مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

الإرشاد إلى تقريب الاعتقاد

إعداد:

الدكتور عبد الله معصر، رئيس مركز دراس بن إسماعيل

الدكتور مولاي إدريس غازي، باحث بمركز دراس بن إسماعيل.

 

بعد أن بين الشارح معنى الإعجاز والمعجزة، شرع رحمه الله في بيان معجزة القرآن فقال:

“ولنبينا صلى الله عليه وسلم معجزات لا تحصى أفضلها معجزة القرآن الباقي محفوظا على وجه كل زمان، وإعجازه من وجوه عدها في الشفاء ثلاثة عشر، وذكر غيره غيرها، فلنذكر بعض ذلك الخ، فنقول من وجوه الإعجاز:

 البلاغة الخارجة عن طوق البشر؛ فقد تحدى مصاقع البلغاء بكله، ثم بعشر سور، ثم بسورة، ثم بآية، فما فعلوا مع شدة المصادة والحرص على النقض عليه صلى الله عليه وسلم لواستطاعوا؛ قال تعالى: (قل لئن اجتمعت)الآية[الإسراء:88]، (قل فاتوا بعشر سور) [هود:13]، (فأتوا بسورة)[البقرة23]، (فليأتوا بحديث مثله)[الطور33-34]، ومن رام معارضته أتى بمسخرة يتضاحك منها كقول مسيلمة إذ سمع سورة الفيل:” الفيل ما الفيل وما أدراك ما الفيل له ذنب وتيل وخرطوم طويل وإن ذلك في خلق ربنا لقليل”، والتيل: الذكر. ولما سمع والنازعات قال: “والباذرات زرعا والحاصدات حصدا والزاريات قمحا والطاحنات طحنا والخابزات خبزا واللاقمات لقما لقد فضلتم على أهل الوبر وما سبقكم أهل المدر”. وقال:” يا ضفدع ابن ضفدعين كم تنقنقين أعلاك في الماء وأسفلك في الطين لا الماء تكدرين ولا الشراب تمنعين”. فبلغ هذا أبا بكر فقال: إنه كلام لم يخرج من  ال: أي أصل جيد، وفي جامع المعيار أن قسيسا أورد على ابن رشيق أن العجز عن معارضة الكلام لا يدل على أنه كلام الله؛ لأن الحريري قال في بيتيته:

                    ســــــــــم سمة تحمد آثارها          واشكر لمن أعطى ولو سمسمه

             والمكر مهما أسطعت لاتأته           كي تقتني السودد والمكـــــرمة

إنهما أمنا أي يعززا بثالث، وتداولهما الأدباء فما زادوا عليها، قال ابن رشيق: فجعلت أفرق بين القرآن وكلام الحريري وهو يقدح في الفرق، ففتح الله في الحال بثالث، فقلت: علي أن الناس لم يغفلوا عن البيتين، بل زادوا بيتا لا أذكر قائله، ولم أنسبه لنفسي لئلا يزدريه فأنشدته:

            والمهر مهر الحور وهو التقي           بادر به الكبرة والمهـــــرمه

فانقطع.

 وقد اعترف البلغاء الأعداء بأن القرآن لا يدرك شأوه، فقال الوليد بن المغيرة: “والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، ومغدق أسفله، وإنه يعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته”. ونام عمر في المسجد فأيقظه قائم على رأسه يتشهد، فسأله فقال: “أنا من بطارقة الروم أحسن العربية وغيرها، سمعت أسيرا من المسلمين يقرأ آية من كتابكم: (ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون)[النور:52]، فإذا فيها جميع ما أنزل على عيسى من أحوال الدنيا والآخرة”. وسمع أعرابي:(فاصدع بما تؤمر)[الحجر:94] فسجد وقال: “سجدت لفصاحته”. وسمع آخر:(فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا)[يوسف80]، فقال: أشهد أن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا. وسمع الأصمعي كلام جارية خماسية أو سداسية فقال: قاتلك الله ما أفصحك، قالت: أوَ يعد هذا فصاحة مع قوله تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى) الآية[القصص:7]، فجمع في آية بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين. وقال عتبة بن ربيعة حين سمع القرآن: والله ما سمعت مثله قط، ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة.

 قال السعد: المذهب أن الله تعالى قادر على أن يأتي بأفصح منه وأبلغ، لكن اقتصر على ذلك القدر لكفايته في الإعجاز، كصانع يبرز من مصنوعه ما ليس غاية مقدوره، ثم يدعو حذاق الصناعة إلى ما يوازي أو يداني أدون ما أبداه، فإن قلت هل هو متفاوت في البلاغة؟ قلنا:لا، نعم يتفاوت بكثرة الاعتبارات والنكت واللطائف التي تجب رعايتها وقلتها، من غير أن يفوت فيما قلت فيه شيء تجب رعايته، مثلا لطائف ( وقيل يا أرض ابلعي ماءك )الآية[هود:44] أوفر من لطائف  سورة الكافرون، والكل لم يهمل فيه شيء مما تنبغي مراعاته. وقولهم الطرف الأعلى وما يقرب منه كلاهما حد الإعجاز، لم يريدوا به اشتمال القرآن على ما يقرب من الطرف الأعلى، بل أرادوا التنبيه على أن ثم مرتبة بين القرآن والكلام البشري لا يستطيعها البشر أيضا، وهي كالصور الحائل؛ ليعلم أن القرآن فوق ما فوق طوق البشر، وأما القول بأنه كان في طوقهم معارضته فصرفوا، فهو وإن قاله الأشعري وغيره ضعيف، إذ الأنسب أن يكون القرآن في أدنى مراتب البلاغة ليظهر خرق العادة في صرفهم عن معارضته مع ذلك.

 وقد جرت عادته تعالى بتأييد رسله بمعجزات من جنس ما تمهر فيه قومهم من العلوم زيادة في إلزام الحجة، فقوم موسى مهروا في السحر وبلغوا الغاية، فأعطي آية قلب العصا حية تتلقف حبال السحرة وعصيهم، ولذلك ما زاد السحرة وهم ألوف على أن آمنوا وسجدوا؛ لعلمهم أن ما رأوا من العصا خارج عن جنس السحر، وقوم عيسى مهروا في الطب، فأعطي أن كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله تعالى حتى أنه أبرأ من يوم واحد خمسين ألفا بالدعاء بشرط الإيمان، وبعث الخليل في قوم غلب عليهم الطبيعيات، فأعطي أن صارت النار عليه بردا وسلاما، ونبينا نشأ في قوم يتساجلون ويتفاخرون بالبلاغة ويتناشدون، فأعطي القرآن المعجز ببلاغته، ومن وجوه إعجازه أسلوبه الغريب الخارج عن مناهج نظم العرب ونثرها وخطبها، فكان بين ذلك قواما.”

 

شرح العالم العلامة البحر الفهامة شيخ الشيوخ

 سيدي محمد الطيب بن عبد المجيد المدعو ابن كيران المولود سنة 1172هـ المتوفى بمدينة فاس 17 محرم سنة 1227

 على توحيد العالم الماهر سيدي عبد الواحد بن عاشر قدس الله سرهما آمين.

 ص 102- 103.

(طبع على نفقة الحاج عبد الهادي بن المكي التازي التاجر بالفحامين)

مطبعة التوفيق الأدبية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق