الرابطة المحمدية للعلماء

الأنثروبولوجيا.. وسؤال القيم

د.غاني: يتضمن التراث الإسلامي دراسات قيمة تتسم بطابع أنثربولوجي متميز

استضاف موقع الرابطة المحمدية للعلماء في حواره الحي لهذا الأسبوع الأستاذ الدكتور زكرياء غاني الباحث في علمي البيولوجيا والأنثربولوجيا، ليجيب على تساؤلات واستفسارات زوار موقعنا الأعزاء حول مختلف القضايا المتصلة بموضوع “الأنثربولوجيا وسؤال القيم” . وكان طبيعيا بالنظر إلى طبيعة الموضع أن يأتي جانب هام من التساؤلات حول ماهية وأسس هذا العلم وصلته بغيره من العلوم..

 وفي هذا الإطار ذكر الضيف الكريم أن “مصطلح الانثربولوجيا مشتق من كلمتين إغريقيتين “أنثربوس” و”لكوس” . فـ”أنثربوس” يعني الإنسان، و”لكوس” يعني المعرفة، وبالتالي فالانثربولوجيا هي العلم الذي يعنى بدراسة الإنسان في جميع أبعاده. ومن هنا يأتي التقسيم بين الأنثربولوجيا الفيزيائية التي تدرس البعد البيولوجي للإنسان، والأنثربولوجيا اللغوية التي تدرس مصادر التنوع اللغوي، وهناك الانتربولوجيا الاجتماعية والثقافية التي تهتم أساسا بالأبعاد السياسية والاقتصادية والدينية للإنسان..”

مضيفا أن “الأنتربولوجيا في بداية نشأتها كانت تهتم بدارسة المجتمعات المختلفة أي البعيدة، في حين أن السوسيولوجيا كانت تهتم بدراسة المجتمع الذي ينتمي إليه الباحث نفسه..والفرق الثاني بين هاذين العلميين هو فرق منهجي، حيث إن الأنتربولوجيا تعتمد أساسا على ما يسمى بالملاحظة المشارِكة حيث إن الباحث يعيش بين أفراد المجتمع المدروس بشكل مباشر ولمدة طويلة قد تستمر لسنوات.”

 وعن أهم التطورات التي عرفتها الأنتربولوجيا، أبرز الأستاذ غاني كيف أنه في السنوات الأخيرة تفرع علم الانثربولوجيا إلى عدة تخصصات جزئية، بحيث لم يعد الحديث يجري عن الانثربولوجيا الثقافية الاجتماعية الدينية والسياسية فحسب، وإنما عن أضرب أخرى من الأنثربولوجيا من قبيل “الانثربولوجية الصحية والطبية، الانثربولوجية القانونية والدبلوماسية، والسياحية… وهذه التخصصات الجزئية تدخل كلها في مجال الانثربولوجيا الثقافية والاجتماعية..”

وفي هذا السياق أشار الباحث إلى بعض التعريفات الأولية للانتربولوجيا تميزها عن الدراسة التاريخية بكونها تهتم أساسا بالرواية الشفوية وبالموروث الشفوي. في حين أن التاريخ يهتم أكثر بالمكتوب. وعلى الرغم من أن هذه المفارقة قد تجوِزت إلا أنها تبقى صالحة لإعطاء تعريف دقيق وخاص بالانتربولوجيا.

منبها إلى أن الموروث الشفوي يشكل “خزانا تاريخيا وأركيولوجيا كبيرا” يسعف في الكشف عن أسرار تمس بنية المجتمع المدروس وتجاهلها أو تناساها التأريخ. ولذلك فالثقافة الشفوية تعتبر تخصصا ومجالا مهما للانتربولوجيا.
وفي هذا الإطار أوضح الباحث أن دراسته الشخصية “تنطلق أساسا من المعتقدات والروايات الشفوية لمحاولة فهم المجتمع المغربي في أبعاده الثقافية والسياسية.”

وعن مدى تجدر هذا العلم في تراثنا الثقافة العربي الإسلامي أكد الباحث أن لهذا العلم جذور في جميع ثقافات العالم وحضارتهم. مضيفا:” داخل النسق الإسلامي هناك دراسات قيمة يمكن أن نصفها بالطابع الانثربولوجي وهنا لا أفكر فقط في كتابات الرحالة العرب كأمثال ابن بطوطة، وابن حوقل، والإدريسي، الذين درسوا ثقافة الآخر وقارنوها بحضارتهم؛ ولكن أفكر كذلك وبالخصوص في كتاب “ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة” لمؤلفه البيروني الذي درس بشكل عميق ودقيق وبمنهج انتربولوجي خالص ثقافة وحضارة ودين الهند بموضوعية منقطعة النظير، دون تحيز مذهبي أو إيديولوجي. ونذكر كذلك بمؤلفات ابن خلدون، ونظريته حول العمران البشري الذي هو في عمقه بحث سوسيولوجي وانثربولوجي حول المجتمع والسياسة.”
كما أكد الدكتور زكرياء غاني على صلاحية الانثربولوجيا أكثر من أي علم آخر لدراسة المجتمع المغربي.  مبرزا في بهذا الصدد كيف أن نشأتها الاستعمارية؛ لا يمكن أن ننسى أو نقلل من قيمة الدراسات الذين أنجزها الباحثون الغربيون حول المغرب، وساعدت بقوة على فهم المجتمع المغربي، في جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية”.

فمناهج الانثربولوجيا رغم نشأتها الغربية إلا أنها تشكل أرضية صالحة للبحث، وما على الباحثين والمفكرين في العالم الإسلامي والعربي إلا أن “يخصبوا ويفعلوا هذه المناهج من خلال تراثهم..” سعيا لإغناء هذا “الميراث الثقافي العالمي..” داعيا إلى ضرورة العمل في حقل الانثربولوجيا “كباحثين مستقلين من الموروث الاستعماري وغير مسلوبين بالفكر الغربي.” مشددا على أن الطرح الشوفيني المتشنج “لأسلمة العلوم” يتناقض مع روح الإسلام في النظر إلى العلم كـ”مشترك إنساني تسهم فيه جميع الحضارات والثقافات.”

ومع أن الدين يعد من أكبر المجالات التي اهتمت بها الانثربولوجيا منذ نشأتها، إلا أنها اهتمت أكثر بالتعبيرات الشعبية والميثولوجية والطقوسية للدين. ومع عدم تقليل الباحث من أهمية هذا النمط من الدراسات والأبحاث وإسهامها الفعلي في فهم واستيعاب مختلف التحولات التي تعرفها المجتمعات موضوع الدراسة، إلا أنه يؤكد على أهمية اهتمام الانثربولوجيا ، إلى جانب ذلك، بالجوانب “الأصولية” للدين، “سواء من خلال دراسة النصوص الدينية والتاريخية أو من خلال البحث الاثنوغرافي المباشر.”

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق