مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثغير مصنف

المختصر الكبير

يُعد كتاب «المختصر الكبير» لأبي محمد عبد الله بن عبد الحكم بن أَعْيُن المصـري المالكي (تـ214هـ) من أهم كتب المتون الفقهية في المدرسة المالكية عموماً والمصـرية على وجه الخصوص. ومصنّفُهُ رحمه الله كان إماما، فقيهاً، ثقة، متحقِّقاً بمذهب مالك، ولد سنة (150هـ)، وقيل (155هـ)، وسمع من مالك الموطأ وغيره، كما روى عن تلامذة الإمام مالك؛ من أمثال: ابن القاسم، وأشهب، وابن وهب، وإليه أَفْضَتِ رئاسة الفقهاء بمصر بعد أشهب، صنَّفَ المختصر الكبير، والأوسط، والصغير، وله أيضاً فضائل عمر بن عبد العزيز، وغير ذلك، وكانت وفاته رحمه الله على إثر محنة جَرَت عليه لم يكن له فيها ذنب عام (214هـ)، وقيل: (213هـ) وهو ابن ستِّين سنة.

وكتابه «المختصر الكبير» ـ وهو أشهر كُتُبه وأعظمها ـ تدوينٌ لمسائل الفقه المروية عن الإمام مالك رحمه الله على وجه الاختصار والتهذيب، عَمَد فيه مصنّفه ـ كما قال عياض ـ إلى اختصار كُتب وأسمعة أشهب، وصار معتمد فقهاء المالكية لاسيَّمَا في بغداد، قال عياض: «وعلى هذين الكتابين ـ أي المختصرين الكبير والصغير ـ مع غيرهما مُعَوَّلُ المالكيين من البغداديين في المُدارسة، وإيّاهما شرح أبو بكر الأبهري وغير واحد من العراقيين وأهل المشرق»، وقال ابن ناجي: «أهل بغداد اعتنوا بمختصر ابن عبد الحكم أكثر من غيره، فهم إذا وجدوا في مسألة قولين لمن ذُكِر قدّموا قول ابن عبد الحكم».

وقد رتَّب ابن عبد الحكم مادة كتابه على الترتيب الفقهي المعتبر عند الفقهاء، وجعل تحت كلِّ كتاب أبواباً فقهية تُفَصِّلُ مَباحثه، ولم يُفصح عن مصادره فيه، إلاّ أننا قدّمنا في كلام القاضي عياض ما يفيد اعتماد ابن عبد الحكم على كتب شيخه أشهب وأسمعته في تحرير مادة مختصره الكبير. كما نجدُ اعتماد فقهاء المذاهب على المختصر الكبير في تقرير مذهب مالك واضحاً وجلياً في مصنّفاتهم، ونجدُه أيضاً مُعتمد  الأئمة المالكية في مصنّفاتهم، يقول ابن عبد البر: «ثلاثة كُتبٍ مختصرة في معناها أُوثرها وأُفضِّلُها: مصنَّف أبي عيسى الترمذي في السنن، والأحكام في القرآن لابن بُكير، ومُختصر ابن عبد الحكم».

وقد لقي «المختصر الكبير» عناية فائقة من لدُن الفقهاء شرحاً واستدراكاً؛ فصنَّف ابن شعبان القرطبي (تـ355هـ) كتاب «مختصر ما ليس في المختصر»، استدرك فيه ما فات ابن عبد الحكم في مختصره، وألّف أبو جعفر الأبهري الصغير (تـ365هـ) شرحاً كبيراً عليه سماه من ترجمه: «تعليقٌ على المختصر الكبير» في مائتي جزء، وشرح الكتاب أيضاً أبو بكر الأبهريّ (تـ375هـ).

وللأسف فكتاب «المختصر الكبير» لم يصلنا كاملا، ووصلت منه قطع متفرقة في الخزائن تتضمن عددا من الأبواب الفقهية، وتلتقي مع بعضها دون أن تُتَمِّمَ إحداهما الأخرى، وقد تصدّى لجمع ما توفر من نسخه والعناية بها الدكتور أحمد بن عبد الكريم نجيب، فنشـره بمركزه بالقاهرة سنة 1432هـ، وصدَّره بتقديم عن المؤلف وكِتَابه، وألحق به ملحقاً ضمنه ما نسبه ابن أبي زيد القيرواني في نوادره إلى أبي محمد ابن عبد الحكم.

كتاب: المختصر الكبير.

تأليف: أبو محمد عبد الله بن عبد الحكم القُرَشي المصري المالكي (تـ214).

تحقيق:أحمد بن عبد الكريم نجيب.

نشـر: مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث، القاهرة، الطبعة الأولى 1432هـ/2011م.

مصادر ترجمة المؤلف: الجرح والتعديل (5/106)، طبقات الفقهاء للشيرازي (ص151)، ترتيب المدارك (3/363-368).

 

إعداد: ذ.نور الدين شوبد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق