مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثشذور

الآداب حصن من حصون الإيمان

قال الإمام أبوالحجاج يوسف بن دوناس بن عيسى الفِنْدَلاَوي المغربي المالكي (ت543هـ) في رسالته عن حقيقة الدين والنصح لأئمة وعامة المسلمين، مبينا مكانة الآداب في الإيمان:

«مثل الإيمان كمثل بلدة لها خمسة من الحصون، الأول: من ذهب، والثاني: من فضة، والثالث: من حديد، والرابع: من آجر، والخامس: من لبن، فما دام أهل الحصن متعاهدين الذي هو من لبن، لا يطمع العدو في الثاني، فإذا أهملوا ذلك، طمعوا في الحصن الثاني، ثم في الثالث، حتى تخرب الحصون كلها، فكذلك الإيمان في خمسة من الحصون: أولها: اليقين، ثم الإخلاص، ثم أداء الفرائض، ثم إتمام السنن، ثم حفظ الآداب، فما دام العبد يحفظ الآداب ويتعاهدها، فالشيطان لا يطمع فيه، فإذا ترك الأدب طمع الشيطان في السنن، ثم في الفرائض، ثم في الإخلاص، ثم في اليقين، فينبغي للإنسان أن يحفظ الآداب في جميع أموره، وأن للاجتماع آدابا، وأن للأكل آدابا، وللسفر آدابا، وللرجل مع المرأة، وللمرأة مع الرجل آدابا، وللراعي مع رعيته، وللرعية مع الراعي آدابا، وللزيارات، ومعاملة الجوار آدابا، ولعلاقة أفراد الأسرة؛ بعضهم مع بعض آدابا، وفي كل تلك الآداب ما يُهذّب النفوس، ويُلطّف الطِّباع، ويُدرّب على مكارم الأخلاق.

وإن أقوى ما يلزم على تلك الآداب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بل إن ذلك هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهمُّ الذي ابتعث الله له النبيين، قال تعالى:﴿ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون﴾ وقال سبحانه: ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله﴾، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«لَتَأْمُرُنَّ بالمعروف، ولتَنْهَوُنَّ عن المنكر، أو ليسلطن الله تعالى شراركم على خياركم، فيدعو خياركم فلا يُستجاب لهم».

والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر واجبان على كل مسلم حرٍّ مكلّف عالم بذلك، بشرط القدرة على وجهٍ لا يؤدي إلى فساد عظيم، وضرر في نفسه وماله وأهله، ولا فرق بين أن يكون إماما، أو عالما، أو قاضيا، أو واحدا من الرعية، وإنما شرطنا العلم، والقطع به لما في ذلك من خوف الوقوع في الإثم؛ لأنه لا يأمن المنكر أن يكون الأمر بخلاف ما ظنّ، وقد قال الله عز وجل:﴿ ياأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم﴾، ولا يجب عليه كشف ما ستر عنه؛ لأن الله تعالى نهى عن ذلك فقال: ﴿ ولا تجسسوا﴾، إنما الواجب عليه إنكار ما ظهر، وفي بحث ما ستر كشف السّتر، وذلك ممنوع منه في الشرع.

والأفضل إذا كان من أهل العزيمة والصبر أن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وإن كان ذلك لسلطان جائر إظهارا لكلمة الإيمان، فإن ذلك كالجهاد في سبيل الله مع الكفار، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه: «يا أبا هريرة مُرْ بالمعروف، وانْهَ عن المنكر، واصبرِْ على ما أصابك»، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغي لامرئ شهد مقاما فيه حق إلا تكلم به»، وقال: «إن الله لا يعذب الخاصة بذنوب العامة، حتى يرى المنكر بين أظهرهم، وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه». تلك هي كلمة مجملة عن الآداب، وقلنا إنها تأتي في المرتبة الخامسة من حصن الدين».

المصدر: فتوى الإمام الشهيد الفِنْدَلاَوِي في بيان حقيقة الدين والنصح لأئمة وعامة المسلمين (ص 71ـ74)، تحقيق د. أحمد بن محمد البوشيخي، نشر مطبعة آنفو برانت ـ فاس، الطبعة الأولى 2002م.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق