مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكمفاهيم

السلوك

 ذ/ عبد الرحيم السوني

باحث بمركز دراس بن إسماعيل 

“السلوك” في اللغة مصدر لفعل “سلك”، وهو من أصل المادة اللغوية [س. ل. ك] ومعناه نفوذ الشيء في الشيء. يقال: سلكتُ الطريق أسْلُكه سلوكا؛ أي نفذتُ فيه. وسلكتُ الشيء في الشيء؛ أنفذتُه فيه، ومنه سلك يده في الجيب إذا أدخلها فيه، والسالك السائر، والمسلك الطريق.[1]

ومن المجاز نقول: ذهب في مسلك خفي، وخُذ في مسالك الحق، وهذا كلام دقيق السِّلْكِ، خفي المسلك[2].

وقد ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم اثني عشر مرة ،لكنه لم يرد فيها بصيغة المصدر، وإنما ورد بصيغة الفعل (ماضيا، وأمرا، ومضارعا) بنفس المعنى اللغوي[3]، مرة بدلالة حسية ،وأخرى بدلالة معنوية.

 فمن الأولى قول الله تعالى: ﴿الذي جعل لكم الأرض مهادا وسلك لكم فيها سبلا﴾ [طه: 53]، وقوله سبحانه: ﴿فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين﴾ [المؤمنون:27]، وقوله: ﴿لتسلكوا منها سبلا فجاجا﴾ [نوح:20].

 ومن الثانية قوله عز وجل: ﴿كذلك نسلكه في قلوب المجرمين﴾ [الحجر:12].                           

إلا أن إطلاق لفظ “السلوك” قد غلب على معنى النفوذ في الطريق والسير فيه، سواء كان هذا الطريق طريقا حسيا أو معنويا.

 وفي الاصطلاح: السلوك؛ هو النفوذ والسير في الطريق التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته ، والشروع فيها وملازمتها، وهو مما اصطلح عليه أهل التصوف وتوافقوا عليه؛ إذ السلوك عندهم مرتبط بالطريق التي يسلكها الصوفي من أجل تطهير نفسه، والسمو بها عن الأخلاق الذميمة، مثل حبّ الدنيا والجاه، و الحقد، والحسد، والكبر، والعجب ،والكذب ،والغيبة، والظلم ،ونحوها من المعاصي، وتحليتها بالأخلاق الحميدة ،مثل العلم، والحياء ،والرضا ،والعدالة، ونحوها[4].

 وبهذا يمكن القول: إن السلوك هو طلبٌ لتصحيح العقيدة أولاً بتنزيه الذات الإلهية عن كل التصورات والتخيلات ، ثم الاجتهاد في الطاعات ثانيا، والاستغراق في ذكر الله تعالى من أجل التحقق بأوصاف العبودية لله سبحانه، ومن ثمة فالسلوك هو الطريق الأقوم الذي ينبغي لكل مسلم أن ينهجه؛ لأنه أساس الممارسة الدينية الإسلامية الحقّة التي مبناها على تصفية القلوب وتطهيرها، وهي الغاية التي جاء من أجلها النبي صلى الله عليه وسلم، والطريقة التي انتهجها مع صحابته، وهي طريقة كل المرسلين والأنبياء، قال تعالى: ﴿وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه﴾ [الجن: 16]. والاستقامة على هذه الطريق تقتضي سلوك أثر النبي صلى الله عليه وسلم.

وعليه فالمقصود بالسالك هنا العبد الذي يجتهد في مخالفة هوى نفسه وشهواتها، ويستقيم في طريق الحق بالمجاهدة وإخلاص النية لله تعالى، ليجعل الله له بذلك نورا في قلبه، ويرزقه علما يدرك به حقائق الأمور، ويميز به الأشياء من أضدادها ،مصداقا لقول الله تعالى: ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله﴾ [البقرة: 281.]. فالسالك «في اصطلاح الصوفية .. عبارة عن السائر إلى الله، وهو وسط بين المريد والمنتهي»[5] ما دام في السير.

 هذا مجمل ما ورد في معنى السلوك من الناحية الاصطلاحية، وهو اصطلاح صوفي محض، إلا أن من الصوفية من يورده بشيء من الشمولية في ارتباط بمعناه اللغوي الذي هو النفوذ والسير في الطريق، فيعدد السالكين بحسب تعدد طرق سيرهم، وهذا المعنى يقدمه الشيخ ابن عجيبة في تفسيره “البحر المديد” حيث يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿الذي جعل لكم الأرض مهادا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى﴾ [طه: 53]: «ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه، مما سبق لهم في أزله، ثم هدى إلى الأسباب الموصلة إليه، فمنهم من كان حظه في الأزل قوت الأشباح، هداه إلى أسبابها وهم أهل مقام البعد، ومنهم من كان حظه قوت القلوب، فهداه إلى أسبابها من المجاهدة في الطاعات وأنواع القربات، وهم أنواع:

 فمنهم من شغلهم بتدريس العلوم وتدقيق الفهوم، وتحرير المسائل وتمهيد النوازل، وهداهم إلى أسباب ذلك، وهم حملة الشريعة، إن صحت نيتهم وثبت إخلاصهم.

 ومنهم من شغلهم بتوالي الطاعات وتعمير الأوقات، وهداهم إلى أسبابها، وقواهم على مشاقها، وهم العباد والزهاد.

ومنهم من شغلهم بإطعام الطعام والرفق بالأنام، وتعمير الزوايا وقبول الهدايا، وهداهم إلى أسباب عمارتها والقيام بها، وهم الصالحون.

 ومنهم من كان حظه قوت الأرواح، وهم المريدون السائرون، أهل الرياضة والتصفية، والتخلية والتحلية، والتهذيب والتدريب، وهداهم إلى أسبابها، ووصلهم إلى شيخ كامل يُبينها ويسلّكها، وهم في ذلك مقامات متفاوتة، على حسب صدقهم وجدهم.

 ومنهم من كان حظه قوت الأسرار، وهم العارفون الكبار، السابقون المقربون، أهل الفناء والبقاء، أهل الرسوخ والتمكين، فهداهم إلى ما أمّلوا، ووصلهم إلى ما طلبوا»[6].

والسلوك بمعناه الاصطلاحي ـ أي الصوفي ـ يتطلب- بإجماع أهل هذا الفن- مُسلِّكا ماهرا، يعرف الطريق، ويخبر دروبها، ممن له الأهلية في فعل التسليك، وكملت معرفته بمكائد النفس وألاعيب الشيطان، فهذا صحبته

تختصر الطريق للسالك، وهو بدونه كالمسافر الذي يسير في صحراء لا يعرفها من غير دليل، ولهذا المعنى أشار ابن عاشر في منظومته المرشد المعين:

يَصْحَبُ شَيْخًا عَارِفَ الْمَسَالِك                                      يَقِيهِ  فِي  طَرِيقِهِ  الْمَهَالِكْ

يـُـــــذكـــرُهُ  اللّــــــهَ  إِذَا  رَآه                                      وَيُوَصِّلُ  الْعَبْدَ  إلى مَوْلاه    

 

 


1- أحمد بن فارس: مقاييس اللغة، الراغب الأصفهاني: مفردات ألفاظ القرآن الكريم، ابن منظور: لسان العرب، مادة [س.ل.ك].

2- الزمخشري: أساس البلاغة، مادة [س.ل.ك].

3- وهذه المواضع هي: الحجر الآية 12، النحل: 69، طه: 53، المؤمنون: 27، الشعراء: 200، القصص: 32، الزمر: 21، الحاقة: 32، نوح: 20، الجن: 17 و27، المدثر: 42. وقد ورد فيها بالصيغ الآتية: سلك، سلكناه، فسلكه، لتسلكوا، نسلكه، يسلك، يسلكه، اسلك، فاسلكوه. وفي كل هذه المواضع بصيغها المتعددة لم يخرج السلوك فيها عن معنى الدخول في الشيء والنفوذ فيه.

4- التهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون، ج1، ص: 969، تحقيق علي دحروج، مكتبة لبنان ناشرون، ط1: 1996، بيروت ـ لبنان.

5- نفسه، ج1، ص: 970.

6- أحمد بن عجيبة، البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ج4 ص282ـ 283، تحقيق عمر أحمد الراوي، منشورات دار الكتب العلمية، ط2، 2005، بيروت ــ لبنان. 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق