مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

التحسينات المالية في المذهب المالكي وتطبيقاتها المعاصرة7

 ذ/ عبد السلام اجميلي 

 من علماء القرويين

 

– أنـواع الاستحسان:

إن المتتبع للفروع الفقهية لدى مذاهب القائلين بالاستحسان يجد أنهم يطلقون هذه التسمية على أنواع عدة، فعند الحنفية إما استحسان بالنص سواء كان النص من القرآن أو السنة أو استحسان بالإجماع أو استحسان قياسي أو استحسان للضرورة، أو غير ذلك([1]).

1-استحسان بالنص.

2-استحسان بالإجماع.

3-استحسان بالقياس.

4-استحسان للضرورة.

أما الاجتهاد المالكي فجعل منه ابن العربي الأقسام التالية :

-ترك الدليل للعرف.

-تركه للمصلحة.

-ترك الدليل للإجماع.

-تركه في اليسير لرفع المشقة

أولا : الإستحسان بالنص :

معناه العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم مخالف له ثبت بالكتاب أو السنة([2]).

هذا النوع من الاستحسان هو من حيث الشكل والاصطلاح استحسان كما أطلق عليه الحنفية، ولكنه من حيث الحقيقة نص يتضمن استثناء من الشارع.

ولاستحسان الشارع أمثلة كثيرة ، وهو دليل على أن الشارع الحكيم قدر للحالات الخاصة أحكاما مستثناة تدل في مجملها على شرعية الاستحسان وإظهار حجيته([3]) ، ومن أمثلته : الوصية ، إذ أنها تمليك مضاف لما بعد الموت، ومعلوم أن الإنسان إذا مات لا يملك شيئا وخرج المال من حوزته وانتقل إلى ورثته، وعلى هذا فإن القاعدة التي يجري عليها القياس إبطال الوصية لعدم الملك بعد الموت لكنها استثنيت من ذلك استحسانا للنص الوارد بجوازها، وهو قول الله تبارك وتعالى : “من بعد وصية يوصي بها” ([4]).

وجاء في كتاب الهداية ([5]) الوصية غير واجبة وهي مستحبة، والقياس يأبى جوازها، لأنها تمليك مضاف إلى حال زوال ملكيته، ولو أضيف إلى حال قيامها بأن قال: ملكتك غدا كان باطلا، فهذا أولى.

إلا أن استحسانه لحاجة الناس إليها، فإن الإنسان مغرور بأمله مقصر في عمله، فإذا عرض له المرض وخاف الممات يحتاج إلى تلافي بعض ما فرط منه التفريط بماله على وجه مضى فيه يتحقق مقعده المآلي، ولو أنهضه البرء يصرفه إلى مطلبه الحالي، وفي شرع الوصية ذلك فشرعناه، ثم قال وقد نطق به الكتاب قال الله تعالى “من بعد وصية يوصي بها أو دين” ([6]).

والسنة أن الله تعالى تصدق عليكم بثلث أموالكم في آخر أعماركم ([7]).

ومن أمثلته كذلك قاطع الطريق إذا أخذ المال ثم تركه ثانيا، فإن القاعدة التي يبنى عليها القياس إجراء الحد عليه ولا يسقط عنه بالتقادم لارتكابه ما يوجب ذلك، وقد قالوا: إذا وجب السبب وجد المسبب، لكن الحد يسقط استحسانا لأنه تاب قبل أن يقدر عليه ويكون في التشجيع للذين يعصون ثم يتوبون قبل القدرة عليهم، ولما روي أن الحارث بن زيد قطع الطريق ثم ترك ذلك وتاب، فكتب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه إلى عامله بالبصرة: إن الحارث بن زيد كان من قطاع الطريق وقد ترك ذلك وتحول عنه فلا تعرض له إلا بخير ([8]).

ومن أمثلته كذلك السرقة، فإن الواجب فيها القطع مطلقا بعد توفر شروطها وأركان موجبات الحد أو الجريمة الموجبة للحد، لعموم قوله تعالى:”والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما” ([9]).

لكن عدل عن القطع استحسانا ، وذلك في عام المجاعة كما فعل عمر حتى لا يجتمع على السارقين ضرران: ضرر الجوع وضرر القطع للسرقة وتحقيقا لهذا العام.

ومن أمثلته :

القرض :

فإنه في الأصل ربا إذ أنه درهم بدرهم مع وجود الأصل، والقاعدة التي يبنى عليها القياس أنه لا يجوز، للحديث الوارد في ذلك، إذ أن فيه تأجيل أحد المثلين وهو ربا، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه جوز لرفع المشقة ولدفعها، ولما فيه من الرفق والتوسعة على المسلمين، وفي هذا يقول الإمام الشاطبي فإن من استحسن لم يرجع إلى مجرد ذوقه وتشهيه ، وإنما رجع إلى ما علم من قصد الشارع في الجملة من أمثال تلك الأشياء المفروضة كالمسائل التي يقتضي القياس فيها أمرا إلا أن ذلك الأمر يؤدي إلى فوات مصلحة من جهة أخرى أو دفع مفسدة كذلك، وكثيرا ما يتفق هذا الضروري مع الحاجي، والحاجي مع التكميلي فيكون إجراء القياس مطلقا في الضروري يؤدي إلى حرج  ومشقة في بعض موارده فيتسنى موضع الحرج، وكذلك في الحاجي مع التكميلي أو الضروري مع التكميلي وهو ظاهر، وله في الشرع أمثلة كثيرة كالقرض مثلا فإنه ربا في الأصل لأنه الدرهم بالدرهم إلى أجل، ولكنه أبيح لما فيه من الرفقة والتوسعة على المحتاجين بحيث لو بقي على أصل المنع لكان في ذلك تضييق على المكلفين ([10]).

 

 


[1] -أصول الفقه الإسلامي الزحيلي، 2-743.

[2] -الموافقات، 4-150.

[3] -نظرية الإستحسان للحموي، ص : 32.

[4] -سورة النساء، الآية 17.

[5] -الهداية باب الوصية 8-148-149.

[6] -سورة النساء الآية 18.

[7] -أخرجه بن ماجة عن أبي هريرة بلفظ إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم 2-904.

[8] -المبسوط للسرخسي.

[9] -سورة المائدة الآية 28.

[10] -مصادر التشريع لعبد الوهاب خلاف، ص : 72.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق