مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثشذور

اجتماع خصال الجلال والكمال في النبي محمد

قال القاضي عياض، رحمه الله: 

اعلم أيها المحب لهذا النبي الكريم، الباحث عن تفاصيل جُمَل قدره العظيم، أن خصال الجمال والكمال في البشر نوعان:

ضروري دنيوى؛ اقتضته الجِبِلَّة وضرورة الحياة الدنيا.

ومكتسب دينى؛ وهو ما يحمد فاعله ويقرب إلى الله تعالى زلفى.

ثم هي على فنين أيضاً:

منها ما يتخلص لأحد الوصفين، ومنها ما يتمازج ويتداخل.

فأما الضروري المحض: فما ليس للمرء فيه اختيار، ولا اكتساب، مثل ما كان في جبلته من كمال خلقته، وجمال صورته، وقوة عقله، وصحة فهمه، وفصاحة لسانه، وقوة حواسه وأعضائه، واعتدال حركاته، وشرف نسبه، وعزة قومه، وكرم أرضه.

ويلحق به: ما تدعوه ضرورة حياته إليه من غذائه، ونومه، وملبسه، ومسكنه، ومنكحه، وماله وجاهه.

وقد تلحق هذه الخصال الآخرة بالأخروية، إذا قصد بها التقوى، ومعونة البدن على سلوك طريقها، وكانت على حدود الضرورة وقواعد الشريعة.

وأما المكتسبة الأخروية: فسائر الأخلاق العلية، والآداب الشرعية من: الدين، والعلم، والحلم، والصبر، والشكر، والعدل، والزهد، والتواضع، والعفو، والعفة، والجود، والشجاعة، والحياء، والمروءة، والصمت، والتؤدة، والوقار، والرحمة، وحسن الأدب والمعاشرة وأخواتها، وهى التي جِمَاعها: حسن الخلق.

وقد يكون من هذه الأخلاق، ما هو في الغريزة، وأصل الجبلة لبعض الناس؛ وبعضهم لا تكون فيه فيكتسبها، ولكنه لا بد أن يكون فيه من أصولها في أصل الجبلة شعبة كما سنبينه إن شاء الله تعالى.

وتكون هذه الأخلاق دنيوية، إذا لم يرد بها وجه الله، والدار الآخرة، ولكنها كلها محاسن، وفضائل، باتفاق أصحاب العقول السليمة، وإن اختلفوا في موجب حسنها، وتفضيلها.

قال القاضي: إذا كانت خصال الكمال، والجلال، ما ذكرناه ورأينا الواحد منا يتشرف بواحدة منها، أو اثنتين إن اتفقت له في كل عصر، إما من نسب، أو جمال، أو قوة، أو حلم، أو شجاعة، أو سماحة، حتى يعظم قدره، ويضرب باسمه الأمثال، ويتقرر له بالوصف بذلك في القلوب أثرة عظيمة، وهو منذ عصور خوال، رمم بوال.

فما ظنك بعظيم قدر من اجتمعت فيه كل هذه الخصال، إلى ما لا يأخذه عد، ولا يعبِّر عنه مقال، ولا ينال بكسب، ولا حيلة، إلا بتخصيص الكبير المتعال؛ من فضيلة النبوة، والخلة والمحبة، والاصطفاء، والرؤية، والقرب، والدُّنُو، والوحي، والشفاعة، والوسيلة، والفضيلة، والدرجة الرفيعة، والمقام المحمود، والبراق، والمعراج، والبعث إلى الأحمر والأسود، والصلاة بالأنبياء، والشهادة بين الأنبياء، والأمم، وسيادة ولد آدم، ولواء الحمد، والبشارة، والنذارة، والمكانة عند ذي العرش، والطاعة ثَمَّ، والأمانة، والهداية، ورحمة للعالمين، وإعطاء الرضى والسؤل، والكوثر، وسماع القول، وإتمام النعمة، والعفو عما تقدم وتأخر، وشرح الصدر، ووضع الوزر، ورفع الذكر، وعزة النصر، ونزول السكينة، والتأييد بالملائكة، وإيتاء الكتاب والحكمة، والسبع المثاني والقرآن العظيم، وتزكية الأُمة، والدعاء إلى الله، وصلاة الله تعالى والملائكة، والحكم بين الناس بما أراه الله، ووضع الإصر والأغلال عنهم، والقَسَم باسمه، وإجابة دعوته، وتكليم الجمادات والعجم، وإحياء الموتى وإسماع الصم، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكثير القليل، وانشقاق القمر، ورد الشمس، وقلب الأعيان، والنصر بالرعب، والاطلاع على الغيب، وظل الغمام، وتسبيح الحصى، وإبراء الآلام، والعصمة من الناس…

إلى مالا يحويه محتفل، ولا يحيط بعلمه إلا ما نحه ذلك، ومفضله به لا إله غيره.

إلى ما أعد له في الدار الآخرة، من منازل الكرامة، ودرجات القدس، ومراتب السعادة، والحسنى، والزيادة التي تقف دونها العقول، ويحار دون إدراكها الوهم…

كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى (1/139-144)

طبعة مؤسسة علوم القرآن ودار الفيحاء، تحقيق: محمد أمين قرة علي، وأسامة الرفاعي، وجمال السيروان، ونور الدين قرة علي، وعبد الفتاح السيد، الطبعة الثانية:1407هـ/1946م.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق