هذا تسور على طلب معرفة ماهيات الأشياء، وقد اعترف أصحابه بصعوبته، بل قد نقل بعضهم أنه عندهم متعذر، وأنهم أوجبوا أن لا يعرف شيء من الأشياء على حقيقته، إذ الجواهر لها فصول مجهولة والجواهر عرفت بأمور سلبية، فإن الذاتي الخاص إن علم في غير هذه الماهية لم يكن خاصا، وإن لم يعلم فكان غير ظاهر للحس فهو مجهول، فإن عرف ذلك الخاص بغير ما يخصه فليس بتعريف، والخاص به كالخاص المذكور أولا، فلا بد من الرجوع إلى أمور محسوسة، أو ظاهرة من طريق أخرى، وذلك لا يفي بتعريف الماهيات، هذا في الجوهر. وأما العرض فإنما يعرف باللوازم، إذ لم يقدر أصحاب هذا العلم على تعريفه بغير ذلك. وأيضا ما ذكر في الجواهر أو غيرها من الذاتيات لا يقوم البرهان على أن ليس ذاتي سواها، وللمنازع أن يطالب بذلك. وليس للحاد أن يقول: لو كان ثم وصف آخر لاطلعت عليه، إذ كثير من الصفات غير ظاهرة. ولا يقال أيضا: لو كان ثم ذاتي آخر ما عرفت الماهية دونه. لأنا نقول: إنما تعرف الحقيقة إذا عرف جميع ذاتياتها، فإذا جاز أن يكون ثم ذاتي لم يعرف حصل الشك في معرفة الماهية.

            فظهر أن الحدود على ما شرطه أرباب الحدود يتعذر الإيتان بها، ومثل هذا لا يجعل من العلوم الشرعية التي يستعان بها فيها. وهذا المعنى تقرر: وهو أن ماهيات الأشياء لا يعرفها على الحقيقة إلا باريها، فتسور الإنسان على معرفتها رمي في عَماية. هذا كله في التصور”.

      “وأما التصديق فالذي يليق منه بالجمهور ما كانت مقدمات الدليل فيه ضرورية أو قريبة من الضرورية (…)، فإذا كان كذلك فهو الذي ثبت طلبه في الشريعة، وهو الذي نبه القرآن على أمثاله كقوله تعالى: (أفمن يخلق كمن لا يخلق)] النحل: 17 ، وقوله تعالى: ( قل يحييها الذي أنشأها أول مرة)[يس:79] إلى آخرها، وقوله تعالى: (الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء)[الروم:40] وقوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)[الأنبياء:22]، وقوله تعالى: (أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون)[الواقعة:59]، وهذا إذا احتيج إلى الدليل في التصديق، وإلا فتقرير الحكم كاف.

           وعلى هذا النحو مر السلف الصالح في بث الشريعة للمؤالف والمخالف، ومن نظر في استدلالهم على إثبات الأحكام التكليفية، علم أنهم قصدوا أيسر الطرق وأقربها إلى عقول الطالبين، لكن من غير ترتيب متكلف، ولا نظم مؤلف بل كانوا يرمون بالكلام على عواهنه، ولا يبالون كيف وقع في ترتيبه، إذا كان قريب المأخذ سهل الملتمس. هذا وإن كان راجعا إلى نظم الأقدمين في التحصيل، فمن حيث كانوا يتحرون إيصال المقصود، لا من حيث احتذاء من تقدمهم.
وأما إذا كان الطريق مرتبا على قياسات مركبة أو غير مركبة، إلا أن في إيصالها إلى المطلوب بعض التوقف للعقل، فليس هذا الطريق بشرعي ولا تجده في القرآن، ولا في السنة، ولا في كلام السلف الصالح، فإن ذلك متلفة للعقل ومحارة له قبل بلوغ المقصود، وهو بخلاف وضع التعليم، ولأن المطالب الشرعية إنما هي – في عامة الأمر –  وقتية، فاللائق بها ما كان في الفهم وقتيا، فلو وضع النظر في الدليل غير وقتي لكان مناقضا لهذه المطالب وهو غير صحيح. وأيضا فإن الإدراكات ليست على فن واحد، ولا هي جارية على التساوي في كل مطلب إلا في الضروريات وما قاربها، فإنها لا تفاوت فيها يعتد به. فلو وضعت الأدلة على غير ذلك لتعذر هذا المطلب، ولكان التكليف خاصا لا عاما أو أدى إلى تكليف ما لا يطاق أو ما فيه حرج، وكلاهما منتف عن الشريعة”.

الموافقات في أصول الشريعة

 للإمام أبي اسحاق الشاطبي المالكي (ت 790).

 1/38-40.
تحقيق فضيلة الشيخ عبد الله دراز
دار الكتب العلمية بيروت.                                    
 

 


[1]  –  رواه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان باب باب تحريم الكبر وبيانه.الحديث رقم : 275  بلفظ:” حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار وإبراهيم بن دينار جميعا عن يحيى بن حماد، قال ابن المثنى: حدثنى يحيى بن حماد، أخبرنا شعبة عن أبان بن تغلب عن فضيل الفقيمى عن إبراهيم النخعى عن علقمة عن عبد الله بن مسعود عن النبى  صلى الله عليه وسلم قال: “لا يدخل الجنة من كان فى قلبه مثقال ذرة من كبر”، قال رجل إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة، قال: “إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق