مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثشذور

اختلاف مذاهب الأمصار في تعليم الولدان

 قال العلامة المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون(ت808هـ) في مقدمته(3/220) في الفصل الذي عقده بعنوان:«في تعليم الولدان واختلاف مذاهب الأمصار الإسلامية في طرقه»:

«اعلم أنّ تعليم الولدان للقرآن شعار من شعائر الدين أخذ به أهل الملّة ودرجوا عليه في جميع أمصارهم؛ لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن، وبعض متون الأحاديث وصار القرآن أصلَ التعليم الذي يُبنى عليه ما يحصل بعده من الملَكات، وسبب ذلك أنّ تعليم الصغار أشدّ رسوخا، وهو أصل لما بعده لأنّ السابق الأول للقلوب كالأساس للملَكات، وعلى حسب الأساس وأساليبه يكون حال ما يبنى عليه، واختلفت طرقهم في تعليم القرآن للولدان باختلافهم في اعتبار ما ينشأ عن ذلك التعليم من الملكات، فأمّا أهل المغرب فمذهبهم في الولدان الاقتصار على تعليم القرآن فقط وأخذهم أثناء ذلك المدارسة بالرسم ومسائله واختلاف حملة القرآن فيه؛ لايخلطون ذلك بسواه في شيء من مجالس تعليمهم لا من حديث، ولا من فقه، ولا من شعر، ولا من كلام العرب إلى أن يحذق في ذلك أو ينقطع دونه؛ فيكون انقطاعه في الغالب انقطاعا عن العلم بالجملة، وهذا مذهب أهل الأمصار بالمغرب ومن تبعهم من قرى البربر، أمم المغرب، في ولدانهم إلى أن يجاوزوا حد البلوغ إلى الشبيبة، وكذا في الكبير إذا راجع مدارسة القرآن بعد طائفة من عمره، فهم لذلك أقوم على رسم القرآن وحفظه من سواهم.

وأما أهل الأندلس فمذهبهم تعليم القرآن والكتاب من حيث هو، وهذا هو الذي يراعونه في التعليم إلا أنه لما كان القرآن أصلَ ذلك وأسَّه ومنبعَ الدّين والعلوم جعلوه أصلا في التعليم، فلا يقتصرون لذلك عليه فقط، بل يخلطون في تعليمهم للولدان رواية الشعر في الغالب والترسل وأخذهم بقوانين العربية وحفظها وتجويد الخط والكتاب ولا تختص عنايتهم في التعليم بالقرآن دون هذه، بل عنايتهم فيه بالخط أكثر من جميعها إلى أن يخرج الولد من عمر البلوغ إلى الشبيبة وقد شدَا بعض الشيء في العربية والشعر والبصر بهما وبرز في الخط والكتاب، وتعلق بأذيال العلم على الجملة لو كان فيها سند لتعليم العلوم؛ لكنهم ينقطعون عن ذلك لانقطاع سند التعليم في آفاقهم، ولا يحصل بأيديهم إلا ما حصل من ذلك التعليم الأول وفيه كفاية لمن أرشده الله تعالى واستعداد إذا وجد المعلم، وأما أهل إفريقية فيخلطون في تعليمهم للولدان القرآن بالحديث في الغالب ومدارسة قوانين العلوم وتلقين بعض مسائلها إلا أن عنايتهم بالقرآن واستظهار الولدان إياه ووقوفهم على اختلاف رواياته وقراءاته أكثر مما سواه وعنايتهم بالخط تبع لذلك، وبالجملة فطريقهم في تعليم الولدان أقرب إلى طريقة أهل الأندلس لأن سند طريقتهم في ذلك متصل بمشيخة الأندلس الذين أجازوا عن تغلب النصارى على شرق الأندلس واستقروا بتونس وعنهم أخذ ولدانهم بعد ذلك…

فأما أهل إفريقية والمغرب فأفادهم الاقتصار على القرآن القصور عن ملكة اللسان جملة وذلك أن القرآن لا ينشأ عنه في الغالب ملكة لما أنّ البشر مصروفون عن الإتيان بمثله فهم مصروفون كذلك عن الاستعمال على أساليبه، فلا تحصل لصاحبه مَلَكَة في اللسان العربي وحظه الجمود في العبارات وقلة التصرف في الكلام، وربما كان أهل إفريقية في ذلك أخفّ من أهل المغرب لما يخلطون في تعليمهم القرآن بعبارات العلوم في قوانينها كما قلناه، فيقتدرون على شيء من التصرف ومحاذاة المثل بالمثل، إلا أن ملكتهم في ذلك قاصرة عن البلاغة لما أن أكثر محفوظهم عبارات العلوم النازلة عن البلاغة، كما سيأتي في فصله.

وأما أهل الأندلس فأفادهم التفنن في التعليم وكثرة رواية الشعر والتّرسيل ومدارسة العربية من أول العمر حصول ملكة صاروا بها أعرف في اللسان العربي وقصروا في سائر العلوم لبعدهم عن مدارسة القرآن والحديث الذي هو أصل العلوم وأساسها، فكانوا لذلك أهل خط وأدب بارع أو مقصر على حسب ما يكون التعليم الثاني من بعد تعليم الصّبيّ، ولقد ذهب القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب رحلته؛ إلى غريبةٍ في وجه التعليم وأعاد في ذلك وأبدأ وقدّم تعليم العربية والشعر على سائر العلوم كما هو مذهب أهل الأندلس. قال: لأن الشعر ديوان العرب، ويدعو إلى تقديمه وتقديم العربية في التعليم ضرورة، فساد اللغة ثم تنتقل منه إلى الحساب فتمرّن فيه حتى ترى القوانين ثم تنتقل إلى درس القرآن فإنه يتيسر عليك بهذه المقدمة، ثم قال: ويا غفلة أهل بلادنا في أن يؤخذ الطفل بكتاب الله في أول أمره يقرأ ما لم يفهم، وينصب في أمرٍ غيرُه أهمّ عليه منه، قال: ثم ينظر في أصول الدين ثم أصول الفقه ثم الجدل ثم الحديث وعلومه ونهي مع ذلك أن يخلط في التعليم علمان إلا أن يكون المتعلم قابلا لذلك بجودة الذهن وا لنشاط، هذا ما أشار إليه القاضي رحمه الله تعالى، وهو لعَمري مذهب حسن إلا أن العوائد لا تساعد عليه وهي أملك بالأحوال ووجه ما اختصت به العوائد من تقديم دراسة القرآن إيثار التبرك والثواب وخشية ما يعرض للولد في جنون الصّبى من الآفات والقواطع عن العلم فيفوته القرآن لأنه ما دام في الحجر منقاد للحكم فإذا تجاوز البلوغ وانحل من رِبقة القهر فربما عصفت به رياح الشبيبة فألقته بساحل البطالة فيغتنمون في زمان الحجر وربقة الحكم تحصيل القرآن لئلا يذهب خلوا منه، ولو حصل اليقين باستمراره في طلب العلم وقبول التعليم لكان هذا المذهب الذي ذكره القاضي أولى ما أخذ به أهل المغرب والمشرق ولكن الله يحكم ما يشاء لا معقب لحكمه».

 مقدمة ابن خلدون(3/220-223)، تحقيق عبد السلام الشدادي، نشر بيت الفنون والعلوم والآداب، ط1/2005م.

إعداد: ذ.جمال القديم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق