مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثشذور

المذاهب الفقهية الأربعة ليست متباعدة

يقول الإمام محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي(ت 1376هـ):

زعم بعض الفرنج أن ـ المذاهب الفقهية ـ متباعدة كتباعد فِرَق النَّصارى والكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس، وكتباعد الفرق اليهودية النسطورية والسامرية ونحوها، وهذا ضلال مبين يراد به التضليل، فإن فِرَق النَّصارى يكفر بعضهم بعضا، ولا يعده من النصرانية في شيء، ولا يقتدى به حتى إنه لا يصلي هذا في كنيسة ذاك وكذلك فرق اليهود، وكم وقعت بينهم من معارك وَسَالَتْ من دِمَاء.

أما مذاهبنا، فليست كذلك بل يقتدي بعضهم ببعض، ويعتبر كل واحد أخاه مسلما، نعم يعتقد أنه مخطئ في بعض من المسائل غير معين على القوم بعدم تصويب المجتهدين، أما على القول به، فالكل على صواب في كل المسائل، وليس البَوْنُ بينهم بعيدا، إذ لم يكن بينهم خلاف في العقائد وإنما هو خلاف ثانوي في الفروع فقط التي هي محل الاجتهاد يأخذ فيها كل واحد بما قام عليه الدليل عنده للاكتفاء في أدلتها بالظنيات، ولذلك كان كل واحد من الأئمة يجل الآخر، فقد أخذ أبو حنيفة عن مالك، كما أخذ مالك عنه وأخذ الشافعي عن مالك، وقال فيه: جعلته حجة بيني وبين ربي، وأخذ ابن حنبل عن الشافعي، وأثنى بعضهم على بعض علما ودينا، وهكذا كان جِلَّةُ أصحابهم بعضهم مع بعض، ولم يقع بينهم الخلاف في كل فرع، بل في بعض الفروع التي قامت لكل حجة على رأيه.

وقد اتفقوا في مسائل كثيرة، فمنها ما وقع عليه إجماع الأمة معهم ومنها ما خالفهم فيها غيرهم وتلك المسائل التي فيها الاتفاق لا تنسب إلى واحد منهم، فلا يقال في نحو وجوب الزكاة، أو جواز القِرَاض: إنه مذهب مالك والشافعي مثلا، فالسمع يمج ذلك، فلا يضاف لكل واحد منهم إلا ما اختص به، كما نصّ عليه العلماء، ولذلك كان توحيد هذه المذاهب في هذه العصور صعبا أولا، لأن كلا له حجة، وكل أهل مذهب يمكنهم أن يصححوها ولا يلتفتوا لما يقول غيرهم من ضعفاء.

المصدر: كتاب«الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي» لمحمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي(ت 1376هـ)،(2/715-716). الناشر: المكتبة العصرية- بيروت، الطبعة الأولى: 2006م-1427هـ.

 

انتقاء: ذ. عبد الكريم بومركود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق