مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثأعلام

الشيخ ماء العينين( 1246- 1328هـ/1830- 1910م)

هو الشيخ الإمام، العالم الهمام، المصنِّف المتقن، المشارك المتفنن، المجاهد المقاوم أبو الأنوار ماء العينين – وبه عُرف وشهر- المصطفى بن الشيخ محمد فاضل بن محمد مَامِينْ بن الطالب أخيار بن محمد أبي الأنوار بن الجَّيْهْ المختار بن الحبيب الشنقيطي، القَلْقَمِي، نسبة إلى قبيلة القلاقمة من عرب حسان، ينتهي نسبه إلى إدريس الأكبر مؤسس دولة الأدارسة بالمغرب.

ولد في منطقة الحوض الموريتاني؛ شرقي بلاد شنقيط، يوم الثلاثاء 27 من شهر شعبان سنة (1246هـ) الموافق لـ11 فبراير من سنة (1831م)، في أسرة مشهورة بالعلم، والفضل، والورع.

تلقى المترجم تعليمه الأولي على يد والده العالم الفاضل، الجليل القدر الشيخ محمد فاضل بن مَامِينْ(ت1286هـ)، الذي تعاهده بالتربية والتكوين، وقد أطبق مترجموه الصمت على باقي شيوخه الذين يفترض أنه أخذ عنهم، سواء في المغرب الذي كانت له بمدنه صولات وجولات، أو في رحلته الحجية، فاكتفى محمد مخلوف – مثلا- في شجرة النور الزكية بقوله: »أخذ عن أعلام« دون تعيين هؤلاء الأعلام، ومهما يكن فإن ماء العينين جمع في طلبه علوما جمّة، وفنونا من العلم والأدب مهمة، تفوق بها على غيره من أعلام عصره، ولكثرة ما حصّله، وتنوع ما جمعه، أصبح نابغا في جلِّ أنواع العلوم، مشاركا فيها، فكانت له دراية بعلم التفسير، والحديث، والفقه، والأصول، والسِّيّر، واللغة، والنظم، والشعر، والتصوف، وغَدَا مشتهرا بمعرفة الأسماء والجداول، والدوائر، والأوفاق، وسرّ الحروف، والدعوات.

وإلى جانب الاهتمام العلمي للمترجم والاجتهاد فيه، فإنه كان من أهل العلم الذين جمعوا بينه وبين فضيلة الجهاد؛ إذ كان على رأس من وقفوا بالمرصاد مع سلاطين المغرب ضد المستعمر الفرنسي والإسباني، شمالا وجنوبا، وجمع في جهاده بين التشجيع عليه بالكلمة، وبذل المال، وتوفير العتاد، وتقديم الرجال من أبنائه وتلامذته ومريديه من الصحراء وغيرها من الجهات والمدن المغربية، وهذا لم يُثْنِه عن نشر العلم بين الناس، عامتهم وخاصتهم؛ إذ كان قِبلَة قصدها الناس من جميع الجهات للأخذ عنه، فذلك بالنسبة لهم مفخرة لا يعدلها شيء، ويذكُر مترجموه أن عدد من حلّق حوله وتتلمذ عليه بالسمارة، يقدر بعشرة آلاف بين ذكور وإناث، جمعوا في ذلك بين تدارس العلوم، وتلاوة الأذكار والأوراد، ومن أبرز الخاصة الذين كان لهم شرف الأخذ عنه: الشيخ أحمد الأمين الشنقيطي صاحب كتاب »الوسيط في تراجم أدباء شنقيط«، والوزير أحمد بن موسى، ولما قدم فاسا استجازه عبد الحفيظ بن محمد بن الطاهر بن عبد الكبير الفاسي(1383هـ)، فأجازه، وغيرهم.

وكما حباهُ الله بالعلم، أكرمه بالمال الوفير، والجاه الكبير، وكان أجود بماله وجاهه من الريح المرسلة؛ إذ جعل نفقته في كل أصناف الناس، ومختلف وجوه البر والإحسان.

وللمترجم مكانة ومنزلة خاصة لدى كل سلاطين المغرب الذين عاصرهم، فكان كثير التردد على السلطان المولى محمد بن عبد الرحمن، وكان قربه وحظه في أيام السلطان المولى الحسن الأول أحسن منه في أيام أبيه وجده، وهو في أيام السلطان المولى عبد العزيز أحسن، وكذلك في أيام السلطان المولى عبدالحفيظ، فهو موضع رعايتهم، وعنايتهم، وثقتهم؛ أدخلوه في مشورتهم، وأسندوا إليه تسيير بعض الأطراف التي تحت سلطانهم، فعينه السلطان الحسن الأول خليفة له فيما وراء سوس بظهير سلطاني، وأسند إليه النظر في شؤون الأقاليم الصحرواية.

وكان في حياته كلها متسربلا بسربال الورع، والحلم، والعبادة، والتقوى، والزهد. وفي وصف علمه وحاله قال تلميذه أحمد بن الأمين الشنقيطي: »وما جاء بعد الشيخ سيدي مثله، في إقبال الناس عليه وإنفاقه«، وأضاف قائلا:» وكان هذا الشيخ فاضلا، كريما، لا يوجد أحسن منه أخلاقا«، وفيه قال تلميذه عبد الحفيظ الفاسي: » من أشهر علماء عصره، وأعظم أئمة التصوف به، جليل القدر، كبير الشأن، متقدما على أهل عصره، علما وفضلا، مشاركا في التفسير، والحديث، والفقه، والأصلين، واللغة، والسير، والتصوف، وغيرها«.

ويعتبر الشيخ ماء العينين من علماء العصر الذين طاوعهم القلم، وتعبَّد لهم طريق التأليف، فوضع في شتى العلوم والفنون التي جمعها مصنفات بديعة، ورسائل نافعة، وبلغ عدد ما ألَّفه من الكتب والرسائل والدواوين والأنظام ما يربو على 350 عنوانا، بل هناك من يذكر أن له أضعاف ذلك، لكنه ابتلي بتسلط المستعمر الفرنسي الذي اقتحم مكتباته فنهب منها  ما نهب، وحرق ما حرق، ورغم ذلك فقد سلم منه الشيء الكثير، وطبع منه الكثير، خاصة على المطبعة الحجرية، فمن مؤلفاته المطبوعة: »دليل الرِّفاق على شمس الاتقاف« وهو شرح لمنظومته فيما اتفق عليه من الأحكام على طريقة ابن رشد في البداية، طبع على الحجر سنة (1316هـ)، وبمطبعة العربي الأزرق (1321هـ)، وطبعته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (1982م)، و»إبراز اللآلئ المكنونات من الأسماء الظاهرات والمضمرات«، وهو كتاب استخرجه من مفاتيح الغيب للرازي، طبع على الحجر بفاس سنة (1322هـ)، و»إظهار الطريق المشتهر على السمع ولا تغترر«، طبع على الحجر سنة (1321هـ)، وبهامشه »قرة العينين في الكلام على الرؤية في الدارين«، و»الأقدس على الأنفس« وهو نظم ورقات الحرمين وشرحه، طبع على الحجر بفاس بمطبعة العربي الأزرق، وبهامشه »نظم العيد« وشرحه »تنوير السعيد« (1320هـ)، و»المرافق على الموافق  شرح فيه نظمه للموافقات، المسمى» الموافق« وطبع الشرح بمطبعة العربي أحمد يمني بفاس (1324هـ)، و»تبيين الغموض على نعت العروض« في علم العروض، طبع على الحجر بالمطبعة الفاسية (1320هـ)، وبهامشه »مفيد النساء والرجال في بيان بعض ما جاز من الإبدال« (إبدال بعض الحروف ببعض)، و»صلة المترحم على صلة الرحم« طبع بمطبعة العربي الأزرق (1322هـ)، و»تنوير الزهر«، وهو نظم المزهر للسيوطي، طبع بمطبعة أحمد يمني بفاس (1324هـ)، والخلاص في حقيقة الإخلاص« طبع على الحجر بفاس (1320هـ)، و»معجم الدرر في التوسل بالأسماء والآيات والسور« طبع على الحجر (1312هـ)، و»مبصر المتشوف على منتخب التصوف«، طبع على الحجر في جزأين (1313هـ)، إلى غيرها من تصانيفه المطبوعة والمخطوطة.

توفي الشيخ ماء العينين – رحمه الله- بتزنيت بالسوس الأقصى، بعدما انتقل إليها من السمارة بسبب مضايقات الاحتلال الفرنسي، في 24 شوال (1328هـ).

مصادر ترجمته: الوسيط في أخبار أدباء شنقيط، لأحمد بن الأمين الشنقيطي(365-368)، ومعجم الشيوخ،المسمى رياض الجنة أو المدهش المطرب، لعبد الحفيظ بن محمد بن الطاهر الفاسي (168-170)، والإعلام للمراكشي (7/171-176)، ومعجم طبقات المؤلفين على عهد دولة العلويين لابن زيدان (2/246-248)، وإتحاف المطالع لابن سودة (1/385)، وشجرة النور الزكية لمحمد مخلوف(433)، والأعلام للزركلي (7/243-244)، ومعجم المطبوعات للقيطوني (195-198)، ومعلمة المغرب (20/6932-6933). وقد أفردت كتب تحدثت عن حياته وأخباره مثل:قرة العينين في كرمات الشيخ ماء العينين، لابنه الشيخ مربيه ربه، وسحر البيان في شمائل الشيخ ماء العينين الحسان، لحفيده ماء العينين بن العتيق، وتجليات الفكر الصوفي والسلفي عند الشيخ ماء العينين، لمحمد الشيخ الطالب أخيار ماء العينين، والشيخ ماء العينين وجهاده العلمي والوطني، لشبيهنا حمداتي ماء العينين.

إنجاز: د.مصطفى عكلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق