مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثغير مصنف

(المختصر الفقهي لابن عرفة (باب الطهارة والصلاة

يعتبر هذا المختصر الفقهي، الذي حُقق منه (باب الطهارة والصلاة)، من أهم المصنفات التي خلفها الإمام الأعلم الصالح القدوة الفهامة أبو عبد الله محمد بن محمد بن حماد بن عرفة الورغمِّي التونسي (ت803هـ)، فهو مختصر مبسوط لخص فيه مجمل الأقوال المتفرقة في المسألة الفقهية الواحدة، ورام به مؤلفه إفادة أهل الاختصاص، وأن يكون مصدرا للباحثين المدققين، وقد أشار إلى ذلك في مقدمة الكتاب بقوله: «فهذا مختصر في الفقه المالكي قصدت به جمع ما يحصل بهدي الله وتحصيله ذكر مسائل المذهب نصاً وقياساً… سالكا في ذلك وسط الإيجاز والاختصار، حرصاً على سرعة الفهم والاستبصار…».

 ولمزيد بيان قيمة هذا المختصر الفقهي لا بد من الإشارة إلى مكانته اللائقة التي يحتلها بين دواوين المذهب من خلال دقة المنهج الذي سلكه فيه مؤلفه، حيث بنى أسلوبه على الإيجاز والاختصار، مع بسط العبارة أحياناً وتسهيلها لكي يفهمه المتعلم المبتدئ والعالم المنتهي.

وعموما يمتاز منهجه بثلاث سمات أساسية؛ أولها: التوسع في نقل الآراء، وثانيها: تحري الدقة في التوثيق بذكر المصادر ونسبة الأقوال لأصحابها، وثالثها: جودة الترجيح.

وكثيراً ما يشحن ابن عرفة العبارة بالآراء المختلفة، بنقله آراء كثيرة مشهورة وأحيانا مهجورة في بعض المسائل، إلاَّ أنه لا يتوسع في عرضها مجردة عن أدلتها وتعليلاتها، أما التوثيق والتحري في النقل فقد بلغ فيه المؤلف شأواً عظيماً.

ومن دقة منهجه كذلك اعتماده على الموازنة والترجيح بين الآراء، فكثيراً ما يرجح الآراء التي يختارها بقواعد أصولية أو مضامين أصلية تفرعت عنها تلك الآراء، أو دلالات نصية شرعية، أو مقولات عن أئمة المذهب، فهو لا يقتصـر على جمع أقوال أتباع المدرسة المالكية، بل يورد في بعض المواضع أقوالاً عن أتباع المدارس الفقهية الأخرى كالشافعية والحنفية وغيرها، ويتسم الأسلوب الذي اعتمده ابن عرفة في نسج مباحث هذا المختصر بتوظيف أسلوب المنطق عند تحليل ونقد بعض الآراء الفقهية، كما أن شدة الاختصار زادت في التباس بعض مسائل مختصره، مما قد يوقع القارئ في كثير من الغموض الذي قد يلزمه بذل جهد مضنٍ في حله، فمن أمثلة عسر أسلوبه بسبب امتزاج المنطق بشدة الاختصار قوله في نجاسة جزء من الثوب: «وبول ذي السلس لا يفسد ثوبه وهو الأخص، فيصدق الأعم وهو الثوب، ورد بأن مراده من حيث نوعه وبأن الأخص إنما يستلزم إن كان مثبتاً أو نفياً أما منفياً فلا».

والمطالع للكتاب يجد أن مواده الفقهية مستقاة من أمهات كتب المذهب، ويبدو ذلك من خلال تصريح ابن عرفة بأسماء بعض هذه المصادر منها: الموطأ لإمام المذهب مالك بن أنس (ت179هـ)، والمدونة لسحنون (ت240هـ)، والواضحة لعبد الملك بن حبيب (ت238)، والنوادر والزيادات لابن أبي زيد (ت386هـ)، والبيان والتحصيل لابن رشد (ت520هـ)، وقواعد القاضي عياض (ت544هـ)،  وغيرها من كتب المذهب المعتمدة.

وحظي هذا الكتاب باهتمام الفقهاء عموماً والمغاربة منهم بصفة خاصة، فقد أثنى الونشريسي على ابن عرفة في معياره في معرض مسألة تزويج السلطان: «…وتبعهم على ذلك رأس الحفاظ في زمانه ومكانه الشيخ أبو عبد الله بن عرفة فقال في مختصـره…»، ومن تجلِّيات هذا الاهتمام أيضاً حرص ثلة من العلماء على النقل عنه واعتماده في تآليفهم، نذكر من بينهم: أبا عبد الله محمد بن عمر بن الفتوح التلمساني(ت818هـ) في مختصـره، والوَنْشَريسي (914هـ) في المعيار، وابن غازي المكناسي (ت919هـ) في شفاء الغليل في حل مقفل خليل، والحطاب الرُّعَيْني (ت954هـ) في مواهب الجليل، وأبا الحسن علي بن عبد السلام بن علي التُّسُولي (ت1258هـ) في البهجة في شرح التحفة… وغيرهم، وكل ذلك يدلّ على ذيوع الكتاب وانتشاره.

ومن تجليات أهمية هذا الكتاب أيضاً اهتمام العلماء المالكية وعنايتهم به، فقد شرح بعض غوامضه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن غازي المكناسي (ت919هـ) في كتاب ضمه تقييد أبي الحسن الصغير في الفقه سماه: «إتحاف ذوي الذكاء والمعرفة بتكميل تقييد أبي الحسن وتحليل تعقيد ابن عرفة»، ولعيسى بن علال الكتامي المصمودي الفاسي (ت823هـ) تعليق على مختصر ابن عرفة يشرح بعض مبهماته.

طبع الجزء الأول من الكتاب (باب الطهارة والصلاة) بتحقيق الدكتور سعيد سالم فاندي، والدكتور حسن مسعود الطوير، عن دار المدار الإسلامي ـ بيروت ـ لبنان، الطبعة الأولى 2003م.

الكتاب:  المختصر الفقهي (باب الطهارة والصلاة).
المؤلف:   أبو عبد الله محمد بن محمد بن حماد بن عرفة (ت803هـ).
دار النشر: دار المدار الإسلامي ـ بيروت ـ لبنان. 
قال التنبكتي في نيل الابتهاج:                          «… ألف تآليفه العجيبة كمختصره الفقهي لم يسبق به في تهذيبه وجمعه …».
من مصادر ترجمته:  برنامج المجاري (138-147)، الديباج المذهب (2/311-313)، الضوء اللامع (9/240-242)، توشيح الديباج (251-255)،  نيل الابتهاج (463-471).

إعداد: ذ.محمد فوزار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق