مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثشذور

الفرق بين قاعدة حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين

يقول الإمام أبو العباس أحمد بن إدريس القرافي المالكي (ت 684 هـ) في الفرق الثاني والعشرون من كتابه الفروق:
«فحق الله أمره ونهيه، وحق العبد مصالحه، والتكاليف على ثلاثة أقسام: حق الله تعالى فقط: كالإيمان، وتحريم الكفر. وحق العباد فقط: كالديون، والأثمان.
وقسم اختلف فيه هل يغلب فيه حق الله أو حق العبد؛ كحد القدف.

ونعني بحق العبد المحض أنه لو أسقطه لسقط، وإلا فما من حق للعبد إلا وفيه حق لله تعالى، وهو أمره بإيصال ذلك الحق إلى مستحقه، فيوجد حق الله تعالى دون حق العبد، ولا يوجد حق العبد إلا وفيه حق الله تعالى، وإنما يعرف ذلك بصحة الإسقاط، فكل ما للعبد إسقاطه فهو الذي نعني به حق العبد، وكل ما ليس له إسقاطه فهو الذي نعني بأنه حق الله تعالى.

وقد يوجد حق الله تعالى وهو ما ليس للعبد إسقاطه، ويكون معه حق العبد، كتحريمه تعالى لعقود الربا، والغرر، والجهالات، فإن الله تعالى إنما حرمها صوناً لمال العبد عليه، وصوناً له عن الضياع بعقود الغرر والجهل، فلا يحصل المعقود عليه، أو يحصل دنيا ونزرا حقيرا فيضيع المال، فحجر الرب تعالى برحمته على عبده في تضييع ماله الذي هو عونه على أمر دنياه وآخرته، ولو رضي العبد بإسقاط حقه في ذلك لم يؤثر رضاه، وكذلك حجر الرب تعالى على العبد في إلقاء ماله في البحر، وتضييعه من غير مصلحة، ولو رضي العبد بذلك لم يعتبر رضاه.

وكذلك تحريمه تعالى المسكرات صونا لمصلحة عقل العبد عليه، وحرم السرقة صونا لماله، والزنا صونا لنسبه، والقذف صونا لعرضه، والقتل والجرح صونا لمهجته وأعضائه ومنافعها عليه، ولو رضي العبد بإسقاط حقه من ذلك لم يعتبر رضاه، ولم ينفذ إسقاطه.

فهذه كلها وما يلحق بها من نظائرها مما هو مشتمل على مصالح العباد حق الله تعالى؛ لأنها لا تسقط بالإسقاط، وهي مشتملة على حقوق العباد لما فيها من مصالحهم ودرء مفاسدهم، وأكثر الشريعة من هذا النوع: كالرضى بولاية الفسقة، وشهادة الأراذل ونحوها.

فتأمل ذلك بما ذكرته لك من النظائر تجده، فحجر الرب تعالى على العبد في هذه المواطن لُطفاً به ورحمة له سبحانه وتعالى.

تنبيه: ما تقدم من أن حق الله تعالى أمره ونهيه مشكل بما في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:«حق الله تعالى علىالعباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا»، فيقتضي أن حق الله تعالى على العباد نفس الفعل لا الأمر به، وهو خلاف ما نقلته قبل هذا.
والظاهر أن الحديث مؤول، وأنه من باب إطلاق الأمر على متعلقه الذي هو الفعل.

وبالجملة فظاهره معارض لما حرره العلماء من حق الله تعالى، ولا يفهم من قولنا الصلاة حق الله تعالى إلا أمره بها؛ إذ لو فرضنا أنه غير مأمور بها لم يصدق أنها حق الله تعالى، فنجزم بأن الحق هو نفس الأمر لا الفعل، وما وقع من ذلك مؤول.

كتاب الفروق، للإمام أبي العباس أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي المالكي (ت 684 هـ)، عالم الكتب، بيروت: (2/140-142).

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق