مركز عقبة بن نافع للدراسات والأبحاث حول الصحابة والتابعينشذور

الصَّحَابَةُ رضي الله عنهم فــي كُتب الرّحلات الأندلسية والمغربية 1

 

 

 

• بقلم : ذ. رشيد العفاقي

بسم اللّه الرّحمن الرحيم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد: فقد كان المغاربة والأندلسيون يرفعون صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ورضوان الله عليهم، وآل بيته الكرام، إلى مكانة سامية، ومرتبة عالية، وعلى قَدْرٍ مُتَسَاوٍ من الحُبِّ والتَّعْظِيم، أي أنهم كانوا يقفون منهما على مسافة واحدة، لا يُفَضِّلُون طرفا على آخر، ومن يصرف نظره إلى كُتب التاريخ والتراجم والآداب الأندلسية فإنه لَا شَكَّ واجدٌ فيها نُصُوصاً كثيرة تَدُلُّ على ذلك التَّسَاوِي في الحُبِّ والتَّعْظِيم، ولعلّ أحسن تلك النصوص هي هذه الأبيات الشِّعرية لأبي الحُسين بن جُبير الرّحَّالة الأندلسي المشهور، يقول فيها :

أُحِبُّ النَّبِيَّ المُصْطَفَى وَابْنَ عَمِّهِ**عَلِيّاً وَسِبْطَيْهِ وَفَاطِمَةَ الزَّهْرَا

هُمُ أَهْلُ بيتٍ أُذْهِبَ الرِّجْسُ عَنْهُمُ** وأَطْلَعَهُمْ أُفْقُ الهُدَى أَنْجُماً زُهْرَا

مُوَالَاتُهُمْ فَرْضٌ عَلَى كُلّ مُسْلمٍ** وحُبُّهُمُ أَسْنَى الذَّخَائِرِ لِلْأُخْرَى

ومَا أَنَا لِلصَّحْبِ الكِرَامِ بِمُبْغِضٍ** فَإِنِّي أَرَى البَغْضَاءَ فِي حَقِّهِمْ كُفْرَا

هُمْ جَاهَدُوا فِي الله حَقَّ جِهَادِهِ** وَهُمْ نَصَرُوا دِينَ الهُدَى بالظُّبَى([1])

عَلَيْهِم سَلَامُ الله مَا دَامَ ذِكْرُهُم** لَدَى المَلَإِ الأَعْلَى وأَكْرِمْ بِهِ ذِكْرَا([2])

 

وعلى النّهج ذاته سار أهل المغرب وعلماءه، فقد كانوا يُعَظِّمُون الصّحابة رضوان الله عليهم، ويبغضون من يطعن فيهم، ومما قد يكون مثالا على ذلك ما نجده في كتب رحّاليهم إلى المشرق، فلم تكن تتح لهم مناسبة الوقوف على قبورهم ومزاراتهم وأضرحتهم حتى يبدؤون بالتعبير عن ذلك الحب والتعظيم، أو المنافحة عنهم ضد من أساء القول فيهم رضوان الله عليهم أجمعين، ولما كان هذا الأمر بارزا في مُدوّناتهم الرّحلية فإنّنا توجّهنا إلى عدد من نُصُوص الرّحلات الأندلسية والمغربية، وعملنا على استخراج الشّواهد التي تظهر تعلق الرّحالين المغاربة بالصّحابة رضوان الله عليهم، وتفانيهم في محبتهم، ولَمّا كانت مواطن الصّحابة الكرام موجودة في مصر والشّام والعراق وفي غيرها من بلاد الشرق العربي، فقد حرصنا على تتبّع ما ذكره الرّحالون الأندلسيون والمغاربة حول مقاماتهم وآثارهم في تلك البلاد، وقد قضى تصميم البحث أن يأتي بعد هذه المقدمة في ثلاثة فصول :

1- آثار الصّحابة الكرام في مكّة المكرمة.

2- آثار الصّحابة الكرام في المدينة المنورة.

3- آثار الصّحابة الكرام في مصر والشام والعراق وليبيا واليمن وتركيا.

تلي هذه الفصول خاتمة وضعنا فيها مُلخّصا لمضامين الكتاب.

*****************************

الفصل الأوّل :

آثار الصّحابة في مَكّة المُكَرّمَة

من خلال كتب الرّحلات الأندلسية والمغربية (1)

كانت مكّة المكرمة ملتقى عدد كبير من المسلمين الذين استطاعوا إلى الحج سبيلا، يجتمعون بها، ويؤدون مناسكهم، ويقضون تفثهم، ثم ينصرفون إلى زيارة معالم البلد الأمين، وقد كانت نفوس المغاربة والأندلسيين إذ تحل بهذه البلدة المقدّسة ترتاح لها، وتجد فيها طمأنينة وراحة بعد عناء وضنك لقيتها في الطريق إليها، ولعل خير من يُعبر عن هذا الشعور هو أبو عبد الله بن بطوطة الذي زار مكة المكرمة عام 726هـ، فقد أنه ما أن أدلج بواديها حتى استبشرت نفسه ببلوغ آمالها، وسُرّت بحالها ومآلها، وقال: «ومن عجائب صنع الله تعالى أنه طبع القلوب على النزوع إلى هذه المشاهد المنيفة، والشوق إلى المثول بمعاهدها الشريفة، وجعل حُبّها متمكناً في القلوب، فلا يحلها أحد إلا أخذت بمجاميع قلبه، ولا يفارقها إلا أسفاً لفراقها، متولهاً لبعاده عنها، شديد الحنين إليها، ناوياً لتكرار الوفادة عليها، فأرضها المباركة نصب الأعين، ومحبتها حشو القلوب. حمكة من الله بالغة، وتصديقاً لدعوة خليله عليه السلام»([3]).

ومن أبرز المواضع التي كان يقصدها الحاج المغربي والأندلسي مقبرة باب المعلى: لقد ضمت هذه المقبرة رفات عدد من الصحابة رضوان الله عليهم، وقد وصل ابن جبير إلى مكّة المكرمة عام 581هـ، وخصّ الحرم المكي والبلد الأمين بوصف مطوّل، وضمن ذلك يرد ذكر لمراقد الصحابة رضي الله عنهم، فقد تكلم على أبواب مكة المكرمة، قال إنّ لها «ثلاثة أبواب: أولها باب المعلى، ومنه يخرج الجبانة المباركة، وهي بالموضع الذي يعرف بالحجون»([4])، وبعد أن أتى بما أُنشد حول هذا الموضع، رجع للكلام على الجبانة المذكورة، فقال:

«وبالجبانة المذكورة مدفن جماعة من الصحابة والتابعين والأولياء والصالحين قد دثرت مشاهدهم المباركة وذهبت عن أهل البلد أسماؤهم. وفيه الموضع الذي صلب فيه الحجاج بن يوسف، جازاه الله، جثة عبد الله بن الزبير، رضي الله عنهما. وعلى الموضع بقية علم ظاهر اليوم، وكان عليه مبنى مرتفع، فهدمه أهل الطائف غيرة منهم على ما كان يجدد من لعنة صاحبهم الحجاج المذكور. وعن يمينك، اذا استقبلت الجبانة المذكورة، مسجد في مسيل بين جبلين، يقال إنه المسجد الذي بايعت فيه الجن([5]) النبي، صلى الله عليه وسلم، وشرف وكرم»([6]).

ومثل صنيع ابن جبير، لم تفت ابن بطوطة الإشارة إلى المدفونين بمقبرة مكة المسماة بالمعلاة، فقال: «ذكر الجبانة المباركة وجبانة مكة خارجة باب المعلّى، ويعرف ذلك الموضع بالحجون وإياه عنى الحارث ابن مضاض الجرهمي بقوله:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا** أنيسٌ ولم يسمر بمكة سامر

بلى نحن كنا أهلها فأبادنا** صروف الليالي والجدود العواثر

وبهذه الجبانة مدفن الجم الغفير من الصحابة والتابعين والعلماء والصالحين والأولياء، إلا أن مشاهدهم دثرت، وذهب عن أهل مكّة علمها فلا يعرف منها إلا القليل، فمن المعروف منها قبر أم المؤمنين، ووزير سيد المرسلين خديجة بنت خويلد أم أولاد النبي صلى الله عليه وسلم، كلهم ما عدا إبراهيم، وجدة السبطين الكريمين صلوات الله وسلامه على النبي صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين. وبمقربة منه قبر الخليفة أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس رضي الله عنهم أجمعين، وفيها الموضع الذي صلب فيه عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما»([7]).

وبعد ابن بطوطة بأعوام حلّ أبو البقاء خالد البلوي الأندلسي بمكة بعد ابن بطوطة، وأدى مناسك الحج، ثم زار مشاهد البلد الأمين، فمن جملة ما زاره مقبرة المعلاة، وذكر أنّ مكة المكرمة لها ثلاثة أبواب، وأوّلها باب المعلى، ومنه يخرج إلى الجبانة المباركة، وهي بالموضع الذي يعرف بالحجون، قال:

«وبهذه الجبانة المباركة مدفن جماعة من الصحابة والتابعين، والأولياء والصالحين رضوان الله عليهم أجمعين ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا وقال عليه السلام الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينتشران في الجنة ووقف عليه السلام على ثنيه الحجون وليس بها يومئذ مقبرة فقال يبعث الله تعالى من هذه البقعة ومن هذا الحرم يوم القيامة سبعين ألفا فيدخلون الجنة بغير حساب. يشفع كل واحد منهم في سبعين الفا وجوههم كالقمر ليلة البدر»([8]).

——————————————————————————————-

 ([1]) الظبى جمع ظبّة، وهي حدّ السيف ( لسان العرب، مادة (ظبا) )

 وفي حديث علي رضي الله عنه في صفين : “نافحوا بالظبى”، أي قاتلوا بالسيوف. ( لسان العرب، مادة (نفح))

ظبة السيف: طرفه وحدّه. (شرح نهج البلاغة، ص.66)

([2]) المقري، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، ج.2 ، ص.493

([3]) رحلة ابن بطوطة، ج.1 ، ص.97

([4]) رحلة ابن جبير، ص.120

([5]) وللأستاذ طارق الحمودي رسالة عنوانها: إظهار الغرابة بذكر الجن من الصحابة. (مخطوط) .

([6])  رحلة ابن جبير ، ص.121

([7])  رحلة ابن بطوطة، ج.1 ، ص.100

([8])  تاج المفرق، ص.77

women who cheat on their husbands cheat why husband cheat on their wife
online open online
online cheat on husband link
cheat women open open
read online wives who cheat on husbands
redirect abortion pill wikipedia abortion pill process
free prescription discount cards sentencingguidelines.co.uk coupons for cialis
abortion pill abortion pill abortion pill
lisinopril lisinopril lisinopril

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق